العودة المنتظرة

هضْبة الجولان نبراس العطاءْ

بوركت شعباً وأرضاً وهواءْ

روضةُ غنّاءُ طابت ثمراً

ورعاها الصادقون الأمناء

غرسوا- مذ أنجبتهم- حبها

في قلوبٍ عامراتٍ بالوفاء

قلعة ما برحت أركانها

منبت الصيد وغيل النجباء

زيّنت عبر نضالٍ خالدٍ

جبهة التاريخ نوراً وبهاء

طالما أدّت، على علاتها،

مقتضى واجبها خير أداء

أيكةٌ سوريّةٌ أغصانها

عربيٌّ أصلها رمز السخاء

كل ما فيها صريح نسباً

يعربيّات عرابٌ صرحاء

محضت -مضمرةٌ معلنةٌ-

أمها سوريّةً كلّ ولاء

هضبة الجولان شماء الذرا

حلّ فيها المجد خفّاق اللواء

طلعة الفجر وألحاظ المهى

وشذا الزهر وأعناق الظباء

فلدى أغوارها أحلى سنىً

وعلى أنجادها أعلى سناء

***

هضْبة الجولان في أجوائها

نفحاتٌ من نجيع الشهداء

معقل الأحرار منذ احتلمت

ومتاريس الكماة الكرماء

سلّط الدهر عليها شؤمه

فابتلى أبناءها مرَّ ابتلاء

إذ رماها باحتلالٍ غاشمٍ

متقنٍ كل فنون الإعتداء

سامها المحتل خسفاً وانبرى

يجتني خيراتها شرَّ اجتناء

قاست الأهوال من أعدائها

ومضت عبر دموعٍ ودماء

قاومت أطماعهم مدركةً

لعبة الضم) وزيف الأدعياء

وثبة الإضراب [1]أرست نهجها

في صمودٍ لم ينلْ منه عياء

ضربوا أعتى حصارٍ حولها

لم يزدها ضربه إلاّ مضاء

حاولوا تركيعها لكنما

ليس يرضى بالركوع البسلاء

بئس قوماً عميت أبصارهم

حسبوا الجولان هش الانتماء

متعالين؛ متى كان لهم

فوق ما عند البرايا من علاء؟!

مشمخرين كأنْ لم يُجبلوا

مثل باقي الناس من طين وماء

نفثوا جنسيّةً) فاصطدمت

بصخور وذكاء ودهاء

خاب ظنّ جال في أذهانهم

أنّ في الجولان ضعفاً وغباء

فتلقوا صفعةً رنّانةً

من أكف الأقوياء النبهاء

ورأوا شعباً أبياً يفتدى

أرضه بالروح إن عزّ الفداء

فانثنوا خزياً يجرون الخطا

عن أمانٍ ما لهم فيها رجاء

***

دارت الأيام وانشق الدجى

عن بدورٍ تغمر الدنيا ضياء

عادت الأيام بيضاً وجلا

عن ثرى الأجداء ظل الدخلاء

بعدما طالت ليالى غربةٍ

لم يكن للجو فيها من صفاء

أقبل الأصحاب أحباب الحمى

وتوارى الغاصبون الغرباء

تنتشي سورية حين ترى

بؤساء الأمس أضحوا سعداء

حافظ) الأمجاد يحدو شعبها

لسلامٍ ورقيّ ورخاء

حيِّ نسراً رحبةً، أجواؤه

يسقي من جانحيه الشعراء

عهده الزاهر شادت برجه

همّة الليث وعقل الحكماء

ذهبيٌّ عظمت هيبته

كعهود الخلفاء العظماء

صرخ نبلٍ شامخ بنيانه

قاصر عن فنه أرقى بناء

غابةٌ عزّ الحمى في ظلها

وعرينٌ فيه خصبٌ وارتواء

واحة الخيرات في سوريةٍ

ملء جنبيها أمانٌ وهناء

***

عادت الإبنة للإم التي

في حناياها لها أيّ غلاء

قبّلي يا أمُّ بنتاً طالما

كان أغلى حلمها هذا اللقاء

شرفٌ للبنت إمّا أكبرت

أمها فيها صنيع الشرفاء

عادت الأيام وانداح الشذا

في الروابي وتلاقي الخلصاء

عودةٌ يا طيبها من عودةٍ!

في ثناياها شموخٌ وإباء

هكذا التاريخ يُحيي نفسه

عند جمع الشمل في عيد الجلاء.

مجدل شمس 1996.



[i]) هو الاضراب المفتوح الذي استمر مائة وسبعة وخمسين يوماً سنة 1982 احتجاجاً على قرار ضم الهضبة.