ملكاش
قصة قصيرة
كتبها
محمد أحمد العبدالله*
المقبرة بانتظار الزائر الجديد، همسات وأدعية، كل الأموات
أرواحهم بحالة يقظة يصطفون بشكل ((كرنفالي)) لاستلام جثمانه. أزيز الرصاص
يزغرد في السماء من لحظة وصول السيارة إلى المخيم. زغاريد النساء، جميع
النسوة اللواتي عرفنَ واللواتي سمعنَ عنه واللواتي لم تحظَ إحداهنَ برؤية
وجهه مرة واحدة خرجن. الوحيدة التي لم تخرج في الموكب ((عزيزة)). يدخلون
جثمانه إلى دار (هَوْلَةَ) تُلقي بنظراتها الأخيرة عليه، تودعه بقبلة، وتصرخ
بكل قوتها، ترمي بنفسها فوقهُ، تلطم، تمزق الثوب، تنثر شعرها، ويطلب منها
الشيخ عبد الله أن تسامحه. يتوسل إلى عزيزة، فترفض حتى المشاركة، تذبل
أهدابها والدمعة تقف حائرة ترفض أن تسقط، وترى حُلماً يتسرب إلى أفكارها
يدغدغ الأنوثة فتنتعش أوصالها، تلك الفتاة التي أحبته، أحبت الرجولة،
والشهامة التي عرفتها به. يوم الخامس من حزيران -سنة النكبة- حمل أمها على
ظهره وعبر بها. لكنه رفض الزواج من ((عزيزة)) وفي المخيم تقصدت أن تكون
خيمتها بالقرب من خيمته.
لكن ((هوله)) زوجَتُهُ طردتها، ومن يومها حلفت ((عزيزة))
برأس والدها أن تنتقم وتخطفه من حضنها وفعلت، لكنه بعد فترة أهملها. يحمل
النعش على الأكتاف، وتتعالى التكبيرات، ويزغرد أزيز الرصاص في المخيم، وابنه
الأكبر، مثل كل أطفال المخيم يركض أمام المشيعين، حافي القدمين، وهو يردد
نشيداً تعلمه من أولاد الحارة: طارت طيارة بالجو . فيها عسكر فيها ضو فيها
إبراهيم هنانو . راكب على حصانو. يطلب الشيخ عبد الله من أولئك الذين
يطلقون الرصاص في السماء((أن يكفوا عن الإطلاق.....)) يصرخ أبو فايز بأن
الرصاص فيه راحةٌ لرُوحْ الشهيد والشهيد شهيد الله يبتسم ((سالم الحمود)) وهو
يقول لنفسه: ((شهيد الله!! كيف له أن يكون شهيداً؟! كان زيرَ نساء، سكيراً،
عربيداً، لا يعرف الخير من الشر، أراهن بأن أحداً قتله - بلا معركة- لفعلةٍ
مشينة وتأتي يا أبا فايز وتقول: شهيد الله... ربما الآن جهنم
تنتظره بفارغ الصبر وقد ازداد سعيرها. وتقول شهيد الله،
دَوَّخ البطيحة، لا أحد في المخيم صاحبه، ليس له صديق عاش بعزلة بسبب
أفعاله. على كل حال فليرحمه الله، فقد استراح وأراح. الموكب يعبر الشارع
الرئيس، الشارع مشتت وأفكار الرجال تحلق مع رُوحِهِ وأصحاب المحلات التجارية
منهم من يغلق ومنهم يبقى على كرسيه أمام المحل، ضجيج، وأسئلة عن عريس المخيم
اليوم. وعيوني ترصد أفكار المشيعين ونظراتهم. ((عجاج الدْياب)) ينظر بين
الفينة والأخرى بوجه ((سالم الحمود)) كأنه يقرأ أفكاره من بعيد، أفكاره صفحة
مفتوحة، سطورها واضحة. ((الشماتة بوجهك يا سالم! فكيف لا تشمت أنت وهؤلاء
الذين بقوا جالسين أمام محلاتهم، ينظرون إليه كالفاسق، لكنه كان غير ذلك،
يعجبني برجولته التي يعتز بها، فقد كان ((فحلاً)) بكل معنى الكلمة)). ذلك
العربيد يا سالم الذي تتحدث عنه بكل وقاحة شهيد. ليس مثلك، ناداه الواجب
فلبى، ذهب إلى لبنان وقبلها قاتل ببسالة في الأردن، ليس مثلك، فأنت كالنسوة
بل النسوة قد يكنَّ أفضل منك. ترك عيالَهُ ونزواته والنسوة اللواتي أحبهنَ
والعربدة وذهب إلى ((عين الحلوة)) -قتل من الأعداء خلقاً كثيراً ، استشهدَ،
والجنة تفتح الباب على مصراعيه، تنتظره، بل ونحن نحمل النعشَ سبقته روحه إلى
حيث الخلود والراحة الأبدية. كأنما أحس أنه يقول: تحملون نعشي فأنا أستطيع
أن أقرأ مايدور في أذهانكم جميعاً، حتى هذه الجدران والسطوحُ وحواري المخيم،
أعرف ماذا تقول!! أنا سعيدٌ بفرحتي، أزفُّ على الأكتاف، أرتدي طقم عرسي هذه
البذلة العسكرية و((البسطار)) العسكري. هل تعرفون بأن في نعشي قنبلة لم
تنفجرْ بعد!! وعشرات الشظايا والجروح في جسدي، أنا لم أمت عبثاً. عند النزوح
كان كل شيء في حياتي يدورُ في دوامة الفراغ بلا قرار، إعصارٌ شيطاني دقّ نفسه
كلولب فولاذي في جمجمتي، وطالما لاحقتني صورة جنود الأعداء يشردون شعبي. ألا
تذكرون كيف اصطدت إسرائيلياً في بحيرة طبرية قبل النزوح يومَ جاءَ في زورق
صغير مع صديقته يشاكل الصيادين ويكيل عليهم سيلاً من الرصاص. حقاً أنا زير
نساء كما تدّعون، لكن بنفس الوقت ابن قضية، آمنتُ بها، رفضتُ أن أجلس في
البيوت لا عمل لي إلا شرب القهوة المرّة وتبديل مفتاح المذياع من محطة لمحطة
لسماع نشرات الأخبار، والحديث عن العودة. صرير زنزانات هذه الحياة يمتد إلى
اللانهاية، عويلٌ وبكاء وقرعات طبول، ونباح كلاب، وصفير الريح المجنونة شدتني
لأتوغل
هناك، قريباً من فلسطين. أنا الآن ((العروس)) وهذه فرحتي،
أرى أمامي كل طيفٍ من الماضي يراودني، حيث حلقات الدبكة وصوت ((مجوز)) عبد
الرحمن الوني وأبو( محمد المكسور) وظريف الطويل والدلعونا وأزيز الرصاص. في
مخيم عين الحلوة بأقل من ساعة تحول كل شيء إلى ركام، اختلطت الأيدي والرؤوس
والأقدام مع التراب وبقايا الأسقف والقذائف المنفجرة مع التي لم تنفجر بعد.
وأنا الفارس المغوارُ. يداي تغزلان القاذف ((ر.ب.ج)) حولته أصابعي إلى
(غرة)، أوقدت قبلي خزان النبيذ في أعماقه فالتهب. لقد تم الأمر بلا طقوسٍ،
وحين طحنتني اللذة وجدت نفسي أقذف الأعداء لأنتقم لماضي (948. 1956. 67. 970.
1978). وكانت قذائفي تصيب كل الآليات التي تمدُ أمامي. الموتُ بالنسبة لي
راحة أتلذذُ بها، لا أعرف كيف أقتنصتني طلقة أحدهم لتكون الطريق الوحيد
للخروج من حياتي دون أن أفقدها. كلكم جزءٌ من الجرائم التي ينفذها العدو.
تحملون نعشي، وفيكم من لا يصدق بأني شهيدٌ!.. على الأقل لم أمت كما كنتم
تتوقعون. لكن حلم عزيزة بموتي تحقق فطالما تمنت ((ألاّ يعرف قاتلي)). خطواتٌ
وتكون المقبرة وجهاً لوجه أمامَ النعش، وأنا بين المشيعين أقشعرَ بدني على
بابها، النعشُ تابوتٌ خشبي لفَّ بعلم كبير وفوق الجثمان أكليل من الورد،
بينما تفوحُ منه رائحةٌ لم تشمها أنف أحدٍ من قبل. رائحة فوق رائحة الباخور
الجاوي. أصبح كل واحد يفسر هذه الرائحة بطريقته: ولأن الشيخ عبد الله من
رجال الدين فقد قال: هذه الرائحة والعلم عند الله من الجنة. بينما قال
العتريس: هذه رائحة الفحولة والرجولة، تشبه الرائحة التي تأخذ من (خصية
الثور). صرخت ((دوجة العرّافة)): هذه الرائحة التي تشمونها هي رائحة الجن
قرنيه، وهو في هذه اللحظة ينتقل إلى شخصٍ آخر له صفاته. وضع الجثمان في
الحفرة المهيأة له وتم تغطيته بالتراب. بدا القبر هالةً من نور يشع في عيون
أبناء المخيم. ماعدا سالم المحمود فقد اختفى القبر بنظره ولم يعد يراه.
وعندما يُذكر اسم (ملكاش) أمامه يقول: ((إنا لله وإنا إليه راجعون)).
*
محمد أحمد العبد الله: نازح من الجولان - رئيس المركز الثقافي العربي
بالبطيحة
|