آخر الأخوال

نشرت في مجلة البيادر السياسي) المقدسية.

دموعٌ لايكف لها انهمارٌ

وكأسٌ في تجرّعها المرارُ

تمادت في تجهمها ظروف

وعلّت مرّ لوعتها ديار

هل ازورّ الزمان كما عهدنا

تقلبه؟ وللزمن ازورار

يدور الدهر من وضعٍ لوضعٍ

له في كل ناحيةٍ مدار

وكأس الموت مترعةٌ دهاقٌ

على كلّ امرئٍّ يوماً تدار

إذا حم القضاء فلا مفرٌّ

يقي مما قضاه ولا خيار

يحاور بعضنا بعضاً بأمرٍ

ولكن ليس في قدرٍٍ حوار

***

كريمَ النبعتين أباً وأمّاً

يطيب الذكر إن طاب النَّجار

أبا حمدٍ علوت يداً وقدراً

لدى قومٍ أياديهم غزار

سبيلك مستقيم ليس فيه

عثار في السلوك ولا غبار

أ فارسُ) في المآثر أنت فخر

لأبناء مآثرهم كثار

رجال يزرعون الأرض خيراً

وأنت لخيرة الزرع البذار

قد اختاروا سبيل المجد نهجاً

ومعتقداً، ونعم الإختيار

ويا خالاً يفوق الأمّ عطفاً

ويأنس حوله الزغب الصغار

ويقتبس الندى من راحتيه

وينهل من مناهله الفخار

رحلت بلا لقاءٍ أو وداعٍ

فراقَ ما لحسرته انحسار

وفاتك، آخر الأخوال، هاجت

شجوناً مؤلماتٍ إذ تثار

كوامن في زوايا النفس ينزو

لديها كلما هيجت أوار

رحلت وفي الفؤاد لك احترام

وشوق في حنايا الصدر نار

وجرح دائم الآلام دامٍ

وبين للأسى أبداً مثار

***

نقيَّ الأصغرين فماً وقلباً

نقاء ما لوحدته انشطار

رحلت ونحن منظرون عوداً

وهل سيطول للعود انتظار؟

نعاني خلف أسلاك حصاراً

ومبعث سخطنا هذا الحصار

أَمضَّ نفوسنا قلق رهيب

وهدّ جسومنا النوم الغرار

فكم عينٍ تفيض دماً ودمعاً

وكم قلبٍ يفتّته اعتصار!

مصابٌ عمت المأساة فيه

وأنّت تحت وطأته الديار

تعلمنا من الآباء درساً

لنا من نوره الهادي منار

فنحن لهم تلامذة صغار

وهم فينا أساتذة كبار

بنو بمعاقل الجولان مجداً

جناحاه النضال والانتصار

هدونا كيف تكتسب المعالي

وكيف يصان للشعب الذمار

وكيف نكون في الجلّى بناءً

قويّاً لا يهدده انهيار

وكيف نُقرّ بالفضل اعترافاً

لأهل شاقنا لهم المسار

عرفنا الحقّ مذ كانت حدودٌ)

ومذ ولدت أبا ذرٍّ) غِفار)

***

جنان الخلد وافاها نزيلٌ

عليه من سنا التقوي إزار

شذا من روضة الأمجاد سامٍ

له بين الميامين انتشار

أمينٌ أينما اتجهت خطاه

تواكبه الشجاعة والوقار

أماثيل المروءة فيه طبع

وطبع المرء ليس له غيار

عريق في العروبة قد سقاه

إباء النفس يعرب أو نزار

أديب في تصرفه حليم

كذا يتصرف الناس الخيار

ومعوانٌ به يعتزّ أهل

وجار قربه يحلو جوار

فيا لهف الظماء على غديرٍ

إلى شظآنه شط المزار

دعاء من خواطرَ موجعاتٍ

يلوّعها من الحزن انكسار

سقى الرحمن في حضرٍ ضريحاً

بغيث لايكفّ له انهمار

مجدل شمس 1995



[i]) هو أبو حمد فارس برجاس من قرية حضر في القطر العربي السوري.

[ii]) حضر: قرية الفقيد.