The Golan الجولان

الغربة الأولى

أرواد خاطر

شعر:

فكرتُ بارتداءِ ساقٍ خشبيَّة

فبكتْ على أوراقي أشجارُ الغابةِ السمراء

ذاك الحزنُ العميقُ من الأوديةِ

أأقطعُهُ سيرًا دونَ قدمٍ

أم تكفيني أثوابُ أمي السوداء؟

خصري.. يا حبرَ الليمونِ العالقِ

بين مصراعيِّ كتابٍ

متى سأطرحُكَ عني

كي أدركَ أنكَ الأسيرُ الهاربُ

والفجرُ الذي يركضُ

في ساحاتِ النبيذِ العاصفِ

كأعوادِ ثقابِهِم التي بلَّلَها المطر

* * *

 يا ليلى

ظلّي ما عدتُ أراهُ

كخمرِكِ اختفى

وأضعتُ فوقَ الأرضِ الطريق

أترمينني مكانًا غيرَ هذا المكان؟

آهِ ليلى

اقطعي عني نداءاتِ المناديلِ الراجعة

وارفعي أقدامَ الشرقِ

عن غصونِ العصافيرِ الباكية

ليلى

أترفعينَ هذا الموتَ عني!

كي أصرخَ من حناجرِ الريح

من دخانِ القطاراتِ المغادرة

وأرتدي ثيابَ مدرستِكِ،

شبابيكَ منـزِلِكِ الزرقاء

ووطنَكِ الذي مزَّقَني

وهربَ قبلَ أن أرى وجهَهُ

* * *

 ليلى..

من قال إننا نكرهُ الفستـقَ

وإننا لا نؤلِّفُ أطفالاً للأغنيات؟

أَلأنَّ أوجهَنا يتيمةٌ

طردونا من جوازاتِ السّفر؟

...

حلمتُ تلك الليلةَ بفستانٍ أبيضَ

لكنني عندما أَفقتُ

رأيتُ أهلي يبكونَ في السّحاب

آه ليلى

كيف كان جسدكِ مغزولاً بالأرضِ يومَ الزفاف!

* * *

 بكيتُ البارحةَ كثيرًا

لا لأنَّ دفاتري أحرقوها

ولا لأنَّ أحلامي اغتالوها

بكيتُ البارحةَ كلَّ شيءٍ معًا

فمنذُ أن شرّدَتْنا الرياحُ

وصلبتْ آخرَ طفلٍ فينا

صارَ الدمعُ كما الأسلاك

بكيتُ ولكنني البارحةَ لم أخفْ

لأنَّ أحلامي كانتْ تلهو على أصابِعِك الدمشقيَّة

وأدمعي عانقتْ آخرَ لعبةٍ اشتريتُها

آخرَ حذاءٍ نقشتِ فيه الزقاق.

* * *

عاطلونَ عن الحياةِ يا ليلى

والهوى مسرعٌ عنا.. بابُه مقفلٌ

لم يتركوا مسامًا واحدًا في جلدِنا

إلا وثاروا عليه

لم يتركوا شجرةَ لوز..

لم يتركوا منـزلاً وساحة..

سوى في ذاكرةِ ترابِنا

والترابُ.. من رائحتِكِ ليلى

من أثوابِكِ ومصابيحِ الحقائب

من وطنِكِ الذي آلمني

حضورُهُ الغائب.

* * *

لأن وجهَكِ دافئٌ كوجهِ أمي

رسمتُ خارطةً على الوسادة

قلتِ : ذاك الحلم وطني..

وقلتِ: لا تقتربوا!

آهٍ ليلى

غريبةٌ.. غريبةٌ.. غريبهْ

اقتليني يا حبيبة

ولن أقتربَ

لا لأنَّ اللقاءَ ضائعٌ

بل لأنَّ الخارطةَ صارتْ قصائدي

والحلمُ قصائدي

والوسادةُ قصيدة

اقتليني.. فقد يقتلكَ جوازُ سفري

وقد تقتلكِ الفراشاتِ التي شربتْ من دمي

أحبُّكِ ليلى..

فقد اشتقتُ وطناً.

 

...  

nabeeh@jawlan.org

:أرسل ملاحظاتك على البريد الالكتروني