|
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
الكيبوتس– بين
نمط الاشتراكية والاستعمار
الاستيطاني
مدخل: تعود
بداية تاريخ صور الحياة الجماعيه (التعاونيه)
للانسان إلى تاريخ نشوئه, فقد عرف الإنسان
تجارب مختلفة للحياة الجماعية كان آخرها
وأكبرها حجما تجربة القرى التعاونية, التي
عرفها العالم الاشتراكي في أوروبا الشرقية
والصين مع بداية القرن العشرين. وفي
حين بقيت تلك القرى الجماعية على هامش
المجتمع, لم يكن الكيبوتس جزيرة منعزلة عن
المجتمع الصهيوني لاقبل ولا بعد قيام دولة
اسرائيل على ارض فلسطين, بل انه يرتبط بهذا
المجتمع سياسيا, عسكريا, اقتصاديا
وايديولوجيا ارتباطا عضويا وبالتالي لا
يمكن التعامل مع الكيبوتس في اطار منفصل عن
الفكر والمجتمع الصهيونيين في نزعتيهما
الاستعمارية. يحتل
الكيبوتس في الإعلام والرأي العام الغربي
مرتبة مرموقه, فمنذ تاريخ الثوره الصناعيه
وحتى يومنا هذا عرف المجتمع البشري قيام
اشكال مختلفه من القرى التعاونيه على اسس
اشتراكية. لكن لم تلق اي من تلك القرى
الاشتراكية اهتماما من العلماء مثلما لقي
الكيبوتس, ففي العالم الغربي قام كثيرون من
العلماء في مجال علم الاجتماع, التربيه,الاقتصاد
وعلم النفس
بتناول قضية الكيبوتس في ابحاثهم حتى اصبح
الناس في تلك المجتمعات يرونه كاعجوبة او بالاحرى اسطورة الدولة الصهيونيه. وتمكن
العلم والاعلام الى حد كبير من اخفاء
الصوره الفاشيه للدولة الصهيونيه وإظهار
اسرائيل وكانها مجتمع كيبوتسي يعكس اسمى ما
وصلت اليه الانسانيه من عدالة اجتماعية.
حتى في صفوف الحركات والمنضمات الاشتراكيه
في العالم الغربي وبضمنهم العلماء
اليساريون لاقى الكيبوتس تحت تاثير
الدعايه الصهيونيه اعجابا وتاييدا فراحوا
يعرّفوه بمصطلحات مثل "مجتمع ديموقراطي",
"مجتمع الا طبقات" و "مجتمع القطاع
العام" الخ. . . كان
علم التربية اكثر مجالات العلم في اوروبا
الغربيه واميركا التي منحت الكيبوتس
اهتماما، حيث خصص كثيرون من علماء التربيه
جزءا من ابحاثهم للتربيه الجماعيه في
الكيبوتس واشادوا بها وبضمنهم علماء تربية
يساريون, لكن نسبة قليلة من علماء التربية
اليساريين ورغم اعجابهم به ابدوا بعض
التحفظ من التربية الجماعية في الكيبوتس
لانها ترتكز على الاساس القومي, او بالأحرى
لانها تنمي الشعور القومي الذي يؤكد ان
جميع شباب الكيبوتسات وبدون استثناء
يعتنقون الفكر الصهيوني, لكن نسبه قليلة من
هذا الشباب تطمح الى العيش في دولة ذات نظام
اشتراكي. في
الوقت الذي حارب به علماء التربية في العالم
الرأسمالي في ابحاثهم كل اشكال التربيه
الجماعية المبنية على اسس اشتراكية, فقد
ابدوا تاييدهم واعجابهم بالتربيه الجماعية
في الكيبوتس. يبدو لأول وهلة وكأن في الامر
تناقضاً, لكن في الحقيقة ليس هناك اي تناقض
بين الأمرين وذلك في اعتقادي لأن: (1) التربيه
الجماعية في الكيبوتس لا تقوم على اساس هدف
تغيير تركيبة المجتمع الاسرائيلي
الرأسمالي بل ترتكز هذه التربية على الفكر
الصهيوني وبالتالي على تنمية الاحساس
والشعور القومي بدرجة رئيسية, وهذا الامر
يتعارض مع التربية الشيوعية الماركسيه
لكنه لا يتعارض مع التربيه في المجتمعات
البرجوازيه الرأسمالية. (2) الكيبوتس كشكل
من اشكال الحياة لا يعتبر نفسه نظاماً
حياتياً نقيضا للمجتمع (الصهيوني)
الرأسمالي, انما هو جزء لا يتجزأ منه ومندمج
فيه تماما. لذلك فالمخاوف من ان الكيبوتس قد
يشكل نواة اشتراكية قد تؤدي الى تغيير
مجتمع ذي نظام رأسمالي الى آخر ذي نظام
اشتراكي, تبقى مخاوف لا اساس لها. في
الوقت الذي يحارب فيه العالم الرأسمالي كل
اشكال المجتمعات الاشتراكية, حيث ان رأس
المال الاحتكاري في الولايات المتحده
والدول الرأسمالية, ادّى الى القضاء
على كل المستوطنات الاشتراكيه التي قامت
بداخله, نرى ان الكيبوتس يتطور ويتوسع رغم
وجوده بمجتمع رأسمالي, بل يعيش بتوافق كامل
في هذا المجتمع. لم
يتبنَ الكيبوتس صاحب الاشتراكية المزيفة
الفكر الصهيوني العنصري ليكون هذا الفكر هو
المحور والقاعدة الاساسية لكيانه فقط, بل
ان المجتمع الكيبوتسي كان يقيم افضل
العلاقات وعلى الاخص العلاقات التجارية مع
اكبر نظام عنصري فاشي في العالم الا وهو
نظام جنوب افريقيا "نظام الابارتهايد". إ
ن كل نظام اجتماعي بكامل اعمدته
الاقتصادية,الاجتماعيه, التربويه
والعسكرية يشتق نفسه من القاعدة
الايديولوجية السياسية, وهذا يعني ان الفكر
الايديولوجي السياسي هو الذي يحدد طبيعة
وشكل اعمدة المجتمع. طبيعي ان يتناول
الباحثون في ابحاثهم اعمدة المجتمع بشكل
منفرد, اي بحث كل منها على انفراد, لكن كل
بحث علمي لا يتعامل مع او لا ياخذ بعين
الاعتبار العلاقه المتبادله مابين الفكر
الايديولوجي والنظام السياسي لمجتمع ما
وبين اعمدته الاجتماعيه,الاقتصاديه. . . الخ.
يبقى مقرونا بالنقص او بالاحرى
غير متكامل, وفي رأيي أن هذه ناحية مهمة في
مجال العلم والابحاث. حين
نكشف القناع عن العلاقة المتبادلة بين
الكيبوتس كشكل من اشكال الحياة وبين
ايديولوجيته الصهيونية, تتجلى حقيقة
الكيبوتس للعيان وتتلاشى كل القيم (النزيهة)
المزيفة التي صورتها الدعاية الصهيونية
خلال تسعين عاما منذ قيام اول كيبوتس (1910م)
على ارض فلسطين. المجتمع
الكيبوتسي يجب فهمه فقط كجزء من كامل
الحركه الصهيونية وايديولوجيتها والتي هي
من انتاج العالم الرأسمالي الاستعماري او بالاحرى
نتيجة لازمة العالم الرأسمالي المتمثله
بحروبه الفاشية. تحاول
الحركة الصهيونية والمجتمع الكيبوتسي الذي
هو جزء منها عن طريق الدعاية اعطاء
الكيبوتيس وقضية نشوئه خلفيات اشتراكية
شيوعية, وكانه اي الكيبوتس صورة استمرارية
لنضال الشعوب للعيش بحرية في مجتمعات عادلة
منذ ثورة العبيد في اسبارطه وحتى اليوم, وان
جذور الكيبوتس تمتد من نفس التربة
الاشتراكية التي امتدت منها باقي
المجتمعات الاشتراكية الاخرى التي عرفناها
وخاصه تلك التي قامت خلال القرنين التاسع
عشر والعشرين. والحقيقة ان الكيبوتس ما هو
الا اداة عسكرية, سياسية, اقتصادية
وايديولوجيه في يد الحركة الصهيونية اتي
استعملتها في استعمار الارض العربية وطردت
الشعب العربي الفلسطيني والسوري من وطنه,
وما زال الكيبوتس يلعب هذا الدور في سياسة
النظام الصهيوني التوسعية على الأرض
العربية. منذ
نشوء الكيبوتس وحتى يومنا هذا وهو يقف خلف
الحركه الصهيونية واهدافها الاستعمارية
والتي تمثلت في قيام الكيان الصهيوني على
ارض فلسطين وحروبه التوسعيه التي تلت ذلك. ولأكون
اكثر دقة, فان الكيبوتس اقيم من اجل تحقيق
الاهداف الصهيونية المختلفة "للقومية
اليهودية". فالفكر الصهيوني يشكل
القاعده الاساسيه لمجتمع الكيبوتس, وان
نظامه الداخلي وصيغة حياته الجماعيه
وخصائصه البنائيه والجغرافيه تتلائم مع
اهداف وسياسة الاستيطان الصهيوني. قامت
دولة اسرائيل عن طريق العنف والقوة, فمئات
الآلاف من
أبناء الشعبين الفلسطيني والسوري قد شردهم
النظام الصهيوني بالقوة والارهاب المقترن
بالمذابح وهدم القرى وسلب الارض. وقد شارك
الكيبوتس بكل ما لديه من امكانيات في تنفيذ
هذه الاعمال الفاشيه ضد الشعب العربي, بل
كان الكيبوتس قلعة للمنظمات الصهيونية
الارهابية. لقد اشاد كل الزعماء الصهاينة
بدور الكيبوتس في اقامة الكيان الصهيوني
وراح البعض يقول لولا الكيبوتس لما كان
هناك دولة اسرائيل, ومقابل انجازاته "العظيمة"
استولى الكيبوتس على اراضي المشردين من
فلسطين والجولان واقام جنته على قبورهم.
الاستعمار
الاستيطاني يرتبط
تاريخ الكيبوتس ارتباطا عضويا بمشروع الاستعمار الصهيوني لارض فلسطين والذي
بدوره يرتبط بالمشروع الغربي لاستعمار
الوطن العربي. في
نهاية القرن التاسع عشر كان ما يقارب ثلاثة
ارباع مساحة الكره الارضيه يقبع تحت
الاستعمار. من جنوب ووسط امريكا الى
افريقيا وآسيا, والتي تبلغ مساحتها تسعة
اضعاف مساحة الدول المستعمِرة.
لم يكن مع بامكان
الدول الاستعماريه مع مرور الوقت احكام
سيطرتها على البلدان المستعمَره
بسبب ازدياد مقاومة شعوب هذه البلاد
للاستعمار. ولما كانت الدول المستعمِرة لا
تفكر ابدا بانهاء الاستعمار واعطاء الشعوب
حريتها واستقلالها, راحت تفكر بوسائل تدعم
بقاء واستمرار سيطرتها وبالتالي استمرار
استغلال الموارد الطبيعية والبشرية
للبلدان المستعمرة. فجاء التحول من
الاستعمار الكلاسيكي الذي كان يعبر عن نفسه
بالوجود العسكري الى الاستعمار الاستيطاني
الذي اضاف الى الوجود العسكري توطين كوادر
بشرية في المناطق المستعمَرة،
وبذلك جاء الوجود البشري ليلعب
دوره في زيادة احكام سيطرة الدول
الاستعمارية. كان
أول من اوجد الاستعمار الاستيطاني هم
الرومان، ومارسه الفرنسيون في الجزائر
وغويانا الجديدة, والهولنديون في جنوب
افريقيا والايطاليون في ليبيا
والبريطانيون في روديسيا (زمبابواي), واما
الاستعمار الابيض لامريكا واستراليا فهو
يشكل رأس الحربة للاستعمار الاستيطاني. لم
يقتصر الاستعمار الاستيطاني في كثير من
البلدان على استغلال الموارد الطبيعية
والبشرية, انما ذهب الى ابعد الحدود ليدمر
الحياة الاجتماعية والهوية الثقافية
والقومية لهذه الشعوب بل وممارسة المذابح
ضدها. لم
تولد فكرة الاستعمار الاستيطاني لارض
فلسطين مع ولادة الحركة الصهيونية (1897)
وبرنامجها السياسي بل لقد راودت الحكومة
البريطانية فكرة توطين يهود اوروبيون على
ارض فلسطين عام 1840 حيث عبرت عنها في رسالة
الى سفيرها في تركيا لكي " تمنع باشا مصر
محمد علي من تحقيق اي محاولة للوحدة بين مصر
وسوريا" (Victoria Waltz 1986 P.27)
وفي عام 1874 عبر رئيس الحكومه البريطانيه Benjamin Disraeli
عن فكرة اقامة دولة يهودية على ارض فلسطين
لتكون العضو الرابط بين اوروبا وآسيا( Temperly
Herold P.171
). مع
ولادة الصهيونية السياسية عام 1897 في مؤتمر
بازل ومن ثم اقامة مؤسساتها المالية
والادارية تم خلق الاطار العام او الخطوة
الاولى للشمروع الاستيطاني الغرب اوروبي
في ارض فلسطين. ثم جاء وعد بلفور ليكون
الخطوة الثانية ويشكل الدعم السياسي
والعسكري البريطاني لهذا المشروع. لكن بقي
شرط هام لاستكمال هذا المشروع الا وهو
المادة البشرية. في حين لم تدفع المذابح التي
مورست ضد اليهود في اوروبا الشرقيه ابان
نهاية القرن التاسع عشر الى التفاف اليهود
الهاربين من الاضطهاد حول المشروع
الصهيوني بل آثروا الهجرة الى اوروبا
الغربية وامريكا, كان صعود هتلر (1933) الى سدة
الحكم في المانيا ومذابحه ضد اليهود
واتفاقيات الحركة الصهيونية وعلاقاتها مع
النظام النازي قد دفع بيهود اوروبا الى
الالتفاف حول الحركة الصهيونية ومشروعها
الاستيطاني في فلسطين, وبالتالي ضمان
الكوادر البشرية التي تشكل مادة رئيسية لاي
مشروع استيطاني. وهكذا باستكمال هذه الشروط
الثلاثة عرف الاستعمار الصهيوني لارض
فلسطين قفزة نوعية. وظفت
الحركة الصهيونية الكارثة اليهودية التي
نفذتها النازية في ألمانيا وأوروبا لتأمين
المادة البشرية والدفع بها الى الهجرة الى
ارض فلسطين. ولما كان هدفها يتعدى استغلال
الموارد البشرية والطبيعية الى استبدال
السكان الاصليين العرب بالكامل, عمدت الحركة الصهيونية من خلال ادواتها
الاستيطانية الى توزيع المهاجرين اليهود
على بؤر وقواعد استيطانية انتشرت في كل
ارجاء البلاد لتشكل في نفس الوقت قواعد
انطلاق لإقامة مستوطنات جديدة وبالتالي
السيطرة على مزيد من الاراضي والتحكم
بالطرق المهمة التي تربط البلاد. انطلاقا
من هذه الاستراتيجية لم يكن في حسبان
الحركة الصهيونية اقامة او تأسيس مدن
للمستوطنين اليهود، ذلك لان المدينه كتجمع
سكاني كبير لا يخدم الاهداف الصهيونيه من
حيث السيطرة على اكبر حجم من الاراضي. ومن
هنا اعتمدت الحركة الصهيونية اقامة
المستوطنات الريفية من منطلق: بأقل عدد من
المستوطنين اكثر سيطرة على الاراضي. وليس
كما تبرر الدعايه الصهيونية بان
المستوطنات الريفية جاءت من منطلق"
العودة الى الارض" و "العمل اليدوي".
لذلك لم يشهد مشروع الاستيطان الصهيوني
انشاء المدن قبل قيام الدولة, انما جاء هذا
بعد قيام الدولة وبعد ان طردت الشعب
الفلسطيني واحكمت سيطرتها على الاراضي. الكيبوتس
والاستيطان الصهيوني : حتى
نهاية السبعينات من القرن التاسع عشر لم
يكن يوجد على أرض فلسطين اي مستوطنة ريفية
يهودية, فلقد كان الوجود اليهودي في فلسطين
مقتصرا على بعض المدن فقط (القدس, الخليل,
طبريا وصفد). ما
بين عام 1878 وعام 1899 قامت على ارض فلسطين
عشرين مستوطنة يهودية أكثرها كان قد تأسس
بدعم من الثري البارون روتشيلد (يهودي
فرنسي) وبلغ عدد سكان هذه المستوطنات 5000
نسمة. بعد
ان تأسست الحركة الصهيونية (1897) ووضعت
برنامجها الاستيطاني تخلىّ روتشيلد عن
المستوطنات التي أقامها لتستلم إدارتها
المؤسسات الإدارية والمالية التي إنبثـقت
عن الحركة الصهيونية. المهم في هذا ان هذه
المستوطنات التي أقامها روتشيلد قد شكلت
قاعدة أولى من البنى التحتية للمشروع
الصهيوني الاستيطاني . ولما
كان هدف الإستيطان الصهيوني كما ذكرت سابقا
هو إستبدال السكان العرب بالكامل و السيطرة
على الأرض (كمادة رئيسية) لإنجاز المشروع
الصهيوني, وفي الوقت نفسه لم تكن الحركة
الصهيونية تمتلك جيوشا لتحقيق أهدافها
بالطريقة الكلاسيكية (الإحتلال العسكري),
جاءت المستوطنات الريفية لتخدم وتحقق
هذا الهدف. فقد قال ارتور روبين وهو
المدير الصهيوني لمشروع الإستيطان: "....بدون
المستوطنات الزراعية لن يكون بالإمكان
إقامة الوطن اليهودي, فقط عن طريق
المستوطنات الزراعية يمكن لليهود ان يضعوا
أقدامهم في كل أرجاء البلاد وإعطاء البلاد
وجهاً يهودي, هنا تكمن أفضلية المستوطنات
الزراعية لأنها بحاجة الى مساحات واسعة
وتنتشر في كل أرجاء البلا, في حين الصناعة
تحتاج الى مساحات صغيرة. بدون قاعدة زراعية
عريضة للإستيطان سنبقى بالوعات يهودية في
فلسطين العربية ولن نحصل على فلسطين يهودية...."
(Ruppin,Arthur
1919 P.94) بالإضافة
الى ذلك قال: ان المستوطنات الزراعية تقوي
الروابط والتضامن بين اليهود بعكس حياة
المدينة, وعدى عن ذلك
ومن خلال التجارب الإستيطانية فان
المستوطنات الزراعية تشكل قاعدة ضمان ودعم
للسكان اليهود في المدن المجاورة. لقد
قام الصندوق القومي اليهودي بشراء اراضي في
فلسطين متبعا في ذلك إسترتيجية تهدف الى
تقسيم, فصل ومحاصرة المناطق السكنية
الفلسطينية بالإضافة الى شراء الأراضي في
مناطق نائية عن المركز ( مناطق حدودية )
وربطها بشبكة من المستوطنات لتصبح هذه
الأراضي والمستوطنات حقائق على ارض الواقع
تساعد مستقبلا في الضغط على عملية رسم
الحدود لصالح المشروع الصهيوني. لقد لعب
الكيبوتس دورا هاما في تحقيق المشروع الاستعماري. دور
ووظيفة الكيبوتس في المشروع الإستعماري
الصهيوني : تقوم
الحركة الكيبوتسية والإعلام الصهيوني
بترتيب الكيبوتس في إطار القرى الإشتراكية
التي عرفها المجتمع البشري في القرن التاسع
عشر والقرن العشرين او ما يسمى الأوتوبيا
الإشتراكية (Social
Utopia). لكن من الخطأ ترتيب الكيبوتس على خلفية
نظامه وتركيبته الداخلية, وشكل الحياة فيه
في إطار الأوتوبيا الإشتراكية او
المثالية الإشتراكية, ذلك لأن صيغة الحياة
الإشتراكية في الكيبوتس وتركيبته الداخلية
ما هي الا وسيلة لتحقيق الأهداف
الإستيطانية. فالإدعاء
بان الكيبوتس يتماثل بالشيوعية وقريب من
الكولخوز السوفييتي يبقى مناقض للحقيقة.
"...الكولخوز ولد من الأفكار الشيوعية وله
أهداف شيوعية (اممية), بينما الكيبوتس نشأ
من أفكار قومية لخدمة الصهيونية, بمعنى انه
حركة قومية "(Gill
, Aron 1962 P.108)
. انه
لمن الخطأ ان نقيّم الكيبوتس كمجتمع
إشتراكي, رغم محاولته على المستوى الصغير (Micro
Level) من
ممارسة الإشتراكية. فقد كانت ايديولوجية
الكيبوتس وممارسته دائما مرتبطة والى أبعد
الحدود مع فكر وممارسة الصهيونية (Heinsohn
, Gunnar 1982).
من هنا ننطلق الى السؤال حول وظيفة
الكيبوتس ودوره في المشروع الإستعماري,
وهذا يمكن تقسيمه الى قسمين: دور
ووظيفة الكيبوتس نحو الخارج: ·
شكلت
الكيبوتسات قواعد محصنة يصعب مهاجمتها, وفي
الوقت نفسه شكلت قواعد إنطلاق للعمليات
العسكرية التي كانت تقوم بها المنظمات
الإرهابية الصهيونية ( الإرغون, الهجانا....الخ)
·
شكلت
الكيبوتسات قواعد إنطلاق لعمليات
الإستيلاء على مزيد من الأراضي وإقامة
مستوطنات جديدة لفرض الأمر الواقع. ·
شكلت
الكيبوتسات نقاط عسكرية وظيفتها مراقبة
التجمعات السكنية الفلسطينية. ·
لعبت
الكيبوتسات دورا هاما في تشجيع ودعم هجرة
اليهود المنظمة وغير المنظمة الى فلسطين. ·
تقوم
الكيبوتسات بدور دعائي
لتجميل وجه الحركة الصهيونية العنصرية
لتبدو نحو الخارج وكأنها حركة إشتراكية
تقدمية. بعد
إقامة دولة إسرائيل فقد الكيبوتس جزءا من
مهامه العسكرية حيث إتحدت المنظمات
الإرهابية ( هجانا, إرْغون, شتيرن, بلماخ )
التي شكل الكيبوتس معاقل لها وكونت بما
يعرف ب "جيش الدفاع الإسرائيلي"
فتغيرت وظيفة الكيبوتس العسكرية الى: ·
في
حالات حرب او اي هجوم عسكري تشكل
الكيبوتسات, وخاصة تلك المنتشرة على طول
المناطق الحدودية, تحصينات قوية للجيش. ·
في
حالة هجوم عسكري غير متوقع تلعب الكيبوتسات
دور الرادع وبالتالي إعاقة وإضعاف تقدم
القوات المعادية حتى وصول وحدات الجيش
المنظمة. ·
في
حالة وقوع حرب تقوم الكيبوتسات بتقديم
الدعم اللوجستي للجيش. ·
تشكل
الكيبوتسات محطات إنذار متقدمة. تجدر
الإشارة إلى أن أفراد الكيبوتس الذين
يخدمون في الجيش يحتلون مناصباً عالية، وأن
معظم الطيارين الإسرائيليين هم من أبناء
الكيبوتس. دور
ووظيفة الكيبوتس نحو الداخل: إن
أحد أهم ركائز الإقتصاد الرأسمالي هو
إستغلال الأيدي العاملة الرخيصة. ففي
فلسطين كانت الأيدي العاملة المحلية (العربية)
أرخص من الأيدي العاملة المستوردة (اليهودية).
ولما كان هدف المشروع الصهيوني هو إقامة
دولة يهودية وإقتصاد يهودي نقي فقد فضّلت
المؤسسات الصهيونية ما أسميه "قوى عاملة
رخيصة قومية" بما معناه ان التركيبة
الهرمية للقوى العامله يجب ان تكون يهودية
بالكامل. ولذلك جاء الكيبوتس بسبب نظامه
الداخلي ليشكل اداة مهمة في عملية إقصاء
الأيدي العاملة الفلسطينية من الحياة
الإقتصادية, ورفع الكيبوتس شعار "العمل
العبري". اما
بالنسبة للمستوطنات الريفية الأخرى "الموشاف"،
الذي يعتمد الإقتصاد الفردي، وبالنسبة
لإقتصاد المدينة فقد جاء حل مشكلة توفير
الأيدي العاملة الرخيصة عن طريق دفع اليهود
الشرقيين (يهود البلدان العربية
والإسلامية) الى الهجرة الى فلسطين,
ليشكلوا حتى اليوم الطبقة العمالية
الرخيصة والمسحوقة (بجانب العرب). اما
الجانب الآخر بما يتعلق بوظيفة الكيبوتس
نحو الداخل فهو الجانب التربوي, حيث يتم فصل
الأطفال عن اهلهم ليعيشوا من عمر سنة حتى سن
الثامن عشر في بيوت الأطفال ومساكن الشبيبة.
لم تأتِ هذه التربية الجماعية من منطلقات
تربوية تقدمية إنما جاءت كما يقول يهودا
رون بولاني، وهو من مؤسسي "التربية
الكيبوتسية"، من متطلبات الواقع اليومي
لمشروع الإستعمار. ان
فصل الأولاد عن الأهالي يؤدي الى إضعاف
الرابطة العاطفية بين الجانبين وبالتالي
يسهل تطبيع الأطفال بالفكر الصهيوني وتبني
المشروع الإستعماري الى أبعد الحدود. "نحن
بحاجة الى أطفال ليس فقط من أجل ضمان مستقبل
الكيبوتس, بل علينا أن نضع جزءا من الجيل
الثاني تحت تصرف الدولة, الجيش, لجلب
مهاجرين جدد, لإقامة مستوطنات حدودية..... ,فقط
عندما يكون لدينا أولاد كثيرون يمكن لنا
المشاركة في كل هذه الفعاليات". (Talmon,
Yoninah). ان
الإدعاء داخل وخارج الكيبوتس بان التربية
الجماعية تنمي وتقوي المقدرة عند الأطفال
للعيش في مجتمعات إشتراكية غير مطابق
للواقع إطلاقا. لا
شك ان التربية الجماعية لها ميزات ايجابية
كثيرة, لكن من الغريب (بناء على إستبيانات
عدة) ان شباب الكيبوتس لا يتماثل مع الفكر
الإشتراكي, إنما وبدون إستثناء يتماثلون مع
الصهيونية. هذا يثبت ان التربية الجماعية
في الكيبوتس تقوم على أساس المفهوم
الصهيوني القومي (المركز الكيبوتسي, جامعة
حيفا سلسلة
منشورات العدد 45
( 1985) , العدد 23 (1987 ). لعب
الكيبوتس دور هام في إستيعاب المستوطنين
الجدد وتقديم المساعدة والدعم لهم في إقامة
مستوطنات جديدة حيث "لم تثبت أي مؤسسة
جدارتها في توفير إحتياجات المستوطنين
الجدد مثلما
اثبت نفسه الكيبوتس, هذا يعني الإستجابة
الإجتماعية والعاطفية والعناية وتوفير
السكن.... ,والمساعدة والحماية في إقامة
مستوطنات جديدة" (Foelling
, Werner 1987 P.99). إقامة
الدولة وسياسة التهويد: لقد
نجح الغرب والحركة الصهيونية في مشروعهم
الإستعماري, وتم سلب الأرض الفلسطينية وطرد
مئات الآلاف
من الشعب الفلسطيني خارج وطنه. ولم يبقى من
الشعب الفلسطيني الا 156,700 من أصل 1.380 مليون
نسمة وقامت الدولة اليهودية (1948) على 77,4% من
مساحة فلسطين الكلية. بهذا يكون المشروع
الصهيوني قد أنجز الخطوات الأولى, لتبدأ
بعد إقامة الدولة الخطوات الأخرى. فتركزت
سياسة التخطيط الصهيوني على الجوانب
التالية:
أما
في الحكومة فقد كان عدد الوزراء من
الكيبوتسات كبيراً، ففي الحكومة التي عملت
بين سنتي 1955-1959 كان من بين 16 وزيراً ستة
وزراء من الكيبوتسات، وفي الحكومة الخامسة
(1966-1967) كان من بين 18 وزيراً سبعة وزراء من
الكيبوتسات (المصدر: الكيبوتس
والحزب عدد 20,
1985,
منشورات جامعة حيفا).
هذه المعطيات تؤكد على ثقل الكيبوتس في
المؤسسات الصهيونية وبالتالي دور الكيبوتس
في إقرار فعاليات الدولة بكل جوانبها. يجدر
بالذكر أن أول رئيس حكومة لإسرائيل (بن
غوريون) جاء من كيبوتس سدي بوكير. خصائص
الكيبوتس: 1.
الخصائص
المكانية للكيبوتس (Spatial
Character):
في
السنوات الأولى من نشاطات الكيبوتس
الإستيطانية كان إختيار الموقع المكاني (الموقع
الجغرافي) للكيبوتس مرتبط بعملية شراء
الأراضي, لكن بعد الحرب العالمية الأولى
حيث ساد الإحتلال البريطاني على أراضي
فلسطين ومن ثم وعد بلفور (1917) الذي عبر عن
دعم الحكومة البريطانية سياسيا وعسكريا
للمشروع الصهيوني, حصلت كل الفعاليات
الصهيونية وبضمنها فعاليات الكيبوتس
الإستيطانية على مساحات أوسع من الحركة. إذ
بدأ إختيار المكان او الموقع الجغرافي
يتحدد ليس فقط من خلال مكان الأرض التي يتم
شراءها انما كان يتم إختيار الموقع في إطار
الأهداف الإستراتيجية للإستيطان الصهيوني.
فبعد إزدياد الرفض والمقاومة الفلسطينية
للنشاطات الصهيونية الإستيطانية, أدركت
المؤسسات الصهيونية ان الميزات المكانية
للفعاليات الإستيطانية ذات اهمية وسيكون
لها دور في رسم حدود الدولة المؤقتة. فراحت
تكـثـف نشاطاتها الإستيطانية حول خطوط
الإتصال والمناطق الإستراتيجية المهمة وفي
المناطق النائية على طول الحدود الى درجة
ان كثير من الكيبوتسات كانت تقام في الليل.
من جهه اخرى لم تغفل الحركة الصهيونية عن
الجانب الإقتصادي, فكثفت نشاطها
الإستيطاني في المناطق الصالحة للزراعة,
وحول مناطق مصادر المياه (كان اول كيبوتس
"دغانيا" قد أقيم سنة 1910 على شاطيء
بحيرة طبريا الشرقي), وفي منطقة الساحل حيث
البنى التحتية هناك اكثر تطورا وجاهزية من
المناطق الأخرى. 2.
الخصائص
البنائية والمعمارية للكيبوتس: لم
تحدد الأهداف الصهيونية الإستيطانية خصائص
وميزات الكيبوتس المكانية فقط, انما تركت
بصماتها عل الميزات البنائية والمعمارية
للكيبوتس: في
بداية النشاطات الصهيونية الإستيطانية بنى
المستوطنون مستوطناتهم على نفس المبدأ
الذي عرفوه في بلدانهم الأوروبية, فجـلبوا
معهم نموذج قرية وسط أوروبا الى فلسطين
الذي تميز الترتيب الفضائي فيها: قليل من
الطرق المتقاطعة بزاوية قائمة, تقاطع طريق
مركزي واحد وعلى جانبيه ترتكز الأبنية
العامة والدكاكين. اما البيوت فكانت منتشرة
ومتباعدة عن بعضها ذلك لأن كل فلاح كان يقيم
بيته بالقرب من مزرعته. أطلق المستوطنون في
فلسطين على هذا النموذج اسم موشاف. لكن
مع مرور الوقت ومع إزدياد الرفض والمقاومة
الفلسطينية للوجود والإستيطان الصهيوني
اثبت ان هذا النموذج من القرى لا يفي ولا
يخدم بالكامل متطلبات الأهداف الإستيطانية,
فكان البحث عن نموذج آخر بحيث ان خصائصه
البنائية والمعمارية وصيغة الحياة تتلائم
اكثر مع متطلبات واهداف المشروع
الإستيطاني, من هنا نشأت فكرة بناء
الكيبوتسات على مبدأ "الجدار والبرج"
“Stockage and tower” حيث احيطت الكيبوتسات بسور حجري مع
ابراج مراقبة في الداخل, مع مرور السنين
استبدل الجدار بسياج من الأسلاك
الكهربائية. اما
بالنسبة الى التنظيم الداخلي للكيبوتس (رغم
ان هذا ليس موضوع البحث)
فينقسم الى خمس مجالات: ·
المنطقة
السكنية للكبار. ·
المنطقة
السكنية للأطفال والشبيبة مع حضانات
الأطفال والمدارس. ·
منطقة
للأبنية العامة. ·
منطقة
للأبنية الصناعية. ·
منطقة
للأبنية الزراعية.
الاسلوب
المعماري للكيبوتس "نظام الجدار والبرج" مكانة
الكيبوتس في الإقتصاد الإسرائيلي: حتى
نهاية الخمسينات من القرن الماضي إعتمد
الكيبوتس على الزراعة وذلك لسببين: 1.
ان
إستغلال الأرض زراعيا يثبّت السيطرة عليها. 2.
لخلق
إقتصاد زراعي يهودي مستقل, بحيث لا يكون
تزويد المستوطنين اليهود بالمنتوجات
الزراعية مرتبط بالفلسطينيين, وبالتالي
إبطال مفعول اي فكرة قد يقدم عليها
الفلسطينون بمقاطعة تزويد المستوطنين
اليهود بالمنتوجات الزراعية . بعد
إقامة الدولة تغير الوضع, تدخلت الدولة في
وضع البرامج الإقتصادية وقدمت الوسائل
المالية والمادية لمكنكة القطاع الزراعي.
مع نهاية الخمسينات بدأ الدعم المالي
الأوروبي (ومنه التعويضات الألمانية)
والأمريكي يتدفق الى الدولة اليهودية, من
جهة أخرى كان قد وصل الى إسرائيل مئات
الألاف من اليهود الشرقيين, وبذلك قد توفرت
الشروط الثلاثة الأساسية للنهوض بالمشروع
الصناعي وهي: 1)
السيطرة على الموارد والثروات
الطبيعية في فلسطين. 2)
الدعم
المالي والتكنولوجي الغربي . 3)
توفر الأيدي العاملة الرخيصة (اليهود
الشرقيون). وهكذا
بدأ في هذه الفترة التحول في إقتصاد
الكيبوتس من إقتصاد زراعي الى مزيج بين
الزراعة والصناعة, رغم ان الطابع الزراعي
بقي الغالب. أنشأت المصانع والمعامل في
الكيبوتسات وكان إنتاجها ليس فقط من اجل
الإكتفاء الذاتي, بل غطت حاجيات السوق
المحلي وصدرت الى الأسواق الخارجية. وهنا
جدير بالذكر ان الكيبوتسات كانت تقيم
علاقات إقتصادية قوية مع أكبر نظام عنصري
في العالم الا وهو نظام الابارتهايد في
جنوب أفريقيا. ان
تقييم وزن إقتصاد الكيبوتس في المجتمع
الإسرائيلي يتجلى من خلال المعطيات
التالية: ففي عام 1958 كان 26,4% من المنتوج
الزراعي و 5,8% من الإنتاج الصناعي
الإسرائيلي (اليهودي والعربي) مصدره
الكيبوتسات رغم ان نسبة سكان الكيبوتس لهذا
العام كانت 4% من مجموع السكان. (Darin-Drabkin1967) تسيطر
الكيبوتسات على ثلث مساحة الأراضي
الزراعية وتنتج 40% من اجمال المنتوج
الزراعي كذلك تبلغ صادراتها الزراعية 40% من
الصادرات الإسرائيلية (Busch-Luety-1984).
العام
1981 كان 50% من انتاج القمح 60% من انتاج قصب
السكر و85% من منتوج القطن في اسرائيل هو من
انتاج الكيبوتسات, اما من الناحية الصناعية
كان لدى الكيبوتسات (1982) 360 معمل ومصنع بلغ
انتاجها 7% من مجمل الإنتاج الصناعي و 6,2% من
مجموع الصادرات الصناعية. اذا
قارنا نسبة عدد سكان الكيبوتسات (4% من مجموع
عدد السكان) مع نسبة إنتاجها الزراعي
والصناعي يتبين لنا ان قدرتها الإنتاجية
تفوق بكثير وزنها السكاني. السبب في هذا
التباين لا يعود الى عملية تحديث ومكنكة
الإنتاج انما يعود الى أسباب اخرى: 1)
كان
الكيبوتس حتى قيام الدولة يرفض تشغيل
الأيدي العاملة الأجيرة, ويدعوا الى العمل
العبري. وذلك كما ذكرت, ليس من منطلقات
إشتراكية (رفض الإستغلال) انما من اجل طرد
الأيدي العاملة العربية وإقصائها من
الإقتصاد المحلي. لكن بعد قيام الدولة
وإتمام مشروع إستبدال السكان العرب
الأصليين بالمهاجرين اليهود, سقط هذا الهدف.
فالبقية الباقية من السكان العرب لم تعد
تشكل خطر كبير على المشروع الصهيوني.
فباشرت الدولة بمصادرة اراضيهم لكي تقضي
نهائيا على اي إمكانية نحو إستقلالية
إقتصادية. في نفس الوقت بدأت إستيعابهم في
الإقتصاد الرأسمالي اليهودي كأيدي عاملة
رخيصة, ليشكلوا بجانب اليهود الشرقيين
بروليتاريا الإقتصاد العبري. ولما كان
الكيبوتس جزء لا يتجزأ من إقتصاد الدولة
الرأسمالي أخذ بتشغيل وإستغلال الأيدي
العاملة الرخيصة. ففي مناطق تمركز السكان
العرب إعتمدت الكيبوتسات, خاصة في مجال
الأعمال الزراعية الموسمية (القطيف,
التعشيب) على الأيدي العاملة العربية, اما
في المناطق التي تخلو من السكان العرب فقد
قام اليهود الشرقيون بهذا الدور مع فارق
واحد هو ان العمال العرب (الموسميون) لم
يتمتعوا بضمانات إجتماعية. لقد بلغت نسبة
الأيدي العاملة الأجيرة الى 40% من مجموع
القوى العاملة في الكيبوتسات وفي بعض
القطاعات الصناعية وصلت هذه النسبة ال 75%. 2)
خلال الحرب التوسعية التي قامت بها
اسرائيل عام 1967 كان 40% من القوى العاملة من
أعضاء الكيبوتس على جبهة القتال, وهذا مما
أدى الى إحداث النقص في القوى العاملة في
إقتصاد الكيبوتس. فقامت المؤسسات
الصهيونية في الخارج بتنظيم المتطوعين (Volunteers)
من أوروبا وأمريكا لسد النقص في الأيدي
العاملة. بعدها أدركت الكيبوتسات الفائدة
الإقتصادية التي يمكن جنيها من وراء تشغيل
المتطوعين في إقتصاد الكيبوتس. فقامت
الحركة الصهيونية بإقامة مكاتب لها في
اوروبا وامريكا الشمالية والجنوبية, تمارس
من خلالها الدعاية للعمل التطوعي في
الكيبوتسات وعقدت إتفاقيات مع شركات
سياحية لإستقطاب متطوعين وإستيعابهم للعمل
في الكيبوتسات. وفي تل أبيب أقيم مكتب
للكيبوتسات يعتني بأمور السياح الذين
يصلوا الى البلاد بشكل فردي, حيث يتم
توجيههم الى الكيبوتسات. على كل متطوع (Volunteer)
ان يعمل خمسة أيام في الأسبوع بمعدل 8 ساعات
يوميا اي ما يساوي 40 ساعة في الأسبوع, مقابل
حصوله على المأكل والنوم والعناية ويشترط
على كل متطوع الاّ تقل فترة إقامته عن شهرين
ولا تزيد عن سنة. وصل
عدد المتطوعين في الكيبوتسات في السنوات
العشرين الأخيرة الى ما يقارب 30,000 متطوع
سنويا. في الحسابات البسيطة هذا يعني ان
الكيبوتسات تستغل يوميا 240,000 (30,000×8) ساعة
عمل بدون ان تدفع اي مقابل. فإذا اردنا ان
نعرف المفتاح لإسطورة الإنتاج الكيبوتسي
علينا الاّ نهمل أو نغفل هذين الأمرين وهما: أ.
إستغلال
الأيدي العاملة الرخيصة. ب.
وإستغلال المتطوعين. في
السنوات الأخيرة دارفي بعض الكيبوتسات
نقاش حول مسألة المتطوعين, وهنالك ثلاثة
كيبوتسات منهم دغانيا-أ- توقفت عن إستيعاب
المتطوعين, والمهم ذكره ان هذا التوقف او
الرفض في تشغيل المتطوعين للعمل في
الكيبوتس لم يأت على خلفية رفض الإستغلال
لهذه القوى العاملة انما وكما عبر عنها
بيرز إيتان سكرتير كيبوتس دغانيا-أ- في مجلة
جيروزليم بوست: "ان العلاقة ما بين
المتطوعين وشباب الكيبوتس تؤدي الى ان شباب
الكيبوتس قد ينسون جذورهم والفكر الصهيوني
الذي يشكل حجر الأساس للحركة الكيبوتسية
والدولة..." وتابع يقول معللا: "ان وجود
المتطوعون ادى الى إزدياد الزواج بين
اليهود وغير اليهود...". ان دل هذا الطرح
على شيء فإنه يدل على الشخصية العنصرية
للكيبوتسات. ومما يزيد التأكيد على الجانب
العنصري للكيبوتس وهو منع قبول عضوية العرب
في الكيبوتس.
خلاصة: قد
يتبادر لذهن البعض القول, بأنه لو كان
الكيبوتس نشأ فقط من أجل تحقيق الأهداف
الصهيونية لكان قد إنحل بعد إقامة الدولة.
من يحاول قول شيئا كهذا فلا شك انه مخطئ.
فإقامة الدولة الصهيونية لم تكن نهاية
المطاف, فمن جهه لم يكتمل مشروع تهويد الأرض
رغم تفريغها من سكانها الأصليين, ومن جهه
اخرى فالمطامع التوسيعية للفكر الصهيوني
لم تقتصر فقط على أرض فلسطين الكاملة بل
كانت تتعدى ذلك لتشمل أجزاء من مصر والأردن
وسوريا ولبنان, وفي الحالتين كان ما زال
للكيبوتس دور يلعبه في إخراج هذه السياسة
التوسيعية. منذ قيام أول كيبوتس وحتى اليوم
كان إزدياد عدد الكيبوتسات مرتبط جذريا
بسياسة الدولة التوسيعية نحو الداخل (مصادرة
اراضي الباقين من فلسطينيي 48) ونحو الخارج (المناطق
التي إحتلت عام 1967). الحقيقة
بانه رغم فقدان الكيبوتس جزءا من دوره بعد
إقامة الدولة, ولم يؤدي هذا الى إنهياره,
يعود بالإضافة الى ما ذكر سابقا من أسباب
الى ان الكيبوتس قد تمكن من الناحية
الإقتصادية تأمين مستوى إقتصادي جيد
لسكانه, لكن هذا المستوى الإقتصادي لم يكن
بالإمكان ضمانه الا على قاعدة الإنتاج
الرأسمالي وبالتالي على مفهوم الربح
والإستغلال. في
حين ان كل المستوطنات الإشتراكية- حتى تلك
التي قامت داخل الدول الرأسمالية وبضمنها
امريكا- قامت على قاعدة رفض الإقتصاد او
بالأحرى الإنتاج الرأسمالي وحاربته وشكلت
نموذج بديل (Anti
-these) له,
نرى ان الكيبوتس يعتمد الإقتصاد الرأسمالي.
ان مفهوم الربح والتراكم (Accumulation)
يشكل عنصرا اساسيا في نشاطاته الإقتصادية,
والتي ترتبط بشبكة قوية مع الإقتصاد
الرأسمالي. فالكيبوتس ينتج للسوق العام,
ويتأثر بقوانينه, يعتمد على خدمات البنوك
ورأس المال الإستثماري ويدفع الفوائد
ويمارس نشاطات إقتصادية في البورصة
بالإضافة الى تشغيل الأيدي العاملة
المستأجرة والمتطوعين. هذه الحقائق مجتمعة
تبرر إسقاط صفة الإشتراكية عن الكيبوتس
وتسميته بالرأسمالية الجماعية (Colletive
Capitalism). ان الإدعاء الذي كان سائداً, بأن إقامة
عدد أكبر من الكيبوتسات سيؤدي في النهاية
الى تغيير النظام الإجتماعي في إسرائيل الى
نظام إشتراكي, لهوَّ إدعاء باطل ووهم بعيد
عن الحقيقة, لأن هذا التغيير لا يمكن ان
يحدث الا عن طريق تغييرات راديكالية
للرأسمالية داخل المجتمع الإسرائيلي.
التعريف الماركسي يقول بأنه لا يمكن لأي
كومونه البقاء والإستمرار داخل اي مجتمع
اذا كانت أهدافه الإجتماعية والإقتصادية
متناقضة بـ180 درجه مع أهداف هذه الكومونه. ان
النشاطات الرجعية للرأسمال الإحتكاري سعت
دائما وهدفت الى القضاء على اي نواة
إشتراكية. ففي العالم الرأسمالي قد قضى
الرأسمال الإحتكاري على كل المستوطنات
الإشتراكية, في حين ان الكيبوتس- رغم وجوده
في مجتمع رأسمالي- عرف دائما الإستمرار
والتطور. ذلك لأن الكيبوتس امتثل وسعى
لتحقيق أهداف قومية ولم يطرح نفسه يوما
نموذجاً مغايراً (Anti-these)
للمجتمع الرأسمالي. الحقيقة
ان إشتراكية الكيبوتس لا تتعدى في حدودها
السياج الذي يحيط بالكيبوتس.
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||