|
لقد وردت موقعنا عدة رسائل موجهة للأسير هايل أبو زيد، وسنقوم بنشرها في هذه الزاوية. يمكن للراغبين بتوجيه رسائل للأسير المحرر أن يرسلوها على البريد الإلكتروني: nabeeh@jawlan.org وسنعمل على نشرها بأسر وقت ممكن.
3. هي لحظات قليلة * أرسلها أيمن أبو جبل إنها لعبة الحياة: حلم عتيق وقديم جدا يتحقق في معانقة الحرية، وحلم أخر جديد يحل محله لمعانقة الحياة من جديد. أنها لعبة اختلفت فيها أيامنا، واختلفت معها عاداتنا اليومية، وتغيرت معها همومنا وأوجاعنا وأمراضنا، فنقف اليوم أمام ذواتنا المهشمة لنعترف بنصرنا المؤزر! أو بهزيمتنا التي تعتصر صدورنا المثخنة بجراح العتب والنسيان والإهمال، ومكاننا في أسفل سلم الأولويات الوطنية. أخيراً عانقت حريتك التي انتظرتها طويلا، واخيراً، وبعد طول انتظار، انتزعت حقك المقدس في ملامسة شاطئ حيفا وبحرها الهادر، وايقنت أن هذا الازرقاق ما هو إلا لونا من ألوان البحر، وهذا البياض البعيد ما هو إلا هدية متواضعة تقدمها حيفا إليك وأنت خارج لتوك إلى عالم الحرية، التي تقرأ تعريفاتك لهذا المصير الذي يعاندك ويشاكسك. بين الجلبوع وحيفا مسافات، تجاوزها هذا الصراع المجبول بالدم والألم والدموع، ليقتحم ذواتنا وإنسانيتنا وواقعا، مزورا بالكذب والرياء، ويقتحم معه كل مواقع الصدق والوجدان، الذي تحمله تلك النفوس، التي تركتها خلفك تنتظر مصيرها المجهول، وتنتظر سنوات أخرى جديدة في عالم النسيان والإهمال. بين حيفا والجولان مسافات تجاوزت كل الجدران والأسلاك، وأفراد الشرطة الذين أحاطوك بأجسادهم وقيودهم واسلحتهم، التي لم تراع حرمة الأموات الأحياء، في تلك الغرف التي تغزوها صيحات مكبوتة من الموت البطئ، فتجليت وسموت، وترفعت وارتفعت عنهم وعن غضبنا ودموعنا وقلقنا عليك، وبقيت معنا في انتظار القرار، ذلك القرار الذي اتخذناه سوية وجسدك الممدد على سرير غرفة 28. قرارنا بانتزاع حريتك قريبا جداً، وانتزاع تلك الأنابيب التي تركت ندباتها على جلدك، وتلك الأصفاد التي كبلتك واحدثت آثارها الحمراء على رجليك، لتتمكن من استرجاع حياتك. هي لحظات قليلة تفصل بينك وبين الحرية، لكنها ذات اللحظات التي تفصل بين موتك وحياتك. لحظات تتجسد فيها تراجيديا جولانية تحكي قصة ولادة فرح من رحم الأحزان والالام، وولادة ألم من رحم الآمال والأحلام. وبين الفرح والألم واقع الحال المستمر دون أجوبة محددة: أين حريتنا من كل تلك الإمكانيات؟ أين نحن في معادلات المواطنة السورية التي تتعرض للتهديد والخطر والغطرسة الإسرائيلية؟ أين نقف في سلم الأولويات الوطنية؟ تساؤلات عدة، وغموض قاتم، وواقع اعتقالي وأنساني يهدد ما تبقى من تلك الأجساد البشرية، التي بقيت هناك خلف جدران السجن الأسمنتية، تنتظر مرضا شبيها ام موتا بطيئا، ام تحريرا سريعا قبل فوات الأوان. لم يعد هناك فروقات، سوى انتزاع الحرية، وتقديمها هدية غالية الى صدور الأمهات الحزينات الباكيات، مصيرهن قبل فوات الأوان الطبيعي للحياة. هناك في مشفى رمبام، في مدينة حيفا، تجسدت التراجيديا الجولانية، واخترقت الوجدان الإنساني. فالضيف الجديد هو ليس كغيره من الضيوف، وليس كغيره من المرضى. ليس لانه مختلف عنهم، لكنه الواقع المر مختلف. أفراد الشرطة المرافقين ينشرون خوفا وهلعا في النفس، رغم كل المظاهر الإنسانية التي تجلت في ذواتهم هناك، ورغم دموع البعض منهم التي تنهمر خجلا، حين يبتعد الانسان عن كل عواطفه، وعن هذا الشوق والدفء الكبير الذي تختزنه الصدور، لمجرد أن تومض العيون بهذا المشهد اللاإنساني المركب. حين التقيناك أول مرة، لم تكن تدري أننا هناك في الانتظار، لم تستطع إخفاء فرحك الطفولي حين لامست عيناك عيني والدتك، لم تدرك حينها أننا اخترقنا صمت الجريمة، وصمت العار الأخلاقي والإنساني الذي فضحته الالامك وأوجاعك، إذ كنت لا تزال في قبضتهم، تصارعهم وتصارع موتك بصمت وكبرياء ورجولة قل نظيرها. هناك في الردهة ناديتك، واقتربت منك أتلمس جسدك، ولون شعرك، واعارك رفض السجان الاقتراب منك، لم تكن تعلم إن الجولان كله كان قد انتفض بمحبيك، وان ذاك المشفى البعيد عنك كان قد اقترب من داخلك، وتضامن معك بالعلاج والعناية، ونقل الأخبار إلينا بخروج تام عن التعليمات الأمنية التي فرضها جلادوك، ولم تكن تعلم انك جسدت الملحمة الإنسانية لصديقك الحميم الدكتور أبو بلقيس، الذي غادر ذاته وعالمه وعمله، وغادر حيفا، وأصبح همه الوحيد وقف سريان هذا الموت البطيء في جسدك، والاطمئنان إليك، ولارادتك وحريتك المسترجعة، ونظرات الحب والدفء في عينيك لبلقيس الطفلة ووالدها. حين التقينا وتحدثنا كان جلادوك يعلمون إن عارهم وجريمتهم كانت قد افتضحت، ولم يعد بالإمكان إخفاءها. كنت تقول: "انتصر على عدوي الجديد فقط إن كنت بينكم، لا تجعلوه ينال مني إن أعادوني ثانية إلى هناك، حيث المصير معروف". وعدتك انك لن تعود إلى هناك، حيث الرفاق في الانتظار، وستكون هنا في جولانك ثانية، قبل نهاية هذا الشهر. اعلم انك لم تكن تثق بهذا الوعد الجديد، لأن الوعود والأحلام والرغبات كانت قد خذلتك على مدار عشرين عاما، كما خذلت احلامنا سابقا حين كنا نتبادلها ونتعارك معها في عسقلان وشطة ونفحة ومشفى سجن الرملة، وذهبت كما ذهبت اجمل سني عمرنا في رحلة الاعتقال الأليمة تلك، التي ما زلنا نئن تحت وطأتها. حين التقيتك في ردهة المشفى، كنت ارغب في معانقتك وتقبيلك، كما اعتدنا كلما التقينا بعد انتهاء إحدى العقوبات، التي كان يفرضها الجلاد علينا- التقل من سجن إلى سجن أخر، ومن عزل إلى عزل انفرادي أخر، تواسينا رغبتنا في الصمود والصمود اكثر، بمواقعنا التي اخترناها، وتلك التي فرضت علينا عنوة، ونحن لا نملك سوى الأيمان والإرادة وشوقنا وحبنا الجارف، الذي تجاوز كل القصائد والأشعار والألحان. ولكن رغبة اللقاء الجارفة تحولت إلى لقاء جامد، فرضه عدوك الجديد داخلك عليك وعلينا. اعلم انك جازفت وخاطرت من اجل هذه الرغبة وهذه اللحظة، التي انتظرتها في الارتماء في حضن والدتك الطيبة أم هايل، لتلامس خصلات شعرك، وتمسد صدرك وجسدك الذي اخترقه البرد وضربات السياط. اعلم انك بكيت كثيرا وكثيرا، لكنه الألم الجديد يجبرنا أن نضمن فرحنا إليك وفرحك ألينا، خوفا عليك من حبنا، وشوقنا ودفئنا إليك . لم يكن اللقاء كما كنت تحلم وكنا نحلم معك به ، ولن يكون لقاءك مع الأهل في الجولان كما اعتاد أن يلتقي أبطاله، ولكنك انتصرت مرتين، مرة على ذاتك، ومرة على جلاديك، وستنتصر مرات جديدة أخرى على حبك ألينا، وحبنا إليك ، لكننا منتصرون على تحقيق هذا الحلم الكبير الذي يعشعش داخلنا ، نحن رجال لا نرضى إلا النصر وليس سوى النصر، كما اعتدت أن تقول. اذكر جيدا تلك الثواني التي تحولت إلى سنوات طوال، حين اقتحمت غرفتك المعقمة، ومن خلفي" ماغي" تلك الانسانة الكريمة، التي رأت الفرح يشع من عيوني وأنا اركض نحوك، لاقول لك انك تستطيع معانقة الحرية، لقد انتزع أصدقاءك قرار حريتك قبل لحظات قليلة فقط، حين أطلق محاموك مجد أبو صالح ونبيه خنجر ، تهانيهم مرة إلى مشفى رمبام ومرة إلى الجولان كله، لم يكونوا على علم أن تهنئتهم بتحررك ستجعل الجولان ينتفض فرحا وزغرودة ، وتتحول اللحظات والدقائق القادمة إلى عرس جولاني عفوي كبير. يوم أمس خرجت لاول مرة إلى حريتك، قد تكون منقوصة، وقد تكون مكتملة، لكنها حرية مضرجة بالدم والألم والفرح، كنت ترغب كما نرغب في أن تعانق الجولان أولا، وبيتك ثانيا واهلك في أول خروج لك إلى الحرية ، لكنها حيفا وسلامتك لم تسمح لنا في ذلك ، حين خرجت لم يرافقك سوى أبو بلقيس وياسر، وبعض الاصدقاء الرفاق لتلاقي حيفا، وتشكرها بعيونك قدر استطاعتك على ضيافتها إليك، ولكنك لم تكن تدري أن الجولان كله ينظر إليك عبر شاطئ حيفا، ونسيمها، يتمنى لك فرحا حقيقيا يتسرب إليك، مع تسرب هذه الجرعات اليومية التي يمتصها دمك الطاهر. قلت لي انك ما زلت تعيش داخل الحلم، وأنت ممدد هناك في المعتقل، وما يحصل معك أن كان حقيقيا فهو من أروع واجمل الأيام والليالي التي افتقدتها طويلا، كنت تتحسر لعدم اكتمال فرحك، ليس بسبب هذا الشيء الغريب الذي اقتحم جسمك، وانما بسبب العيون التي ما زالت تنتظر هناك، تتطلع إليك بحب والم ووجع، لا يقراه ويفهمه إلا أولئك الذين اكتويت أجسادهم بسياط الحرمان والتعذيب والشوق الملتهب في أعماقهم. لكنني أقول لك، كما اعتدت إن تقول، أثناء جلوسنا في المعتقل،" ان فرحنا لا يتحقق إلا بمأساة جديدة، توقض ما تبقي من الوجدان الضائع هناك بين الأروقة الرسمية، حيث تكمن كل الإمكانيات والوسائل، لكنه الإهمال والتقليل من شان الإنسان يجعلنا نتحول إلى أسطورة فردية تطغى ظلالها على كل الأوطان والمؤسسات" . كنت اخجل كثيرا،حين يحدثني البعض عن تلك الإمكانيات، لأنني أبقى دون جواب وتفسير، لكنني أتجاوز ذلك بتلك الثقة التي تكمن في تلك الجهود والطاقات التي أحاطتك من الجولان حتى لبنان وفلسطين، ولن أنسى أن اذكر لك الدور الكبير الذي قام به بعض الأصدقاء في جمعية أطباء بلا حدود وحقوق الإنسان، وعشرات عديدة من المحامين والأطباء الذين رافقوك ، وتابعوا كل التقارير حتى أستطيع أن اذكر الدور الإنساني الذي جسده أحد أولئك الجنود الذي سيبقى مجهولا دون اسم أو لقب أو عنوان، فهو يعلم انه مشكور دون بطاقة مكتوبة، حرصا منا على وجدانه الحي وشخصه الطيب. وغيره وغيرهم من الجنود المجهولين الذين ما لبثوا ان سمعوا انك اقتربت إلينا حتى هرعوا مسرعين إلى غرفتك ومنزل ذويك، واخرين لحقوا حيفا لملاقاتك، لكنهم جميعا تذكروا ان حبنا وشوقنا إليك قد يجعلنا نبكيك بكل طاقات الألم المكمونة داخلنا. --------------------------------------------- 2. رسالة إلى أحد ما أرسلتها يافا (المراكب) في كياني تعصف الاشياء والرياح تهب في داخلي، انازع الهواجس والافكار، والايام تاتي وتذهب، وعزة النفس تلك وذلك الحزن وشموخ الجبال لا يفارق ذاكرتي، عندما رأيت تلك الصورة لذلك الشخص، الذي وضعه القدر في ذلك المكان، لست أدري ماذا اصابني... حزنت، فرحت، بكيت وصليت... ما هو هذا الشعور؟ منذ ذلك الوقت صرت احلل وافتش عن عمق تلك الحالة، ربما ليست عظيمه، ربما رأيتها كذلك، ربما... ربطت تلك الصوره بشمعة، شمعة تذوب وتذوب وتذوب، حسناً، لماذا ربطتها بهذه الشمعه؟ سأحاول أن اربط الاشياء! الشمعه: نور، دموع وسكون.... الصورة: عزة نفس، شموخ، حزن وغضب، كبت وتعب، وجع وارهاق... وبالتالي فان دموع الشمعة هي حزن ووجع وارهاق تلك الروح المتجسده في صورة ذلك الشخص، الذي هو ذلك الاسير، وعزة نفسه وشموخه انما هو النور الذي يسطع بتوهج، والسكون انما هو كبت غضبه... لم اعرف معاناة الاسرى يوماً، أو بالاحرى لم أفهمها جيداً، لكني عندما رأيتك، لنقل رأيت تلك الصورة، صرت افهم ولو جزءً بسيطاً من تلك المعاناة. حسنا سأشكرك وسأتذكر دوماً أنه بسبب شمعه تحترق، يوماً بعد يوم، في سجن الاحتلال عرفت الكثير... أيها الاسرى! لم أعرفكم كفاية لأني لم أكن حين كنتم، ولأني لست كبيرة كفاية لأكون من عمركم، لكن حزني عرفكم. لكم هو جميل أن تكرهوا الشوك باكراً، وأن تكرهوا العمر لأنه مزروع فيه... نهضتم وقاومتموه، وكان عقابكم ان وضعتم داخل أسلاك محصنة، لكي لا تنهضوا ثانية. لكن الاعداء قد فشلوا لانكم نهضتم، وبنهوضكم الروحي والفعلي وصلتم الى ارواح الالاف، وهذا يعتبر انجازاً كبيراً بعد الاسر المرير!!! فلكم تحياتي يا أيها الابطال، ولك ايها الصديق، ولكل الاسرى المحررين، وبالشفاء العاجل للاسير البطل هايل ابوزيد......... تحياتي- يافا ---------------------------------------------- 1. رسالة إلى أخي*: انتظرناك طويلا وها أنت تعود لنا
كالنسر الشامخ، أعدت لنا الحياة والأمل, أعدت إلى عيوننا الحزينة بعض
اللمعان, أعدت الفرحة إلى قلب أمنا العظيمة، التي لطالما انتظرتك على شرفة
منزلنا الحزين. كم أنت رائع يا أخي الغالي، دمشق الحزينة تبتسم اليوم لعودتك
إلى ذراعها المحتل، الذي يؤلمها منذ أربعين عاماً، فيا شام عاد الصيف، عاد
الصيف، فانا أقول يا شام عاد هايل المشتاق إليك والى كل زاوية فيك، نعم انه
الحلم الطفو لي والأزلي بلقائك يا شام... -----------------------------------------------------
|