The Golan الجولان

 

الحمار

سليم أبو جبل

:قصة قصيرة بقلم

-        هذا الحمار يشبه أبي...

 وانفجرنا ضاحكين ، كيف يشبّه مسعود أباه بالحمار ؟ وكيف يمكن للحمار أن يشبه أبا مسعود الذي لا يجرؤ  على الاقتراب منه أحد ؟! قبل أيام قليلة ذهبنا إلى مسعود لاصطحابه ليأتي ويلعب معنا ، فخرج إلينا أبو مسعود بجسده الضخم ، وأخرج صوته الجهوري من تحت شاربيه الكثيفين  :

-        مسعود لا يريد اللعب ... اذهبوا من هنا ..لعنكم الله ... أطفال شياطين ...

 

  لم يكن مسعود يشبه أباه في شيء... كان نحيل الجسد ، رقيق الحس يميل إلى الهدوء والسكينة والتأمل ... وطالما كان مسعود ضحية سهلة لغضب أبيه ... وكثيراً ما كان يخطف الصفعات ويتلقى التوبيخ والشتم بسبب أو من دونه ، وكنّا كما مسعود نخاف أباه ولا نجرؤ على زيارته في البيت ، لأن مجرد ظهور أبو مسعود كان يسبب لنا الارتعاد ، وكنّا نتفق في كثير من الأشياء مع هذا الفتى الهادئ المرهف الحس،  ونشعر معه بتعاطف كامل ، ونقدر معاناته اليومية .

 

   لم نعهد مسعوداً يمازح أحداً ، أما أن يمازح الحمار ويشبهه بأبيه فلقد كان هذا من أظرف ما سمعنا .. وحين ضحكنا من قوله  ، ولم يكن يتوقع أن تفعل بنا الجملة ما فعلت ،  راح يضحك معنا ويزيد في القول:

 - هذا الحمار عبوس كأبي تماماً ... انظروا إلى تكشيرته ... واحكموا بأنفسكم ...

 

     لم نكن نفكر في النعوت التي يطلقها مسعود على أبيه ، فلا شك أن لديه الشرعية الكاملة في التعبير عن مكنونات نفسه المضطهدة ... وكان الأمر يفرحنا ..خاصة وأن مسعود قد خرج من جلده وبدأ يضاحك المأساة اليومية ، وعند عودتنا من المدرسة مروراً بذلك الحمار كنا نتعمّد أن نذكّر مسعود بقوله الذي أضحكنا ، ونضحك من جديد .

 

     وفي مرة كنّا عائدين من المدرسة مروراًَ بالحمار سالف الذكر ، وإذ به قد تغيّرت حاله مما جعلنا نقف مشدوهين أمام منظره الذكوري العجيب ... كانت النشوة قد أخذته تماماً ، وراح يصدر أصوات الرغبة والشوق عبر شنهقات متواصلة تهتز لها المشاعر ، وتتعاطف معها كل إناث الأرض من سيدات الحمير ! ...كان منظراً  عجيباًَ ! فراح كلّ منّا ولم نبلغ سن البلوغ بعد ، يقارن في مخيلته ما ستكون عليه حاله عندما تأتي لحظة التحفز القصوى ... لكن مسعود قطع استرسالنا اللذيذ :

-        لقد شاهدت هذا المنظر من قبل ...

-        أحقاً؟!!!

 سألناه بتلهف ، فأجاب باعتزاز كبير :

-     نعم ..

 ثم أضاف:

-        هذا الحمار يشبه أبي في أشياء كثيرة ....

 ودوت ضحكاتنا من جديد... ولكن صوتاً قادماً من بعيد أوقف ضحكنا :

-    مسعود ....مسعود ... لقد قتل أحدهم أباك ... !

 

         كان أبو مسعود تاجراً ميسوراً  يبيع المؤن لأهل البلدة ، لكنّه كان ، حاد الطبع ، يخافه الجميع ، كان أبو مسعود لا يدخل معركة إلا ويترك ساحة القتال كالأرض المحروقة وراءه ، والناس يشاهدون القتال فاغري الأفواه لا يجرؤن على الاقتراب أو محاولة الإصلاح، فأبو مسعود يفعل ما يحلو له ولا يجرؤ على مخالفته أحد ، ونادراً ما كان يقوى أحدهم على التخلف في دفع ثمن البضاعة ، فلديه الطريقة السحرية في تحصيل ماله !!

 

     في ذلك اليوم تشاجر أبو مسعود مع رجل على دين مستحق منذ سنين كان الرجل يرفض تسديده ، ومن الصدفة العجيبة أن هذا الرجل كان يُعرف في البلدة بلقب الحمار ، وملخص الحكاية أن أبا مسعود قد نفذ صبره من الحمار ، وحدث أن التقاه في السوق ذلك اليوم ،  فضربه ضرباً مبرحاًَ أمام جموع الناس ، الأمر الذي أشعر الرجل بالإهانة العظيمة ! وما كان منه إلا أن أخرج من جيبه سكيناً صغيراً وطعن أبا مسعود طعنتين قاتلتين في أسفل بطنه .

   

      أبو مسعود هذا الرجل الجبار هائل الجثة يموت من سكين صغيرة ، يا للعجب ، كانت كل البلدة في ذهول وحزن شديدين ، وودعت البلدة أبا مسعود وداعاً أسطورياً ... أما نحن فما كان منا إلا أن نواسي مسعود مواساة حذرة ، ولا نفاتح مسعود حول الحدث الجلل الذي أصابه ، ومرت أشهر ومسعود في شرود مستمر وقد تبدلت حاله خلالها تماماً ، فأصبح لا يشبهنا ، كأنما كبُر بسرعة ، فقد لاحظنا مرة أن زغباً أسود نبت موضع الشاربين ، وقد تسللت إلى صوته نبرة البلوغ الرجولية ، وصرنا نشعر أننا فتيان صغار مقارنة بهذا الرجل الصغير ... حتى أننا تحدثنا مرة فيما بيننا أن  مسعود أصبح يشبه أباه كثيراً ، إضافة إلى أنه أصبح عصبي المزاج في بعض الأحيان ، وغاضباً من دون سبب في أحيان أخرى .

 

     أصبحنا نتجاهل الحمار عن عمد في كل مرة حين عودتنا من المدرسة،  لئلا يثير ذلك ذكرى حزينة في نفس صديقنا ، ولكن في إحدى المرات وقف مسعود فجأة  ونظر ناحية الحمار  وقال:

- كان أبي يشبه هذا الحمار ... أتذكرون؟!!

    فضحكنا ... فلم يكن بالإمكان أن لا نضحك حين يأتي ذكر الحمار وأبو مسعود في جملة واحدة ، لكن مسعود لم يضحك معنا هذه المرة ، فتوقفنا عن الضحك خجلين من أنفسنا ، وحين هدأ ضحكنا بصق بحنق وقال :

-        تفوه عليك أيها الحمار !!

ثم نظر إلينا :

-        هيا بنا نذهب من هنا ...

فمشينا وراء هذا الرجل الصغير ، أما الحمار فقد تحرّك في مكانه وأدار مؤخرته نحونا ! 

                                                                                                   

 

 

nabeeh@jawlan.org

:أرسل ملاحظاتك على البريد الالكتروني