رب القوافي

     ذكرى الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري.

قضاءٌ يقهر السيف اليماني

وما للمرء في قدرٍ يدان

هي الأقدار تخترم البرايا

ويصلى من لظاها الخافقان

فكم تأسى قلوبٌ نابضاتٌ!

وكم تلتاع أكبادٌ حوان!

يزول السحر من بدرٍ جميلٍ

ويذهب رونق البيض الحسان

كذاك يسيّر الدنيا زمانٌ

على مرّ الدقائق والثواني

***

رأيت المجد مهوماً معنّى

غريقاً في سواد الطيلسان

على قسماته لمحات حزنٍ

وفي أحنائه غصّات عان

فقلت له: علامك رهن غمٍّ

فهل من شرّ داهيةٍ تعاني؟

أم الألم المبرّح منك دانٍ

أم الدهر الغشوم عليك جان؟

فقال ودمعه هتّان يهمي

على وجناته مرخى العنان:

سقاني الموت كأسا علقميّاً

فغيّب توأمى وكوى جنَاني

وحرّمني، على عمدٍ، هناءً

وهل يدع الردى في الكون هاني؟

***

مضى لسبيله رب القوافي

ويمّم برجه رمز التفاني

عميد الفن شعراً مرقسيّاً)[i])

وكم فنّان ربّى الرافدان!

بصيرٌ في الأمور جواهريٌ)

سلاله عقودٌ من جمان

قصائد ملؤها نورٌ ونارٌ

وطعمٌ دونه خمر الدنان

أوابد ناعماتٌ صارماتٌ

كأن متونها حدّ السنان

مضى للخلد فذٌّ عبقريٌّ

ذكي اللب نابغة الزمان

وأبقى من نوافحه عبيراً

يعطّر ذكره في كلّ آن

بكى بردى وفاض النيل دمعاً

وحدّ الرافدان الثاكلان

جريء الأصغرين فماً وقلباً

لدى الجلّى، ونعم الأصغران

أبيّ النفس ما كانت لترضى

حياةً في المذلّة والهوان

مضى صنّاجة الشعر المغنَّى

على نغم الأوائل والمثاني[ii])

لسجعة بلبلٍ تهفو رياضٌ

وتشتاق المرابع والمغاني

فطوبى للألى أصغوا إليه

وشنّف سمعهم عذب الأغاني

***

محمدُ) لم تزل غرر القوافي

غذاء الروح طيّبة اللبان

حفظنا من جناك مطوَّلاتٍ

جليلات المعاني والمباني

فكنَّ لنا بحالكة الدياجي

ورهبتها منارة شمعدان

تعزّينا وقد مقتت ربانا

صريراً م فحيح الأفعوان)

***

فيا مهدي) الورى إسماً وفعلاً

وأستاذ البلاغة والبيان

تحلّق بالقريض أبا فراتٍ

فشعرك للمحلّق جانحان

وتورثه، بمضمونٍ وشكلٍ،

مآثر واضحات للعيان

أعرنا من نهاك الثرّ نزراً

نغوص به إلى عمق المعاني

ويا إبن العراق كرمت أصلاً

يشيد بفضله قاصٍ ودان

إذا بغداد بالأحرار ضاقت

فجلّقٌ موطنٌ للحُرّثان

و حافظ) لا يزال فتى دمشقٍ

وحاديها بعقلٍ واتزان

تبارك قائداً بطلاً عظيماً

إليه تطلعت خضر الأماني

من الجولان مُذْ وطئت ثراه

عقاربُ) قربها ما من أمان

***

ويا نفساً يفيض ندىً ونبلاً

على الفقراء والبؤساء حاني

تغنّي الرائعات من القوافي

لأنك والفرائد توأمان

وتنشد -يا بن تسعينٍ- طوالاً

كأنّك في ربيع العنفوان

وتحضنك المنابر مورقاتٍ

ذرا أعوادها في المهرجان

سحرت الناس بالوزن المقفّى

فأنت وسحر شعرك خالدان

وكم قدّست، والأقداس كثرٌ،

دماً يسمو به الشهداء قاني

وللشهداء في شرع المعالي

مقامٌ لم ينله الفرقدان

ويا أنشودة الثوار دوّى

صداها في خضمّ المعمعان

نفحت مواكب الأجيال إرثاً

نقيّ القلب واليد واللسان

ويا صوت العروبة، كم تثنت

على نبراته الغيد الغواني!

بنيت كقمحةٍ شمّاءَ، مجداً

وعزّاً راسخاً كالسنديان

وأيقظت الشعوب إلى نضالٍ

يعود بها إلى شط الأمان

فتبني بالكفاح لها كياناً

وهل شعب يعز بلا كيان؟

فكنت الشاعر الفذّ المجلّي

وصرت شذا الرحاب من الجنان

يسير العالمون إلى فناءٍ

ولكنّ المخلَّد غير فان

***

مجدل شمس 1997



[i]) نسبة إلى امرئ القيس.

[ii]) الأوائل والمثاني: من أسماء أوتار العود.