The Golan الجولان


من أجل تعميق الحوار

بقلم سميح صفدي - مجدل شمس

واضح أن الخلاف حول أسلوب العمل  نابع من رؤيتين مختلفتين للواقع حتى لو بديتا غائمتين ومموهتين بعض الشيء :

      1. الأولى رؤية براغماتية ,عملاتية ,تريد أن ترى انجازات على الأرض :مراكز صحية ,مراكز زراعية ,مجاري, تكرير مياه,زرع أراضي جديدة ,التقليل من ضرائب البلديات ,المطالبة برخص للبناء …الخ وربما تفكر أحيانا بأمور تربوية ,واضحة,محددة ,معينة,ومحدودة,مثل تعيين معلمين مؤهلين في المدارس (مؤهلين تعني بنظرة براغماتية أنهم قضوا حوالي ثمانين يوما من الجهد والتعب والدرس , وسهر الليالي في تعلم الהוראה ).

2. الرؤية الأخرى وأنا أتبناها ,تنظر الى المسألة من منظور ثقافي ,قيمي, تربوي ,غير محدود وغير محدد, حامله وموضوعه الأساسي هو الفرد ,والوعي الفردي. صفة هذا الاتجاه الأساسية ,وربما يعتبرها البعض نقيصة هي اللاتحديد,أي عدم القدرة على صياغة مشاريع متكاملة جاهزة وظاهرة على الأرض و محددة مسبقا. مشاريعه دائما تحمل صفة الغموض ,لأنها مستقبلية بعيدة المدى وغير معلبة , انه ينظر الى المستقبل ويقر بأنه ليس عارفا بكل الأمور ولا يملك خطط متكاملة عيانية, أو وصفة طبية شافية وكافية .انه يحاول الاقتراب من واقع يعتبره متغيرا على الدوام ,يحتاج للدراسة كل يوم ,يطالب بالوعي المطابق .مقولة الوعي والوعي المطابق كما يقول الياس مرقص :"تقتضي مجاهدة النفس ونبذ أوهامها ومسبقاتها ,وكبح أهوائها ونزواتها وجموحها، هذا على صعيد الفرد والجماعه والطبقه والحزب والأمه.

وحدها الأنا مع الفكر،بدلا من "نحن" ،ونحن مضاده مبهمتين يعطي كل أمر مكانه ويسيطر على الامور بالعقل،ولا يدع جانبا يطغى أو يتسلط،ويتقدم ويتحول في الفكر وبالفكر،يتساءل على الأساسيات والمبادئ،يدحض فعلا بالمعنى الهيجلي وليس يرمي بقرف وبحسره واتهام. يدحض،يستوعب الحق الذي في الباطل،أو الحق الذي وراء الباطل.يجاهد بالانا يصحح ذاته قبل الغير،"الأنا"أساس ال "نحن" ،الفردي أساس الخاص والعام،أساس الكلي الذي لا وجود له خارج الفرد.لذلك كما يكون الفرد والأفراد تكون الأمه".

يمكن القول بأن الأتجاه الأول اتجاه اقتصادوي .حتى ولو سمعنا منه  تأكيدات متواتره لفظيه على أهمية الثقافه،انه يعتبر القاعده الاقتصاديه أساس كل شئ،ومن هنا اهتمامه بمشروعات التطوير والتنميه والخدمات حتى يهيئ بنيه تحتيه قويه تشكل بنظره رافعه للمجتمع المتخلف،وتمهد الطريق للتطور المجتمعي،هذا الاتجاه ينعت نفسه بالماديه ،وينعت الطرف الاخر الذي يرى أن الأزمه ثقافيه،ايديولوجيه،في مستوى القيم الجماعيه بانه مثالي يخرج الواقع من رأسه.

يقول عبد الله العروي: "ان الانزلاق نحو الماديه بالتأكيد على الظروف الاقتصاديه،او نحو المثاليه بالتأكيد على دور التربيه ينتج عن اتجاه الواقع نفسه.عوضا عن التراشق بتهمة الماديه اوبالمثاليه،أليس من الأنسب بحث الظروف الموضوعيه للتأكد من موقع عقدة التناقضات .هل هي في مستوى العلاقات الأنتاجيه،أم في مستوى القيم الجماعيه ؟وهو بحث لا ينفي "البراكسيس"(الممارسه الابداعيه) كضروره الزاميه،بل يعين على توجيهها الوجهه الصحيحه.

أما اذا نزعنا عن الماركسيه جدليتها ،وقلنا ان التأخر الثقافي نتيجه حتميه للنظام الاقتصادي القائم،وان اصلاح القاعده مقدم نظريا على الاصلاح الذهني،فماذا يكون تأثير مثل هذا المذهب في المجتمع المتخلف؟هل يرجح كفة الثوريين ام كفة المحافظين؟"

الجواب يبدو بالنسبه لي واضحا.لماذا لا نسعى الى صياغة موقف تقدمي،او ثوري، (قل ما شئت) عبر الحداثه وبشكل يمكن التحول فيه من الثقافه ما قبل المدنيه الى الثقافه المدنيه الحديثه .في هذا الاطار لا يمكن نسخ اشكالية التقدم الى اشكاليه اقتصادويه ،اوتقنيه او خدماتيه ،أو أطر نقابيه ,اذ ان هذه الاشكاليه هي اشكالية وعي،وبمعنى اخر فان التأخر التاريخي هو أساسا تأخر ايديولوجي ،فاختزال النقدم الى اقتصادوي او تقنوي ينتج قشره سطحيه زائفه من التقدم الشكلي ،ومن هنا يعيد "ياسين الحافظ"النظر جذريا بترسيمة التقدم او سيرورته فعوضا عن المنحى الذي يقول:

(التكنولوجي، الاقتصادي، الاجتماعي، الايد يولوجي، السياسي)، يضع الحافظ منحى جديد:

(الايد يولوجي، الاجتماعي، السياسي، التكنولوجي، الاقتصادي) ومن هنا يرى الدور الاستراتيجي للوعي/للانتلجنتسيا في وعي التأخر "الفوات" وتجاوزه بواسطة وعي حديث عصري.                                        

 قد يشعر البعض بانني اشذ عن الموضوع، وهو صياغة استراتيجيه معينه للعمل على دفع عجلة التقدم في الجولان المحتل خصوصا.

الحقيقه إنني لا اعتبر هذا الاعتراض اعتراضا مقبولا او عقلانيا ،بل اراه نتاجا أو افرازا من افرازات المجتمع المتخلف العصبوي ،ال ما قبل قومي،أو اموي(من أمه).

هذا الرأي  ينطلق من نرجسيه تعتبر نفسها مركز الكون وغايته،همها،وعلمها،ولسان حالها:الجولان..الجولان..الجولان... حتى تكاد تتقيأ هذه الكلمة.

حين لا يستطيع الفرد توسيع أفق تفكيره خارج حدود بانياس والقنيطره فأنه لن يصبح فرد في أمه أبدا،ولن يستطيع أن يتصرف تصرفا امويا،ولكن عندما ينفلت المرء من أسر العلاقات ما قبل القوميه وينبذها سرعان ما يجد نفسه يعانق الامه كافه,  بدلامن ألعمل على الخصوصيه المحليه وتعزيزها,لماذا لا نحاول تحجيمها(ولااقول الغائها)لماذا لانحاول دمج أنفسنا بالامه وهمومها ,ألتي هي همومنا ,بدلا من القول أننانعيش بوضع احتلال ؤيجب ان نظهر يوميا على شاشات التلفزيون لماذا لا نستوعب اننانعاني من التأخر كما يعاني ابن دمشق وابن الصعيد في  مصر ,اننا نعاني من التكسر الأجتماعي العائلي كما يعاني ابن اللاذقية أو الكويت، اننا نعاني من هيمنة الفكر الايماني الغيبي كما يعاني ابن الضفه او جنوب لبنان،اننا نعاني من تقييد حرية المرأه واستلاب شخصيتها كما يعاني ابن عرنه أو الزرقاء،اننا نعاني من التقييد الجنسي واضطهاد الجسد كما يعاني ابناء الأمه كافة،وأيضا نعاني من انعدام حرية الرأي والتفكير الحر والديموقراطيه الاجتماعيه _انعدام الخصوصيه وحرية السلوك الشخصي كما يعاني أبناء الأمه كافة.

ونعاني أيضا من أزمات كثيره أخرى كلها من سمات المجتمع المتأخر:التعصب ،الاستبداد، العدوانيه، النميمه،القلاقل ،الكذب،التدليس واللفلفه والطبطبه وتمسيح الجوخ ،تغليب المصلحه الشخصيه على المصلحه العامه ،احتقار القانون، عدم القدره على السيطره على الوقت،عدم القدره على ربط الكلمه بالواقع ........الخ

لماذا ننسى كل هذا ونقول:"نحن بظرف أحتلال"ونعزل أنفسنا وأحلامنا واستراتيجيتنا عن باقي الأمه العربيه،لماذا لا نقول :نحن جميعا من المحيط الى الخليج نعاني من التاخر،من الاستبداد ،من الهزيمه والعجز والتبعيه أمام العالم الحديث،نحن لا نعيش في العصر،نحن الماضي ملقى على هامش الحاضر.

انطلاقا من هذا الواقع فأنني لا أستطيع تصور استراتيجيه خاصه،فريده من نوعها لأهالي الجولان ألا اذا كنا نتحدث عن تكتيك يومي يريد لهذه المظاهره أن تنطلق من هنا أو من هناك،أو يريد تعليق هذه اللافته أو تلك او يريد تحية فلان في خطاب جماهيري أو يريد نشر بيان بخصوص.....أو حتى يريد تأسيس نقابه مهنيه......ألخ.

هذه ألتفاصيل والجزئيات ليست هي الموضوع ,وليست سقفا للتفكير ,انها احداث يوميه عاديه ,تتغلب عليها صفه العفويه,ثانيا؛انها لا تراكم شيئا على الصعيد المجتمعي والفكري ,ثالثا؛ان الايديولوجياالتي تهيمن في المجتمع هي التي تتحكم بهذه الجزئيات وتصيغها،لذلك فأن تطوير هذه الايديولوجيا وعصرنتها يعني انضاج هذه الجزئيات والتكتيكات والاستفاده منها أكثر وتوجيهها الوجهه الصحيحه.

الان ،بالعوده الى الواقع الذي تحدثت عنه انفا، وبناءا على عدم الفصل بين الساحه الجولانيه والساحه العربيه عموما،فان الاستراتيجيه الوحيده الممكنه والضروريه هي التي تعمل على تحديث المجتمع والثقافه والسياسه:تحديث المجتمع بالامّويه(من امّه_قوميه)_،والثقافه بالعقلانيه والعلمانيه_ ،والسياسه بالديموقراطيه.

هذه الحيزات الثلاثه متداخله ومتكامله ،وكل يؤثر بالاخر.ولكن :ما هي البدوه اللازمه للدفع باتجاه الديموقراطيه والأمّويه؟  :انها الثقافه ،اتها الوعي،انها التشكيك في ثوابتنا ،الديموقراطيه لا تهبط من السماء ،انها امتداد بديهي للوعي والمعرفه والحريات الاجتماعيه واحترام الاخر،والأمّويه او القوميه ليست جوهرا خالدا متعاليا على التاريخ ،بل نسيجا اجتماعيا عيانيا ،ألقوميه بمعناها الامّوي الحديث هي الحركه التاريخيه التي ترفع سديما بشريا الى كتله متجانسه متلاحمه مندمجه تستحق اسم امّه ،وهي ليست شيئا من قبيل الرابطه السلبيه أو التضامن السلبي الذي تتخذه جماعه بشريه ازاء جماعه اخرى مغايره أو معاديه،أي ليست شيئا من قبيل نزعة كره الأجنبي التي لازمت وتلازم الجماعات البشريه المتخلفه ،الأمّويه كما وصفها "ياسين الحافظ"هي   ضرب من نسيج سوسيولوجي ينهي أو يصفي التذرير والتفتيت والخصوصيات ما قبل القوميه: (عشائريه_عائليه_ملليه_مذهبيه_اثنيه_حاراتيه_قرابيه_قرويه_مدينيه_اقليميه_محليه...) هي ضرب من علاقات مجتمعيه ايديولوجيه سياسيه تتكون رويدا رويدا مؤدية الى نشوء الأمه الحديثه .

 لنفترض اننا اتفقنا على هذه الأساسيات والمبادئ،فما هي الخطوات العمليه التي علينا اتخاذها؟:

هناك بعض الأخوه المتحمسين يحاولون أو حاولوا حمل راية الثقافه ونزلوا الى الشارع لجمع اكبر عدد ممكن من الناس حول هذه الرايه الجديده،ويبدو ان الناس لا ترغب الا بالمقبلات الخفيفه،لذلك فلنقدم لهم على هواهم،ثقافه سهله بسيطه شعبيه،نجد في النهايه انها لا تختلف عن خطاب الشارع العادي ولاتقدم أي جديد .مقياس النجاح الاول بالنسبة لهؤلاء هو مدى جماهيرية العمل الثقافي المطروح،همهم الكم وليس الكيف.هذا الاتجاه من الطبيعي ان يتغلب في العقليه البراغماتيه المغرمه بالحركه والسرعه وقياس النتائج الاحصائيه،ولكنه يعطي بعض الدلالات حول حقيقة الدوافع الذاتيه النرجسيه المتحكمه بهذه"الانجازات"،وتبرز بعبارات تحدي مثل "انظروا ماذا فعلنا!انجازات قائمة على الأرض ، هل تستطيعون قعل ذلك" وبتأكيدات مثل:"لقد تم في المرحلة الماضية الفرز، من يريد العمل ومن يريد فقط الكلام ،وواضح أننا أصحاب العمل والهمم".

حين تطغى النرجسية وتضخم الذات بهذا الشكل الفاضح فمن المحتم أنها ستدوس على كافة المعا يير الأدبية والأخلاقية،معها يصبح الكذب والنفاق والنطنطة من موقف الى نقيضه منهجا مشروعا في سبيل تبرئة الذات وتبرير المواقف،والتغطية على الدوافع الأساسية .

أنا طبعا مقتنع أن النرجسية عامل فعّال وضروري ولا يخلو منه أي شخص مهما ادعى العكس، لكن هناك فرق بين أن يكون هو الأصل أو الفرع ،وسيلة أم هدف ،يخدم الخاص أم يدرج في العام،يستوعب الذوات الأخرى أم ينفيها ويرفض التعاطي معها .

طبعا أنا لا أكتب هذا الكلام من أجل المحاسبة ،أومن أجل تصعيد الخلافات،وانماأحاول أن أمارس النقد بحق وأتمنى أن يكون هذاالنقد بناء،وأن لاتمنعنا نرجسيتنا من تقبل النقد ومحاولة رؤية نواقصنا وأخطائنا.

بالعودة الى الموضوع الأساسي ،والخطوات التي يجب اتخاذها فانني الخص رأي بما يلي :

أ‌-       محاولة الحد من الاتجاهات الأقتصادوية والبراغماتية .(طبعا هذا لا يعني نفيها )

ب‌-   محاولة الحد من الوطنيات والجولانيات والخصوصيات المحلية .

ت‌-   وعي أن مسألة الأحتلال مسألة فرعية ،أو لنقل هي نتاج للتأخر العربي ،وأن العرب ربما يستطيعون تحرير الأرض بعد انجاز ثوراتهم الحقيقية .

ث‌-   العمل على امتلاك الوعي المطابق ،أي الوعي المناسب لحاجات تقدم الأمة العربية وتحريرها ووحدتها .هذا الوعي المطابق ذو ثلاث مستويات ،في المستوى الأول هو وعي كوني ،وفي المستوى الثاني وعي حديث ،وفي المستوى الثالث هو وعي تاريخي. ان الوعي الكوني، الذي هو وعي القسم المتقدم من العالم ،هو الذي يفتح لشعب متاخر الطريق لولوج العصر، ومن المفترض أن يحمل الوعي الكوني في طياته وعيا حديثا . في البلدان العربية تجنبت القوى التقدمية التعرض للتقليد ورضيت بحداثة قشرية توضعت فوق التقليد وعقدت مصالحة مدلّسة معه ،بل ساهمت في بعث التقليد في حين أن الحداثة والتقليد نقيضان لا يتصالحان .فالأولى تتمحور حول المستقبل في حين أن الثاني يتمحور حول الماضي ،ناهيك عن ان المناهج والقيم والمثل وأنماط السلوك الخاصة بكل منهما على تباعد أوتناقض لا مصالحة فيه . المستوى الثالث للوعي المطابق يتمثل بالوعي التاريخي ،فالواقع له امتداد في المكان (الكوني )وفي الزمان (التاريخي) ماضي حاضر مستقبل .في المجتمعات المتأخرة يكاد الماضي والحاضر أن يتمازجا أو يتوحدا ،ومن هنا الأهمية الحاسمة للوعي التاريخي في رؤية أو تشخيص الحاضر .

ج‌-    اخيرا يجب وعي مسألة هامة ومفصلية بالنسبة لاستراتيجية للعمل الثقافي ،وهي أن الثقافة الرفيعة،الفكر ،الفلسفة ليست لعموم الناس وانما لفئة خاصة فقط،وهي ماتدعى النخبة /الانتلجنتسيا.هكذا كان على مر التاريخ ،هكذا في الشرق والغرب ،في الشمال والجنوب،وهكذا سيكون في المستقبل. ان تبسيط الفكر وتسطيحه ،ومحاولة مصالحته مع ذهنية رجل الشارع البسيط،انما يعني افقاره وتفريغه من محتواه ثم انه يلغي التنابذ بين التقليدي والحديث ،بين الخطأ والصواب ،وهذا يلجم أي صراع ديالكتي مستقبلي .ثم انه يعزز النمطيه والتماثل السائده في المجتمع ،لا فروقات ،لا طبقات،لا تنويعات،هذا يعني السكون. ثم أنه يتغاضى او يتعامى عن حقيقه بديهيه ،وهي ان عموم الناس لا يهتمون ،ولن يهتموا بمثل هذه الامور ،ان لهم همومهم ومشاغلهم اليومية ،كذلك لهم معتقداتهم وايديولوجياتهم الواضحة.

"الفلسفة للخاصة والأيديولوجيا للعامة "

هكذا لخص أحدهم المسألة .

تأملوا الفئات المتدينة في مجتمعنا أو غيره . ان قلة قليلة منهم من يفكرون ويتفكرون ويتساءلون في المسائل الدينية. أما الباقي أو العامة فانهم يتلقون أحكاما عامة .قواعد ذهنية معينة ، سلوكيات معينة ، مناهج خاصة في التعامل مع الواقع والمشكلات ،أساليب خاصة في التربية ، في قيادة الأسرة ،في التعامل مع المرأة ....انهم يملكون ايديولوجيا دينية هذه الايديولوجياالتي يملكها العامة تابعة للخاصة وتتطور معها (رغم أنه يغلب عليها صفة الثبات أو ألبطء الشديد) .

تأملوا الماركسيين ، ان قلة قليلة منهم أيضا من يفكرون  في المسائل والمشكلات الفلسفية والأقتصادية والأجتماعية،قلة قليلة من يبدعون الأفكار الجديدة ، أما الباقي معتنقي الماركسية فانهم معتنقي أيديولوجيا ولا يملكون فكرا.

انهم يريدون عدالة اجتماعية ،حرية ،مساواة ،ملكية عامة ،تآخي بين البشر ....الخ  لديهم مخدة يستريحون عليها ،انها الأيديولوجيا .

هذا ليس عيبا أو خطأ ،انما الخطأ أن يصبح المفكر أيديولوجيا أو العكس أن يحلم بتحويل الناس الى مفكرين . لا بد من مسافة ما بين الفكر والأيديولوجيا بين الانتلجنسيا والناس ،بين الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية .

حين تصبح ايديولوجيا الناس حديثة ،لابد للفكر أن يتقدم أبعد من الحداثة .هكذا الفكر ،هكذا التاريخ ،هكذا التقدم .

طبعا هذا لا يعني احتكار الثقافة ومنعها عن الناس ،بالعكس علينا ايصالها الى الناس ،لكن دون تبسيط،أو تشويه،أو مقاربة ،دون وضع القارئ أو المتلقي في رأسك ،لأن هذا سينهي أي عمل أصيل أو مبدع .ثم أن المسافة بين الوعي الشعبي والوعي الانتلجنتسي ستعمل كمصفاة ،لضمان النوعية الجيدة ،والمصممة ،والمفكرة ،والعاشقة للمعرفة في هذه الانتلجنتسيا المأمولة .

حتى الآن هكذا أرى العمل الممكن والواجب :محاولة بناء انتلجنتسيا واعية ،صادقة ،مغايرة للواقع، عبر الحوار، عبر القراءة ،عبر الكتابة ،عبر الاختلاط ،عبر استيعاب الرأئ الآخر ،عبر الاقتراب من الجنس الآخر والأخذ بيده .

الوسائل عديدة ومتنوعة وبمتناول اليد ،لكن المهم هو النية الصادقة ،ووعي ضرورة هذا العمل ،والعطش للمعرفة ،معرفة الواقع ،معرفة الكون ،معرفة التاريخ ،معرفة الآخر .ولا أعلق أهمية كبيرة على العدد نحن بحاجة الى كيف وليس الى كم ،الى نوعية مليئة وليس الى امتداد جماهيري فارغ .

      تضمن هذا المقال اقتباسات لم يتم الاشارة اليها من :عبدالله العروي _ياسين الحافظ _الياس مرقص

nabeeh@jawlan.org

:أرسل تعقيبك على البريد الالكتروني