The Golan الجولان

رقصة الموت

د. نزيه بريك

كتبها:

ما كاد صوص النهار أن يخلع عنه قشرة الليل حتى انطلقت صرخة ولادته من أفواه العصافير. طوى عشّاق الرحيق فِراشهم ثم اغتسلوا بدمع الصباح المتناثر فوق ساحات البيت الخضراء.

حملوا الريح تحت أجنحتهم راقصين ليبدأوا رحلة جديدة من رحلات الوجود. سَلَكَ العشّاق، ككل يوم، كلٌّ سبيله، وكان دليلهم النسيم الممزوج بالرحيق.

هناك، فوق التراب الملون كانت فتاة الأقحوان واقفة مشرئبة، وأيديها ذات الأنامل الحريرية البيضاء يتوسَّطهن طفلها الشمسي النائم.. تمتدُّ نحو السماء كأنها تتوسّل للخالق أن يحميها من الزائر السادي، والذي يأتي  إليها أحيانًا حاملاً معه الموت اليقين. فكلّما ظهر هذا الزائر كانت المنيّة تخرج لها إمّا من صخرة قدميه أو من سيف يديه، حيث كان يختطفها بعنف من يد أمّها ليمارس لعبته الساديّة إذ يشرع بنـزع أناملها والدم الأبيض يتقطّر منها فيردّد ضاحكًا خائفًا: "تحبّني!.. لا تحبّني!.. بعد أن يكمل لعبته يحرّر ما تبقّى منها في قبضته عصفورًا ينـزف هاويًا على التراب.

ربما صدفة.. ربما استجابت الآلهة لدعائها. لم يأتِ هذا السادي، بل جاءتها عاشقة الرحيق تتبختر طائرة، ولمّا رأتها فتاة الأقحوان استعادت نبضات فؤادها الانتظام. حلّقت العاشقة قليلاً فوق المكان المرصّع بكل الألوان، كأنها تلتقط صورًا تذكارية، لكنها كانت تستكشف المكان من المخاطر، وعندما أيقنت الأمان اقتربت هابطة. مدّت يديها تصافح فتاة الأقحوان ثم انحنت نحو الأسفل تقبّل طفل الشمس الغارق في نومه الملائكي، كأمٍّ تحاول بقبلاتها إيقاظ طفلها من نوم الصباح للإستحمام. مضت لحظات ثم تعالت تنشد فرحتها مصفّقة رقصًا لتعود ثانية وتغرس بشغف قبلاتها في وجه طفل الشمس.

لم تغضب الأم من سلوك عاشقة الرحيق، فليس بالأمر إيذاء لها أو لطفلها، بل كانت تفرح لقدومها حيث كانت تستقي أخبار قرية الزهور منها. تكرّرت حركات العاشقة طوال اليوم ما بين الرقص ورسم القبلات، كأنها التقت حبيبًا على غير موعد بعد غياب طويل، فلم تصدّق ما ترى عيناها. لكن سارق النهار كان في الانتظار كأنه على موعد مع الضحية، أبى أن تستقرّ الفرحة في فم العاشقة فهبط زاحفًا تحت عباءته السوداء وانقضّ عليها يُغمض عينيها بمنديله الأسود، واختطف الفتاة مع طفلها.

بكت السماء هدوءًا، وعاشقة الرحيق دمعًا والخوف يمتطيها. ولبرهة بقيت تتخبّط في حيرة من أمرها. أقلعت بعدها والحزن يتراقص على أجنحتها، عائدة إلى المسكن. كانت المسافة بينها وبين مسكنها قصيرة، لكن الحزن أطال بعمرها كثيرًا، فأحسّت العاشقة كأنها تسير في الماء. أخيرًا وصلت منهكة، فارتمت على سريرها الباكي والتحفت حزنها.

حاول النوم غَزَلاً استدراجها إلى سريره، لكن دون جدوى، فقد سقط فؤادها عند مكان الحادث.

بقيت لزمن على حالها دون حراك، ثم نزعت الغطاء عن وجهها، لتستنشق بعض هواء الليل البارد النقي، لعلّه يخفّف من حرارة حزنها المتوقّد في صدرها. فجأة رأت قرصًا شمسي اللون يقف على نافذة بيت يقع على أطراف الغابة السوداء. بدا لها ذلك اللون مألوفًا، فراحت الابتسامة الكهلة تشقُّ طريقها منهكة بين غابة الحزن الكثيفة على وجهها.

لم تدرِ كيف استجمعت قواها المتبعثرة وطارت نحوه. وقفت في الهواء أمام النافذة المشرّعة فوجدت القرص الشمسي معلّقًا داخل الغرفة يراقصه الهواء المتسلّل من النافذة، فاعتقدت أنه فَرِحٌ لقدومها. دخلت إليه وبادلته الرقص برقصة دائرية كرّرتها مرات عدّة، كأنها تقدّم رقصة افتتاح لحفل زواج.

كان صاحب المنـزل العجوز مستلقيًا فوق سريره الخشبي، لكنه لاحظ تسلّلها فنهض مسرعًا نحو النافذة وأغلقها. فجأة توقّف القرص الشمسي المتدلّي من سقف الغرفة عن الرقص. اقتربت منه ثم ابتعدت، لكن القرص لم يتحرّك، فعاودت الاقتراب والابتعاد، كأنها تريد أن تقول له شيئًا.. ربما أرادت أن تقول له إنه يكبر، أو يتّسع، أو أن يمتدّ أكثر ويلحق بها، لعلّها تجد الفتاة التي خطفها سارق النهار مع طفلها.

بقي القرص الشمسي صامتًا دون حراك، غير آبه. غضبت منه وقرّرت العودة إلى سريرها الباكي، لكن النافذة الموصدة حالت دون ذلك. أعادت المحاولة، فاقتربت ثانية من القرص الشمسي، لكنه مرة أخرى لم يأبه لها.. ربما يكون غارقًا في نومه، فكّرت! قرّرت أن توقظه من سباته، فاقتربت ثم ابتعدت بتردّد وخوف.. صمّمت على إيقاظه، وما أن وضعت جناحها على وجهه الشاحب حتى أفاقت لها المنيّة من استدارة وجهه وتلاشت في نوره.

 

...  

nabeeh@jawlan.org

:أرسل ملاحظاتك على البريد الالكتروني