|
| ||||
الحمار
-
هذا
الحمار يشبه أبي... وانفجرنا
ضاحكين ، كيف يشبّه مسعود أباه بالحمار ؟
وكيف يمكن للحمار أن يشبه أبا مسعود الذي لا
يجرؤ على
الاقتراب منه أحد ؟! قبل أيام قليلة ذهبنا
إلى مسعود لاصطحابه ليأتي ويلعب معنا ،
فخرج إلينا أبو مسعود بجسده الضخم ، وأخرج
صوته الجهوري من تحت شاربيه الكثيفين
: -
مسعود لا يريد اللعب ... اذهبوا من هنا ..لعنكم
الله ... أطفال شياطين ...
لم يكن مسعود يشبه أباه في شيء... كان
نحيل الجسد ، رقيق الحس يميل إلى الهدوء
والسكينة والتأمل ... وطالما كان مسعود ضحية
سهلة لغضب أبيه ... وكثيراً ما كان يخطف
الصفعات ويتلقى التوبيخ والشتم بسبب أو من
دونه ، وكنّا كما مسعود نخاف أباه ولا نجرؤ
على زيارته في البيت ، لأن مجرد ظهور أبو
مسعود كان يسبب لنا الارتعاد ، وكنّا نتفق
في كثير من الأشياء مع هذا الفتى الهادئ
المرهف الحس، ونشعر
معه بتعاطف كامل ، ونقدر معاناته اليومية .
لم نعهد مسعوداً يمازح أحداً ، أما أن
يمازح الحمار ويشبهه بأبيه فلقد كان هذا من
أظرف ما سمعنا .. وحين ضحكنا من قوله
، ولم يكن يتوقع أن تفعل بنا الجملة ما
فعلت ، راح يضحك
معنا ويزيد في القول: -
هذا الحمار عبوس كأبي تماماً ... انظروا إلى
تكشيرته ... واحكموا بأنفسكم ...
لم نكن نفكر في النعوت التي يطلقها
مسعود على أبيه ، فلا شك أن لديه الشرعية
الكاملة في التعبير عن مكنونات نفسه
المضطهدة ... وكان الأمر يفرحنا ..خاصة وأن
مسعود قد خرج من جلده وبدأ يضاحك المأساة
اليومية ، وعند عودتنا من المدرسة مروراً
بذلك الحمار كنا نتعمّد أن نذكّر مسعود
بقوله الذي أضحكنا ، ونضحك من جديد .
وفي مرة كنّا عائدين من المدرسة
مروراًَ بالحمار سالف الذكر ، وإذ به قد
تغيّرت حاله مما جعلنا نقف مشدوهين أمام
منظره الذكوري العجيب ... كانت النشوة قد
أخذته تماماً ، وراح يصدر أصوات الرغبة
والشوق عبر شنهقات متواصلة تهتز لها
المشاعر ، وتتعاطف معها كل إناث الأرض من
سيدات الحمير ! ...كان منظراً
عجيباًَ ! فراح كلّ منّا ولم نبلغ سن
البلوغ بعد ، يقارن في مخيلته ما ستكون عليه
حاله عندما تأتي لحظة التحفز القصوى ... لكن
مسعود قطع استرسالنا اللذيذ : -
لقد شاهدت هذا المنظر من قبل ... -
أحقاً؟!!! سألناه
بتلهف ، فأجاب باعتزاز كبير : -
نعم .. ثم
أضاف: -
هذا الحمار يشبه أبي في أشياء كثيرة .... ودوت
ضحكاتنا من جديد... ولكن صوتاً قادماً من
بعيد أوقف ضحكنا : -
مسعود ....مسعود ... لقد قتل أحدهم أباك ... !
كان أبو مسعود تاجراً ميسوراً
يبيع المؤن لأهل البلدة ، لكنّه كان ،
حاد الطبع ، يخافه الجميع ، كان أبو مسعود
لا يدخل معركة إلا ويترك ساحة القتال
كالأرض المحروقة وراءه ، والناس يشاهدون
القتال فاغري الأفواه لا يجرؤن على
الاقتراب أو محاولة الإصلاح، فأبو مسعود
يفعل ما يحلو له ولا يجرؤ على مخالفته أحد ،
ونادراً ما كان يقوى أحدهم على التخلف في
دفع ثمن البضاعة ، فلديه الطريقة السحرية
في تحصيل ماله !!
في ذلك اليوم تشاجر أبو مسعود مع رجل
على دين مستحق منذ سنين كان الرجل يرفض
تسديده ، ومن الصدفة العجيبة أن هذا الرجل
كان يُعرف في البلدة بلقب الحمار ، وملخص
الحكاية أن أبا مسعود قد نفذ صبره من الحمار
، وحدث أن التقاه في السوق ذلك اليوم ،
فضربه ضرباً مبرحاًَ أمام جموع الناس ،
الأمر الذي أشعر الرجل بالإهانة العظيمة !
وما كان منه إلا أن أخرج من جيبه سكيناً
صغيراً وطعن أبا مسعود طعنتين قاتلتين في
أسفل بطنه .
أبو مسعود هذا الرجل الجبار هائل الجثة
يموت من سكين صغيرة ، يا للعجب ، كانت كل
البلدة في ذهول وحزن شديدين ، وودعت البلدة
أبا مسعود وداعاً أسطورياً ... أما نحن فما
كان منا إلا أن نواسي مسعود مواساة حذرة ،
ولا نفاتح مسعود حول الحدث الجلل الذي
أصابه ، ومرت أشهر ومسعود في شرود مستمر وقد
تبدلت حاله خلالها تماماً ، فأصبح لا
يشبهنا ، كأنما كبُر بسرعة ، فقد لاحظنا مرة
أن زغباً أسود نبت موضع الشاربين ، وقد
تسللت إلى صوته نبرة البلوغ الرجولية ،
وصرنا نشعر أننا فتيان صغار مقارنة بهذا
الرجل الصغير ... حتى أننا تحدثنا مرة فيما
بيننا أن مسعود
أصبح يشبه أباه كثيراً ، إضافة إلى أنه أصبح
عصبي المزاج في بعض الأحيان ، وغاضباً من
دون سبب في أحيان أخرى .
أصبحنا نتجاهل الحمار عن عمد في كل مرة
حين عودتنا من المدرسة،
لئلا يثير ذلك ذكرى حزينة في نفس صديقنا
، ولكن في إحدى المرات وقف مسعود فجأة
ونظر ناحية الحمار وقال: -
كان أبي يشبه هذا الحمار ... أتذكرون؟!!
فضحكنا ... فلم يكن بالإمكان أن لا نضحك
حين يأتي ذكر الحمار وأبو مسعود في جملة
واحدة ، لكن مسعود لم يضحك معنا هذه المرة ،
فتوقفنا عن الضحك خجلين من أنفسنا ، وحين
هدأ ضحكنا بصق بحنق وقال : -
تفوه عليك أيها الحمار !! ثم
نظر إلينا : -
هيا بنا نذهب من هنا ... فمشينا
وراء هذا الرجل الصغير ، أما الحمار فقد
تحرّك في مكانه وأدار مؤخرته نحونا !
|
||||
|
||||