سأُخبركِ كيف قتلوني
سليم أبو جبل
شعر:
كانَ للموتِ لونٌ وطعمٌ ورائحةٌ
أَمّا الحياةُ
فصَوتٌ عذبٌ وصورةٌ مالحةٌ
كالبحرِ مالحةً كُنتِ
كالنهرِ عذبَةَ الصوتِ
وكُنتِ حينَ تُغنينَ للأسماكِ
أُغنيةَ البارِحةِ
أُصفِّقُ كالمجنونِ بالحصى
وأرقصُ كالطائرِ المذبوحِ
وترقُصينَ كما الطيورُ الجارحةُ.
أتذكُرينَ يومَ التقينا
جئتِ تطلُبينَ سمكةً ذهبيّةً
ضحكتُ طويلاً يومَها
ليسَ في بلادنا أسماكٌ ذهبيّةٌ
أسماكُنا سمراءُ
لونُها من لونِنا
وعُيونُها عسليّةٌ
وليسَ لدينا حوريَّةُ بحرٍ
لقد كذبوا عليكِ
ليسَ لدينا شيء ٌ مما أخبروكِ
ها نحن هنا والجبالُ
ها نحن هنا والبحرُ
ها نحن هنا والرمالَُ
فهل تقبلينَ بنا
ليسَ في بلادنا سوى نحنُ
فهلْ تقبلينَ بنا
وقد شربنا كلَّ اللبنِ
وأَكلنا كلَّ العسلِ؟!
سأخبرُكِ كيف قتلوني
وكيف فقأوا عيوني...
هناك ذبحوا إخوتي
وذبحوا أُمّي
وذبحوا كلَّ الناسِ الطيِّبينَ
ولم يُبقوا واحدا.
ذبحوني أنا أيضًا
بمسدّسٍ باردٍ
لا يعرفُ اللغة.َ
حين خاطبته: لمَ تقتلني؟
لم يُجبْ
بل أطلقَ من فمهِ رصاصةً
وصمتَ .
كنّا على الشاطئِ خمسينَ رجلاً
ووقفَ خلفَنا خمسونَ
مُقيَّدينَ كنَا بحبالِ الغسيلِ
وبألفِ بُندقيّةٍ
وبالليلِ الطويلِ
والنساءُ لا زلنَ في البيوتِ
يُخبِّئنَ شباكَ الصيدِ
ويُخبِّئنَ عيونَ الأطفالِ عنّا
ويكتُمنَ العويلَ.
لم يقتلوني بمُسدّسٍ
سأُخبرُكِ كيف قتلوني
إنّما قتلوني
ببُطءٍ ومتعةٍ،
قتلوني بصمتٍ مقدّسٍ.
قطعوا أوتارَ صوتي أولاً
كي لا أتوجّعَ
فيشعروا بالندمِ .
ثمَّ قطعوا عُضويَ الذكريّ
لئلا أستلذَّ من شدّةِ الألمِ !
علّمني إلهُ الموتِ
أغنيةً فرحةً
وعلّمتني الحياةُ
كلّ الأغاني الحزينةِ
أردتُ أن أغنّيَ واحدةً
فلم يسمعني أحدٌ .
فلعلّكِ تسمعينَ صُراخي
سأخبرُكِ كيف قتلوني...
وكيف فقأوا عُيوني
وكيف ذبحوا إخوتي
وذبحوا أمّي
وذبحوا كلّ الناسِ الطيّبينَ
ولم يُبقوا منهم أحدا.
القصيدة على لسان أحد سكان بلدة الطنطورة التي قتل معظم أهلها في مذبحة عام 1948
nabeeh@jawlan.org