The Golan الجولان


فـي ذكرى الإضـراب الكبيـر - عام 1982

بقلم: منير فخر الدين - مجدل شمس

نشر في جريدة فصل المقال

قبل اثنين وعشرين عاماً خاض أهلنا في الجولان نضالاً شعبياً مميّزاً، ومفعماً بروح التضامن، ضد سياسة الضم الإسرائيلية ومن أجل التمسك بالهوية الوطنية. 14 شباط هو يوم ذكرى الإضراب المفتوح عام 1982، الذي توّج سلسلة من الإضرابات والنشاطات الإحتجاجية ودام قرابة نصف عام. إلاّ أننا بعد أكثر من عقدين على ذلك الحدث أصبحنا نتأرجح في كفتين: كفّة أولئك الذين عايشوا الأحداث، يذكرونها ويستحضرونها للتو، وكفة أولئك، من الجيل الشاب، الذين لا يعرفون عنها إلاّ النزر اليسير.

لم يصبح ذلك الحدث تاريخاً بالمعنى المبتذل للكلمة- أي حدثاً يعود إلى الماضي دون أن تكون له أهمية في الحاضر. إنّما أصبح تاريخاً لأنه صنع، وما زال يصنع، حاضرنا. لكن رغم وجود بعض الكتب المنشورة حول الإضراب، ذات الطابع التوثيقي، إلاّ أن ما نحن بحاجة إليه هو الوعي التأريخي به، أي كونه حدثاً عبر عن ودفع بصيرورات تحوّلات عميقة في بنية الوعي السياسي المحلي وبنية المجتمع ذاته. ومن هذا المنظور فإن الكتابات المذكورة لا تفي بالغرض، إما لإتسامها بالطابع التضامني والاحتفائي- لكونها كتبت قريباً من الحدث، أو لكونها قدّمت تحليلاً مقتضباً دون دراسة متتابعة. (نذكر مثالين على الأوّل: سجل الأحداث اليومية للاضراب الذي جمعه ونشره نواف البطحيش، وكتاب نظير مجلي التوثيقي، "الجولان : ملحمة صمود"، منشورات عرابسك، عكا، ايار 1982، ونذكر مثالاً على الثاني: كتاب ذات طابع تحليلي- اجتماعي لعبد الستارقاسم من جامعة النجاح في نابلس، بعنوان "مرتفعات الجولان، 1967، 1985"، دار الامة للنشر، بيروت، 1985).   

ما المقصود بالوعي التأريخي للحدث؟ الإجابة الوافية عن هذا السؤال، لا شك، تحتاج الى الإنخراط بالبحث والكتابة التأريخية والتحليلية (وهنا لا بدّ أن نستذكر الدراسة الإحصائية الهامة في الجغرافية البشرية والصحة، التي قامت بها "الجمعية العربية للتطوير"، أيلول، 1994). إلاّ أنه يمكن نظرياً، وبالإعتماد على معاينات وإنطباعات ومداولات بين- شخصية، توضيح خصائص عامة للوعي المقصود. وقد تكون الإجابة أسهل عبر البدء بالنفي: أولاً، ليس الوعي التاريخي بالحدث مجموع الروايات التي يتذكّرها ويرويها للتوّ من عايش الحدث، إنّما استدخال وتجاوز لهذه الروايات. وهذا يشمل ليس الروايات الشفوية فحسب، إنما الكرونولوجيا المكتوبة أيضاً. ثانياً، أن لا يعرف الجيل الناشيء شيئاً عن الإضراب ذلك إشكال مهم، لكنّ كنْه هذا الإشكال ليس إبتعاد الجيل الشاب عن روح النضال الثوري وإنكاره لإرث الآباء، إنّما كون هذا الجيل نتاجاً عميقاً للصيرورات الاجتماعية، التي حملت روح الإضراب وتجاوزتها- إنّه جيل أقرب الى الحداثة بوصفها عملية تراكم ونفي، تذكرّ وإمحاء، تواصل وانقطاع، مستمرة، لكن أيضاً، وبشكل أكثر حدّة، بوصفها مرادفاً لإنتشار الرأسمالية البرجوازية ثقافة ونمط إنتاج (في مجتمعات الأطراف، في حالتنا).

يقربنا هذا من الإدّعاء الرئيس الذي نودّ تقديمه هنا، أنّ الإضراب هو تعبير عن قوى إجتماعية وليس عن موقف سياسي أخلاقي مجردّ فحسب. إنّه، بكلمات أدق، تعبير عن تحوّل فجائي ومتسارع لدى شرائح واسعة نحو العمل اليومي المأجور، خاصة في قطاع البناء، في السبعينات. ولكي نفهم الأثر النفسي والثقافي لهذا التحول علينا أن ننظر ملياً في إقتصاد الإكتفاء الزراعي وفي أفق المواطنة الذي عاشه المجتمع في عقد الستينات- الإنخراط في مؤسسات الدولة الوطنية التعليمية، والبيروقراطية والعسكرية، وإمكانيات الإندماج والتواصل بالمدينة دون إحساس مطلق بالغربة، ذلك بالطبع دون نفي الأطر الطائفية التي تشكّلت منها المواطنة السورية. لنقل، مع الإكتفاء بهذه الإشارة السريعة الى عقد الستينات، إنه انتشر في السبعينات، في ظل انسداد افق المواطنة والشعور بالمساواة، نمط العمل اليومي الفردي في سوق العمل اليهودي، إلى جانب العمل الزراعي المحلي بإطار العائلة، مما أدى الى تعزيز النزعة الفردية. هذا بالطبع مع الانتباه الى أنّ معظم هؤلاء الشبان الذين انخرطوا في العمل اليومي في بدايات الاحتلال كانوا جنوداً في الجيش السوري، بعضهم شارك على جبهة الحرب. ومن ثم تبع ذلك جيل كامل لم يتلق التربية العسكرية الوطنية ولم يعايش أجواء المواطنة السورية عن قرب، ولم يعرف عن دمشق سوى قصص الأكبر سناً، ليتعزز انخراطه في سوق العمل اليهودي في بلدات التطوير المجاورة المغتربة عن ذاتها وعنه. إنّ الروح الوطنية العالية التي حملها هذا العامل، وكذلك الفلاّح، في فترة الإضراب وعقد الثمانينات عموماً، هي في جوهرها تعبير احتجاجي على موقعه الطبقي واغترابه القومي في ظل الاستعمار اليهودي.  

          لم يأت الإضراب ورفض المواطنة الإسرائيلية والخدمة في الجيش المحتل من فراغ (كما أنه بالطبع لم يكن أمراً ميكانيكياً، بل تطلب حسّاً عالياً بالمبادرة والتضحية، وهو أمر بحاجة الى معالجة أخرى)، وكذلك لم تأت من فراغ المطالبة المتكررة من قبل الأهالي، منذ السبعينات، بالسماح للشبان بالسفر الى الشام لتلقّي التعليم العالي، بوصف التعليم المخلص من حالة التبعية الاقتصادية لسوق العمل اليدوي، ولم يأت من فراغ تزايد شعبية التعليم العالي بعد الإضراب، في عقد الثمانينات- جرّاء توفّر المنح الدراسية في الاتحاد السوفيتي ودول شرقي أوروبا الإشتراكية سابقاً- وفي عقد التسعينات- جرّاء توفر إمكانية الإلتحاق بالجامعات والمعاهد الوطنية في دمشق. لكن هذا الانتشار الواسع للتعليم العالي (يقدر عدد الملتحقين بالجامعات والمعاهد المختلفة بحوالي 1400شخص، ما نسبته 7،7% من مجموع 18 ألف مواطن)، كان له الأثر العميق في نشوء نزعات ثقافية وسمات إجتماعية جديدة، مع تشكّل طبقة وسطى من المهنيين وأصحاب الحرف والمقاولين. لكن هذا الإنتشار الواسع للتعليم والتحوّلات الناتجة في سوق العمل المحلي، وكذلك في ظروف الانخراط في سوق العمل اليهودي (العديد من المهنيين يعملون في البلدات والمدن اليهودية)، لم تشكل حلاً إلا لنخب محدودة، بينما ظلّت طبقة العمال والمزارعين تراوح مكانها إن لم تتدهور أوضاعها.

          في العام 1993 وصف عالم إجتماع فلسطيني المجتمع الجولاني، في زيارة تضامن لبلدة مجدل شمس مع وفد أجنبي، بأنّه "مصاب بداء تشيؤ السلعة"، أي الجري وراء السلع بوصفها تمارس سحراً ما على ذهن المرء. لقد أوحت له بهذا التشخيص ملاحظته لاهتمام زائد لدى الناس بتجميع النقود وحتى السلع- كسيارات المرسيدس ذات المقاعد السبعة - التي يمكن جني الأرباح من بيعها في الشام بعد أن تتم العودة الى الوطن. لكن تشخيص عالم الإجتماع هذا سيبدو سابقاً لأوانه حين تكتسب مجدل شمس، بعد سنوات قليلة، لقب "اكبر مستهلك للكوكاكولا في إسرائيل"، وحين تشهد البلدة عملية تآكل للثروات الصغيرة المكدّسة من العمل اليدوي المأجور والزراعة في العقود المنصرمة، وبروز سوق مقاولة فاحشة بالأيدي العاملة، ونشوء عملية إعادة ترتيب وتراكم للملكية في الأرض الزراعية وبداية تكوّن رأسمال عقاري. جميع هذه الظواهر، من إنتشار "داء التشيؤ" إلى تفاقم الفجوات الطبقية إلى الاكتظاظ العمراني وانسداد آفاق العمل أمام شريحة واسعة من الشابات والشبان، مرتبطة ببعضها البعض؛ إنها عملية تمدين وتهميش آخذة بخنق الأطراف وتعميق شعور الإغتراب الطبقي والقومي وتكثيف سراب السلعة. إنّ روح التضامن المفقودة لم تسقط في فجوات الذاكرة، إنّما في فجوات التشظي الإجتماعي، الثقافي والطبقي. والوعي المطلوب ليس ذاكرة تلقينية بأحداث الماضي إنّما موضعة الحاضر في الصيرورات التي تربطه بالماضي وتفصله عنه في آن معاً. فالوعي التاريخي، أو بالأحرى الحداثي، هو بالذات فهم الماضي كحدث لا يمكن الرجوع عليه لأنّه مُدمج ومتجاوز في اللحظة الراهنة. ليس ثمة من عبرة في العام 1982 سوى أنه حدث تاريخي بهذا المعنى، حدث مدمج، ممتزج ومتجاوز فيما نحن عليه الآن. إن العبرة، بكلمات أخرى، هي في فهمنا لتاريخية ذواتنا. كلتا الكفتين- تلك التي تستذكر الإضراب كتجربة حميمية ذاتية مفعمة بالحنين الى مشاعر تضامن وروح نضال ضائعة، وتلك التي لا تعرف النزر اليسير عنه- لا تبحثان عن جدوى في الوعي بتاريخيتهما،  لكن ليس في الأفق من جدوى سوى من خلال البحث بهذا الوعي وفيه.

 --------------

* الكاتب يعد حالياً رسالة دكتوراة في تاريخ فلسطين الانتدابية، بجامعة نيويورك.   

 

nabeeh@jawlan.org

:أرسل تعقيبك على البريد الالكتروني