The Golan الجولان

خطاب أندلسيّ إلى صديقي الشاعر

سليم أبو جبل

:بقلم

      صديقي الشاعر عمت مساءً

    أخطّ إليك هذه الكلمات عند الساعة الأخيرة من يوم آخر يمضي، وأنت لم  تزل ما وراء الشاطئين على أبواب يوم جديد، تزيدك الغربة اغترابًا ولا تفكر بالعودة، وفيروز تغني سنرجع يومًا... والصمت في الأيدي المتعانقة يصدح بألف أغنية تحكي الرجوع، وتعيد إلى الوطن بعض جماله، والقصيدة الأخيرة ما كانت سوى أول قصيدة في النزوح عن عيون الحبيبة.      

      مقاعد الدراسة، وأعياد الميلاد في كلمات الحب، تبكيها زجاجات النبيذ في صورتين تحت الغطاء، وفوهة الزجاجة ما زالت تنتظر  شفتيك، والحبيبة ما زالت في زيّها الأسود، لا تتكحل!  وأنت تحمل دفترك الصغير في قصر الحمراء، تهمس للحجارة ببضع كلمات، وتدور حول الجدران، تخطّ ما تبقى في الذاكرة من الطريق العسير بين الشام وغرناطه، وتخاطب ابن رشد لعله يمنحك بعضًا من قوة كانت لديه.

       الطريق إلى الأندلس كان عسيراً دومًا...

   يقطع عبد الرحمن الداخل ابن أميه آلاف رمال الصحراء حتى يهجع على مقربة من جبل طارق، يفترش الشاطئ ويعيد في ذاكرته مستقبلاً مِن ماضٍ قريب عند أبواب الشام، يرسم خطوط المجد عند أنياب موج الأطلسي،  ويهرع  إلى المياه الفاصلة بين النتوءين، لأجل أن يصنع مجدًا آخر على تراب آخر.

        صديقي الشاعر عمت مساءً

    ... والغربة لن تطول أكثر مما طال الحبل بين قدم سيزيف والصخرة المشدودة إليه، والقلم بين أصابعك ما عاد يطاوعك أن تعيد رسم ملامح الوطن، ولا أن تعيد إلى الحبيبة بعض كدّ عينيها، وثمن القطرات المالحة على جبينها لتقطف لك ثمن الكتاب، كما كانت عشتار  تروي الزهرة من بين الراحتين، لكنّك تبقى تحدق طويلا من خلف ربطة عنق وقلم ذهبي نضب به الحبر، لعلك تجد في وجوه الندماء وجه يشبه وجهك، ولكن ثمّة شيء مخبوء بين الثنايا، وجلجامش يصرخ بك: هبّ واخرج الحب من الداخل.

       لافتة مضاءة: اليمامة الزرقاء

     نادل هذا المقهى آخر رجال بني الأحمر، يقدم كؤوس الماضي العتيق وينصت إلى قصص المحاربين القدامى،  وشاب أسمر يقف عند الباب يرمي التفاتة في كل جانب. بيكاسو يحمل كلّ النقمة في الريشة، يتعاطى أثمن المسكرات على فراش الموت، ويرسم قبح وجه  فرانكو، يتوسل سلفادور دالي لعلّه يبقى كل الليلة حتى تكتمل اللوحة، والغافقي تعيده رسالة الخليفة من أبواب فرنسا فيبكي أثقل الدموع عند بلاط الشهداء، ويبقى يصبو لرؤية رأس شارل مارتل مقطوعًا فوق رأس الحربة. ودون كيشوت مابرح يحارب طواحين الهواء، ويبيت من ذلك اليوم كل ليلة عند مقهى اليمامة الزرقاء، ينادم ماجلان وفاسكو دي غاما، ويسأل السؤال ذاته: كم كان الطريق عسيرًا في البحار ؟

        الطريق إلى الأندلس كان عسيرًا دومًا ...

    لوركا ينثر قصائده عند أقدام الفاشي  ولا يأبه، حتى وإن قطعوا يده أو لسانه، فسيبقى عاشقًا لإسبانيا، ولن تخنعه إحدى وزارات فرانكو، يقود فيلق المحاربين بالكلمات، ويمّسد بين القصيدة والقصيدة لحيته، ويتساءل: من سيعيش أكثر، لحيتي أم  فرانكو؟!               

       صديقي الشاعر عمت صباحًا

      زجاجة النبيذ فارغة على الرف، ونحن نجلس قُبالة دواوين شعرك، نقرأ قصائدك القديمة فنهتف يا للروعة، ويهتف صوت في داخلنا: يا للخسارة! والليل ما كان سوى كلمات حب ووطن،  والعودة من وإلى كانت دومًا  أسرع من أيّة قصيدة، فما تبقى لك من الكلمات سوى اثنتين، فقلت وعدت لتصنع سطورًا أخرى من رائحة الياسمين الدمشقي وطعم القبلة الأخيرة.   

      فيروز تغني سنرجع يومًا ... وها أنا أخط  إليك آخر الكلمات عند الساعة الأولى من يوم جديد يأتي، أنتظر يوم أنادمك على كؤوس النبيذ قبالة الرّفّ القديم، وضحكات الصحب من حولنا تملأ الدنيا صخبًا وانتشاءً بعودة النار والنور إلى الغرفة الدافئة، لتطالعنا على الطاولة القريبة قصائدك، وصورة لك، وصورة لها .

 

.....  

nabeeh@jawlan.org

:أرسل ملاحظاتك على البريد الالكتروني