The Golan الجولان

 

حول بعض ملامح "المثقف القروي"

بقلم د. سميح صفدي - مجدل شمس

في كتابه المعنون "الخطاب السياسي المبتور" يلامس الدكتور  "عزمي بشارة" بحساسية بالغة قضية التأخر الثقافي لدى عرب الداخل، ويرجعها وبحق إلى عدد من الأسباب أهمها غياب المدينة، هذا الغياب الذي يعني : "غياب المركز الثقافي الموحد، غياب الجامعة والمكتبة الوطنية والمسرح القومي ودار النشر الوطنية ومقاهي المثقفين، غياب المجتمع الفردي والطبقة الوسطى المبلورة حول مطامح سياسية ومشروع سياسي قومي، غياب المدينة يعني غياب المجتمع المدني".

وبدلاً من تطور مدينة عربية، تطورت عبر السنين "ظاهرة القرية العربية الكبيرة، التي تتحول إلى مدينة أو بلدة يسكنها عشرات الآلاف وليس فيها من مقومات المدينة إلا التسمية".

هذا الوضع ينسحب أيضاً على قرى الجولان المحتل، والتي من الصعوبة بمكان حتى تسمية قراها "بلدات كبيرة" بل هي قرى، ولكنها قرى مشوهة، فقدت كل ملامح القرية الأصلية، وهي تفتقد منذ زمن طويل لأي اتصال أو تواصل مع المدينة بحكم وضعها الخاص كقرى محتلة ومعزولة عن عمقها السوري والعربي، وحتى الآن يبدو أن تواصلها مع عرب الداخل محدوداً جداً لأسباب عديدة قد يكون أهمها غياب المدينة الذي تحدث عنه الدكتور "عزمي بشارة" .

ولكن هذه الحقائق ليست مبرراً كافياً لتفسير هذا الركود منقطع النظير على مستوى النشاط الثقافي، لماذا لا تنجح محاولات المثقفين لإنشاء حالة ثقافية في القرية؟  حتى الثقافة بأبسط أشكالها، كإنشاء حلقات ثقافية، أو مجلة شهرية، أو حتى فصلية، ناهيك عن إنشاء مراكز ثقافية، ومكتبة عامة.....ألخ

هذا السؤال يبدو بسيطاً، والإجابة عليه تبدو وكأنها بديهية، فغياب المؤسسات المدنية كما ذكر أعلاه، إضافة إلى صغر مجتمع القرية، وقلة عدد المثقفين فيه، إضافة لعدم احترام مجتمع القرية للمثقف وانجراره وراء الزعامات التقليدية، والفئوية، والعائلية، وكذلك سيطرة التقاليد الدينية بحدود متفاوتة، تعرقل نشوء حالة ثقافية، أو نخبة أو طبقة ثقافية في المجتمع القروي.

وإذا غصنا اعمق من ذلك قليلاً فسنجد أن هذه الحالة الموصوفة بمجملها، من الصعب أن تخلق هماً ثقافياً،  حتى وإن كانت القرية متفتحة نسبياً وذات إمكانات مادية جيدة، فإن أقصى ما يمكن تحقيقه هو إنسان "عصري" يلهث وراء آخر صرعات الغرب وينسلخ بشكل شبه كامل عن مشكلات مجتمعه وهمومه، ويصل الأمر بالبعض حد التبرؤ الكامل من هذه الأمة ومحاولة الاندماج الاستيهامي بالطبع بالغرب.

ولكن:

رغم كل ما ذكرنا، فإنه لا بد أن تجد في القرية وخصوصاً القرى الكبيرة نسبياً والمتطورة إلى حد ما، لا بد أن تجد عدداً قليلاً من المثقفين المهتمين، والذين يحملون هماً ثقافياً، يفكرون، يتساءلون، ويحاولون التأثير في أنماط التفكير السائدة، ينقدون الذهنية التقليدية، ويحاولون  إشاعة منظومة جديدة من القيم الحديثة والمنسجمة مع روح العصر، عصر الديموقراطية.

وأدوات هؤلاء المثقفين محدودة ومعروفة،(وإن كان البعض يتوهم أكثر من ذلك) فهم لا يمتلكون سوى عقولهم، وألسنتهم، وإن أتيحت لهم الفرصة فأقلامهم، أي أن مجال عملهم، وحيز وجودهم هو حيز غير ملموس، حيز الكلام والمجردات والمفاهيم، لنسمه بكلمة مختصرة "حيز الفكر".

إذا فكرنا بشكل مجرد فإننا سنرى أن متطلبات هذا العمل البسيطة(الرأس، اللسان والقلم) مقارنة مع الأشياء الأخرى ترشحه للنجاح والنمو، إذا ما وجد الاهتمام طبعاً، ومع ذلك فإننا نشهد فشلاً منقطع النظير على المستوى الثقافي في القرية، وفشلاً بحدود متفاوتة في المدينة العربية والتي هي متريفة في جوانب كثيرة، ولم ترقى بعد إلى مستوى المدينة الحقيقية، ولكن ما دمنا قد اعترفنا بأن هناك فشل، فيجب أن نقر بان هناك محاولات جادة وصادقة للنهوض بهذا المجال، ويمكن أن نعزو الفشل للأسباب العديدة التي ذكرت في البداية، ولكن هذه الأسباب لا تبدو كافية  أو مقنعة، على مستوى الإنتلجنتسيا على الأقل، لماذا لا ينجح "المثقفون"- على الأقل- بإنشاء حوار فيما بينهم؟ بإنشاء حالة من التفاعل  والتواصل على مستوى النخبة!؟  لا بد من وجود أسباب أخرى ذاتية.

الحقيقة أنه من تجربتي المتواضعة في قريتي"مجدل شمس" تلمست سبباً أراه مهماً، وأود التركيز عليه هنا. وآمل أن يثير نقاشاً بين الشباب المهتمين، مع أنني أتوقع ألا يثير سوى الإستنكار أو حتى الإستهزاء، والسبب في ذلك هو في رأيي" السبب ذاته"، وسيفهم القاريء بعد قليل ما القصد من ذلك.

          وإنني أعلق على هذا السبب أهمية كبيرة لأنه يدخل في باب " الذاتي" وليس في باب "الموضوعي" ،  فمن المفروض أن تكون قدرتنا

 على التحكم في العامل الذاتي وبالتالي تغييره  أكبر من قدرتنا على التحكم في العامل الموضوعي، لان شرط التحكم في العامل الأول هو "الوعي" وفقط الوعي، أما العامل الموضوعي فهو موضوعي، أي خارج عن إرادتنا، وتغييره يحتاج إلى تراكم تاريخي، وإلى تطور دائم على المستوى"الذاتي"، لذلك فأنا سأنحي جانباً بمناقشتي هذه جميع الأسباب الموضوعية التي ذكرتها آنفاً، وسأركز على العامل الذاتي في جانب من جوانبه.

والحقيقة أنني احترت في إيجاد تسمية مناسبة لهذا "السبب"، فكرت في تسميته " نزعة احتقار الذات" أو "مازوخية المثقف القروي" أو "عقدة النقص تجاه الغريب" ..القدرة الفائقة على تضخيم الأجنبي وتقزيم المحلي....

من البديهي أن الشرط الأولي لازدهار الثقافة في مجتمع معين هو القدرة على احترام الآخر، فبدون الاحترام لا حوار، وإن وجد فهو أشبه بحوار الطرشان، ومن البديهي أيضاً أن الحوار بين مجموعة معينة سوف يفرز آراء متعددة، ووجهات نظر مختلفة، وسيبرز أيضاً تفاوتاً في قدرات المتحاورين وثقافتهم، معلوماتهم، عمقهم، قراءاتهم....ألخ ،    هذه التفاوتات الطبيعية في مجتمع المدينة الواسع، هي لب المشكلة في القرية، وما كان محركاً في المدينة سوف يصبح عائقاً في القرية.

وتفسير ذلك أن الإنسان القروي الذي تعود العجز لقرون طويلة ،وألف حقيقة أن لا دور له في صنع التاريخ ولا الثقافة، يميل إلى احتقار ذاته بشكل مفرط. وهذا الاحتقار ينسحب أيضاً على كل من حوله والقريبين منه، فهو لا يؤمن بنفسه ولا بأبناء بلده ، وتراه مبهوراً بالإنسان "الغريب" أي كانت تفاهة هذا الغريب أو عظمته. ومن الصعب جداً على ابن القرية الاعتراف بابن قريته إلا في حالات نادرة إذا ما نال هذا الآخر اعترافاً من الخارج .

وكلما كان الشخص الآخر بعيداً أكثر، كلما نال اعترافاً أكبر. سلم التقييم الوحيد هو البعد أو القرب من الذات ، وليس قيمة الشخص ذاته، أو فكره، أو مدى مطابقة فكره لحاجات الواقع.

في ظل هذه الحالة من احتقار الذات والآخر من الصعب جداً إنشاء حوار . فالهم الرئيسي لأي من المتحاورين سيكون تبخيس الطرف الآخر واكتشاف نواقصه ومحاولة الحط من قيمته، وتتخذ هذه النزعة العديد من الأشكال الممكنة :

1.    أكثر هذه الأشكال رواجا وأبسطها هو عدم الاهتمام ، فبينما يحاول شخص ما التعبير عن ذاته وأفكاره، أو ما قرأه وأثار اهتمامه نجد الطرف الآخر يحاول جاهداً التخلص من الموضوع ، أو الحط من شأنه، أو تغيير الحديث بمحاولة رمي الفتيشات والنكات والتوافه. وهذه الحالة تتصعد أكثر فأكثر كلما كان الفارق الثقافي بين الشخصين أكبر. بمعنى أنه كلما شعر طرف بأن الطرف الآخر يعطيه شيئاً، يغنيه بمعلومات وأفكار جديدة، كلما تطور عنده إحساساً بالدونية وحاول الهرب أكثر، وقد يغادر الجلسة نهائياً إذا ما عجز عن تقزيم الحوار أو إلغائه. هذه الحالة المنافية للعقل والمنطق هي الحالة السائدة في القرية ،إلا في حالة واحدة ، إذا كان هذا الشخص الآخر غريباً،عندها سيحاول المثقف القروي امتصاص حديثه امتصاصا، وستكون كل كلمة ، أو إشارة، أو ابتسامة من هذا الشخص الغريب ستكون لها دلالة عظيمة جداً ومغزىً عميق.وهنا استشهد بالجملة التي قالها "ويلهم رايش" وهو يخاطب الإنسان الصغير :"أنت لا تستطيع لأن تصدق لشدة تفاهتك واحتقارك لذاتك أن إنساناً عاشرك وأكل معك الطعام على طاولة واحدة قد يكون عظيماً".

2.    إذا ما كان هذا "المثقف" أكثر منطقية أو أكثر فضولاً فإنه سيستمر في الحوار، وسيحاول سماع الآخر، وربما فرضت عليه أخلاقه الديموقراطية أن يستمع ويحلل ويناقش، ولكن غالباً ما تواصل اوالياته الدفاعية الإشتغال في الخفاء، ومع محاولة كبح هذه الدفاعات أو كبتها فإن شدة الشحنة النفسية المضادة ستتعاظم وتتراكم إلى ان تحين لحظة الإنفجار، وهذا ما يفسّر القطيعة التي تحدث غالباً بعد عدد من هذه المحاولات. هذا الإنفجار قد يتّخذ عدة أشكال ممكنة:

أ‌.  أكثر هذه الأشكال شيوعاً هو بدء المطالبة بعد عدد من الحوارات الفكرية بتطبيق هذه الافكار واقعياً، وبتغيير المجتمع جذرياً، و"النزول إلى الساحة"، وحين يتحقق هذا "المثقف" من عدم إمكانية ذلك في أيام معدودات، أو بضعة شهور، فإنه هنا يكون قد سدد إلى خصمه المثقف الاصيل الضربة القاضية:"أذهب أنت وافكارك إلى الجحيم". طبعاً هذا هو التبرير العقلي، ولكن الحالة الحقيقية الكامنة في الأعماق هي ذاتها في الحالة الاولى: احتقار للذات والآخر ومحاولة للإنتقام منه على "تفوقه العقلي".

ب‌.    قد يستطيع "مثقفنا" هذا تجاوز تلك الحالة والاقتناع بفكرة أن التغيير المطلوب لا يقع على عاتق المثقف وحده، وأنه يحتاج إلى حقبة تاريخية طويلة حتى يأخذ طريقه إلى الواقع، وهنا يبدأ بتطوير أوالية دفاعية جديدة، أو بالأصح هجومية، للنيل من المثقف الاصيل، وهذه الأوالية من طبيعة أخلاقوية هذه المرة، فلعدم قدرته على مواجهة فكر هذا المثقف وعقله، فإنه سيواجه سلوكه وخصوصياته اليومية، وتفاصيل حياته، هذه النزعة الانتقامية تجد ضالتها في شعار:"مطابقة الفكر  والممارسة"، فيصبح سلوك هذا المثقف هو المعيار لعقله وصدقه ومكانته الحقيقية، ويبدأ الصغار بالتربص به ، ومحاولة القبض عليه بالجرم المشهود ، وقد تتطور شبكات استخبارات عفوية وغير معلنة لهذا الغرض ، الى ان يحين اليوم الموعود . ويتخذ أي سلوك غير منسجم مع طروحات المثقف الاصيل قيمة عظيمة ، قد ترقى الى مستوى "الخيانة العظمى" وكأن هذا المثقف ليس انساناً ، ولا يخضع لضرورات الواقع ، او حتى لمزاجيته الخاصة ، او لتقلبات فكرية او نفسية قد تطرأ على شخصيته . هنا ، في هذه اللحظة وبعد صبر طويل ، يكون وتر القوس لهذه العقدة النفسية التي تحدثنا عنها ، عقدة احتقار الذات ، يكون قد وصل الى نهايته المشحونة بالحقد ، وينفلت السهم الذي لا يريد اقل من ان يرديك قتيلاً .

طبعاً لا ننسى هنا بعض الاواليات المشهورة والمتداولة منذ زمن طويل، عند رهطاً ليس بالقليل من "المثقفين" سواءً أكانوا من أبناء المدينة العربية أو الريف، وأعني هنا التفسيرات المؤامراوية والخيانوية للافكار الجديدة أو غير المألوفة، والخشية الشديدة من ملامسة بعض الأمور والقضايا الحساسة في مجتمعاتنا العربية، والتي تخص بالذات حالة التأخر الثقافي والحضاري التي نعيشها، بحجة عدم نشر الغسيل أمام الآخر ، هذه الحجة التي لا تخدم في النهاية إلا هذا الآخر، سواءً أكان هذا الآخر الغرب أو إسرائيل، أو أي يكن.. فقمع التفكير بهذه الحجج لا يفيد إلا بتكريس التأخر والجهل.        

ربما كان الفنان فقط مستثنى من هذه الحالة ، فهذه الاواليات لا تشتغل ضد الفنان سواءً  أكان موسيقياً او رساماً او نحاتاً ، بل اننا نجد ان اواليات معكوسة تشتغل معه ، فالمثقفون الصغار يحتضنون الفنان ويشجعونه ويفرحون به حقاً ، ويفتخرون به امام الداخل والخارج . وتعليل ذلك بسيط : فالفنان بحاجة الى موهبة ، والفنان له سر خاص لكونه فناناً ، وهذه الحالة مميزة وظاهرة جداً ، والانسان غالباً ما يُِِِعرف ان كان فناناً ام لا ، ويستطيع الانسان او "المثقف" ان يعترف ببساطة انه ليس فناناً ، و ليس بإمكانه ان يكون كذلك ، وبالتالي فإنه يعترف بسهولة بتميز هذا الفنان وبقدراته الخاصة ، ويعطيه المكانه التي يستحقها ، بل انه في بعض الاحيان يعطيه بعداً اسطورياً ، ولا تشتغل آلية المنافسة بهذه الحالة .

أما بالنسبة للفكر والثقافة ، فمادام كل انسان يمتلك رأسا بين كتفيه فأنه مرشح لأن يكون مثقفاً او مفكراً ، والامكانية متاحة للجميع ، ويميل الجميع الى اعتبار ان الثقافة لا تحتاج الى امكانات خاصة ، رغم انها تحتاج الى ذلك ، فالقدرة على التفكير والتحليل والتركيب والتفكيك ، والقدرة على الحدس والغوص في الاعماق ، اضافة الى المواظبة والقدرة على القراءة ، هذه كلها وغيرها من سمات المثقف الحقيقي والتي لا تتوفر للاغلبية . وتكتفي الاغلبية بمتابعة الاخبار وبعض البرامج ، او قراءة الجرائد والمجلات الدورية ، ويظنون بأن ذلك كافياً لجعلهم مثقفين ، وهذا ما يجعلهم لا يعترفون بالمثقف الاصيل ، ويجدونه منافساً وخصماً ، لا رفيقاً او معلماً كما ينبغي ان يكون .

لا ادري ان كنت قد استطعت ان انقل ما يجول بذهني الى الورق ، ولكن هذه القضية تستحوذ على تفكيري منذ زمن ، واعلق عليها اهمية كبيرة قد يستغربها البعض ، واعتقد انه لا يمكن ان نخطو خطوة واحدة الى الامام دون ان نحل هذه الاشكالية ، فكيف يمكن ان نقيم حواراً ، اذا لم نعترف بتميز بعضنا على البعض الآخر ، لنقل كل في مجال معين ، وهل من الممكن الاقتناع بوجود حوار الكل فيه متساوون ، وقدراتهم ومعلوماتهم وقراءاتهم على نفس الدرجة ؟ ... لا يمكن ذلك بالتأكيد ، من المحتم ان يتميز احد في مجال معين ، وعندها تبدأ اواليات الدفاع بالاشتغال ضده لتحطيمه وتحطيم الحوار معه .

هذه الحالة قد تضطر المثقف احياناً الى محاولة اخفاء نفسه ، والى اخفاء معلومات وآراء مهمه ، وكأنه مجرم يختبئ من العدالة ، حتى لا يشعر الآخر ولو للحظة انه متميز عنه قليلاً بهذا المجال فيبدأ بشن الحرب .

اخيراً ، اود ان الخص رأيي على شكل مطالب اتمنى لها ان تتحقق او ان يتعامل المثقفون على اساسها ، والامر لا يحتاج سوى لبعض الجرأة والقدرة على مصارحة النفس والاعتراف :

1.    الاعتراف بالتميز ، وتشجيع هذا التميز بدلاً من تحطيمه . بدون هذه القاعدة لا يمكن الانطلاق ، وبدلاً من محاولات التقزيم لنحاول الاستفادة من الشخص المتعمق في مجال معين ، ولنتعامل ببعض التسامح مع "نرجسية" هذا المثقف ، لأن حداً معيناً منها لا بد منه ، وهو مطلوب وضروري ، وهذا الامر يفيدنا على مستويين :

المستوى الاول : هو التعلم من هذا الشخص واكتساب ثقافته .

المستوى الثاني: تحريض هذا الشخص على التعمق والعطاء اكثر ، بدلاً من قوقعته وعزله في

الزاوية الضيقة ، ومحاولة اشغاله بالدفاع  عن نفسه .

2.    وضع الثقافة في مكانها الصحيح ، وفهم وظيفتها الحقيقية . بالنهاية الثقافة بمجملها هي تعبير عن الذات : سواءً أكانت فكراً ام ادباً ام مسرحاً ام رسماً ... الخ  وظيفتها الاساسية التعبير عن الذات ، ومحاولة فهم الذات والاخر والعالم ،  وكل ما عدا ذلك من وظائف يأتي لاحقاً ، وغالباً ما يأتي بأيادٍ غير مثقفة . حين تتحول الثقافة الى ايديولوجيا عندها تصبح في خدمة السياسة ، والمثقف يختار ان يكون سياسيا ام لا، لذلك لا يجب ربط الثقافة والفكر ببرامج سياسية او اجتماعية معينة ، ميدان الفكر يجب ان يظل مستقلاً، ويجب ان يمتلك حرية ودينامية هائلة غالباً لا تتمتع بها السياسة او العمل الاجتماعي. السياسة والعمل الاجتماعي يجب ان يكون افقهما الفكر وليس العكس .

3.  عدم ربط السلوك والممارسة بالفكر ، لأن الفكر غالباً ما يكون ، ويجب ان يكون سابقاً للواقع ، لذلك فأن محاولات السلوك وفق ما يتبناه الشخص من افكار غالباً ما تبوء بالفشل . لنتعامل مع ثقافة هذا المثقف ، مع النص ، مع الكلمة ، مع الخطاب ، لنبتعد عن الشخصنة . انا لا اعرف الكثير عن شخصية جان جاك روسو ، او كارل ماركس ، او فرويد او طه حسين او حنا مينا مثلاً ، لا اعرف عن مسلكياتهم ولا اريد ان اعرف ، يكفيني نصوص هؤلاء وافكارهم ، ربما اصاب بخيبة امل ، وغالباً ما نصاب بها بعد ان نتعرف او نعرف معلومات شخصية عن هذا المفكر او ذاك . هذا لا يعنيني ويجب الا يعني احداً .

4. الابتعاد قدر الامكان عن اساليب القمع المتمثلة بالاتهامات والشك والتخوين، هذه الاساليب التي تدعي امتلاك الحقيقة وتحتكر لنفسها الحق بالحكم على أي فكرة أو عمل مخالف لرؤيتها الخاصة، من منطلق "معرفتها" ببواطن الامور، "وكشفها" للمؤامرات التي تحاك ضدها، "وتعريتها" للمطبات والافخاخ المنصوبة. ولكنها في غمرة إحتفائها بهذه "الاكتشافات" الخطيرة تتعامى عن العياني والمباشر، والذي يقفز إلى عين الملاحظ وعقله بقليل من التفكير السليم والصادق، والنية الحسنة.

أخيراً أتمنى ان ]يعامل هذا المقال بحد ادنى من الانفعالية ، وحد معقول من العقلانية الباردة،والهادئة. حتى نرقى جميعاً إلى مستوى أفضل، ألى مستوى شبه مدني، ونخرج من مستنقع القرية الخانق.

                                                                                             د.سميح الصفدي

nabeeh@jawlan.org

:أرسل تعقيبك على البريد الالكتروني