بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
Facebook
مواقع مختارة
موقع الجولان >> من وحي الذاكرة الجولانية
من وحي الذاكرة الجولانية
 

عين قنية
قبل الحرب كان يحدث إطلاق نار واشتباكات متفرقة، عشتها كاملـة
بتفاصيلها، من خلال احتكاكي مع كبار السن، وأخوتي العسـكريين.
كانت تراودنا تساؤلات عديدة، ماذا يحدث؟؟ ماذا بعد القصف؟؟ كيف
ستنتهي الأمور، من أين يأتي القصف قربنا؟؟ بيت أهلي في وسط البلد، كنا نستمع إلى الراديو كثيًرا، إطلاق النار كان على بانياس وزعورة والحوشبة، وتردُّ قواتنا بالقصف على تل القاضي ودان. كنا نرى القذائف على العباسية، حيث كان هناك موقع سوري، وسكن العباسية مواطنون من فلسطين نزحوا من بلدهم بعد عام 1948 ليكونوا قريبين من فلسطين. عندما كنا نسمع القصف، كنا نركض باتجاه كتف البلدة، حيث شاهدنا القذائف وهي تسقط. حتى سمعنا أن اليهود وصلوا إلى مشارف زعورة وعين فيت، قصفوها أولاً بالطيران، ووصل القصف إلى عين قنية، حيث قُصف بيت أبو قاسم محمد شرف. قذيفة دبابة كانت على كتف عين قنية أصابت البيت. لم نصدّق أن اليهود هنا، لأننا كنا واثقين أن قوات الجيش السوري ستمنع دخولهم إلى البلدة ومحيطها، ولكن حين رأينا أن معظم سكان هذه القرى ينـزحون مع أثاثهم وممتلكاتهم نزحنا نحن معهم، صعدنا إلى جباثا الزيت، ثم احتمينا في مجدل شمس، قسم عند الأهالي، وقسم في المدرسة، وقسم استمرّ في النـزوح إلى الشرق خوفًا من الحرب. لقد قصف اليهود البيوت، وسمعنا أنهم يهدمونها. لكن بقى كبار السن وعدد من الرجال في القرية ورفضوا النـزوح. عندما كنا في المجدل، كان الشيخ المرحوم أحمد أبو صالح وعدد من الشيوخ، يناشدون الناس بالعودة، ويمنعونهم من النـزوح عن أرضهم. لكن بعض الشباب الذين كانوا موظفين في وظائف حكومية اضطروا للنـزوح حفاظًا على وظائفهم. وقسم آخر كان من الطلاب في جامعة دمشق. أنا مثلاً أخوتي الأربعة اضطروا للنـزوح، ثلاثة منهم كانوا عسكريين، وأخ واحد كان طالبًا في جامعة دمشق نزح بعد أن دخل اليهود، وكان قد التحق في المقاومة الشعبية التي بدأت في أول يوم أُعلن فيه الاستنفار. وجاء إلينا طلاب ورجال من سوريا، وانضموا للمقاومة. كان الجيش السوري يوزّع العناصر، من مركز الحوشبة "نقطة مالك"، ومن مركز تل الغبرة شمالي غرب عين قنية، وهذا المركز كان مخزن سلاح للجيش السوري .
من عين قنية حوالي 70 عائلة نزحت إلى داخل الوطن، لأنهم كما قلت مرتبطون بوظائفهم ودراستهم. قبل الحرب كان الشبان يتوجهون إلى العاصمة، والقنيطرة للبحث عن وظائف، حيث لم تكن زراعة الأرض قوية، في عين قنية مثل اليوم . أما بالنسبة لي وأهلي، بقيت أنا وأمي وأخواتي، وأخي الأكبر، كنا حين دخل اليهود مجدل شمس محتمين عند أقاربنا هناك. بعد أيام سمح لنا الحاكم العسكري بالعودة إلى بيوتنا. عدنا إلى القرية، وكانت ظروفنا صعبة.. خوف وغموض وتساؤلات، متى سيكون هجوم قواتنا القادم؟ ومتى سيرحل هؤلاء المحتلون؟ الحياة انقلبت وتغيرت. لقد جمع الحاكم العسكري الرجال والمشايخ، ليكلف البعض منهم بتصريف شؤون الناس وعيّنوا أشخاصًا مسئولين لمتابعة قضايا الناس، في عين قنية كان المختار أبو سـعيد أحمد منذر ، بقي هكذا حتى تم تعيين المجالس المحلية العميلة، التي رفضها السكان بشدة.
كانوا يسألوننا لماذا لم نلتحق بإخوتي في الشام؟ وكنا نقول لهم: هالبلد مسقط رأسنا، وبلد أجدادنا وآبائنا الذين حاربوا التركي والفرنسي، وكان لنا الحصة الأكبر من الشهداء والمجاهدين، فكيف نترك ترابهم وأرضهم؟ كان رفاق قائد الثورة سلطان باشا الأطرش من هذه البلدة، منهم حياة والدي والشيخ أبو سعيد أحمد منذر مختار القرية.. الاحتلال الصهيوني أصعب من مرحلة الفرنسيين والأتراك، لأن هذا العدو استيطاني، يريد جلب مستوطنين إلى مكاننا، لهذا عندنا إيمان قوي ومطلق بالبقاء فوق أرضنا والحفاظ عليها، ونموت فيها ولا نتركها. لقد أُصبنا بخيبة أمل كبيرة من احتلال أرضنا، وتشريد شعبنا. بعد الحرب تعلمت في مدرسة مسعدة الإعدادية وتوقفت عن التعليم لظروف خاصة، كنت مجبرًا على إعالة أسرتي، وأن أتحمل المسؤولية تجاه أمي وأخواتي اللواتي بقين على أمل كبير في عودة أخوتي إلينا وانتهاء كل شئ. لكن هذا لم يتحقق لغاية الآن. لم أرَ أخوتي طيلة 27 عامًا. التقيتهم في العام 1994. تقدمت في طلب إلى الصليب الأحمر والسلطات الإسرائيلية ووافقوا على طلبي. رغبتي بالزيارة كانت قوية جدًا، من ناحية لشوقي الكبير لأخوتي، ومن ناحية أخرى من أجل أن أتبرع بكليتي إلى أخي فوزي، لأنه يعاني من فشل كلوي منذ إصابته في حرب تشرين، كان وقتها عقيدًا قائدًا لسرب دبابات ومدرعات، على خط الخشنية- طبريا، أصيبت مدرعته أثناء الحرب إصابة مباشرة، وفقد كليتيه، تم إنقاذه وإسعافه ودخل المستشفى، وبقى وضعه كما هو. تقاعد من الخدمة في العام 1999. أما الأخ الثاني سليمان: فهو مهندس ميكانيك صناعي عمل طيلة 19 عاما في سد الفرات، وكان من المهندسين الذين ساهموا في بناء السد، ويعمل اليوم في إحدى المؤسسات الحكومية السورية. في حرب حزيران قدم إلى الجولان والتحق مع عدد كبير من الطلاب بالمقاومة الشعبية، التي كان يرأسها المرحوم سليمان صالح دعبوس، وهذا الرجل كان جديرًا بالثقة والمسؤولية، كان يحمل جهاز لاسلكي للاتصال المباشر مع الجيش، عندما أعلنت حالة الطوارئ في المنطقة نقلوه إلى الجبهة واستلم مكانه الأخ علي بشارة. سمعنا أن سليمان دعبوس، نقل إلى موقع متقدم من الجبهة، في منطقة قرب شاطئ طبريا تسمى الكرسي. بقى يقاوم القوات الإسرائيلية، رغم الانسحاب هو ومجموعة من الجنود، حتى استشهد هناك داخل خندقه. وأما أخويَّ الآخران كانا في الجيش، التحقا في الخدمة منذ العام 1956، وشاركا في حرب حزيران 1967، واحد منهم كان مساعد أول، عمل في مستشفى الجولان، والثاني ممرض ومدير حسابات لمركز مسعدة الطبي، "المستوصف القائم حتى اليوم ". حين التقيت بهم ،كان هذا من أصعب اللحظات في حياتي، لم أتوقع أن أراهم بعد هذا الغياب، كان اللقاء مؤثرًا جدًا. تعاملوا معي مثلما تركوني، لم يشعروا بالزمن وسنوات الغربة والفراق، التي غيّرتني كثيرًا وغيّرتهم أيضًا، سألت عن أخي فوزي لأنه لم يكن معهم، قالوا لي إنه في المشفى لغسل الكلى. لغاية اليوم أخي فوزي لم يتجاوز أزمته الصحية، حين أخبرته برغبتي بالتبرع بإحدى كليتي، رفض بشدة والدموع تنهمر من عينيه وقال لي إنه مستعد للتضحية بكل شيء كما فعل طيلة حياته، على أن يسبب لي متاعب صحية. أرجو أن يقوم المسؤولون في وطننا الحبيب بمساعدة أخي، خصوصًا أن الأمر يحتاج إلى تكاليف باهظة، فلا شكّ أنه يستحقّ ذلك، فهو من أولئك الذين ضحّوا من أجل الوطن. وفي النهاية أقول: طال الاحتلال أكثر مما تخيّلنا، فمنذ أن اغتصبت أرضنا ونحن نقول سنتحرّر قريبًا. مهما يكن نحن صامدون في أرضنا وسنعطيها كل ما نملك لأننا لا نملك سواها.


المرسل :  علم الدين بشارة-عين قنية بتاريخ : 26/01/2010 11:40:00
** إضافة مشاركة جديدة **
لتصفح جميع المشاركات إضغط هنا
أخر عشرة مشاركات
عزت أيوب  -  المرسل  من شهادة المواطن عزت أيوب
من شهادة عمر الحاج خليل .قرية عين عيشة  -  المرسل  عمر الحاج خليل
من شهادة المواطنة امينة الخطيب -  المرسل   أمينة الخطيب
 شهاد محمد جمعة عيسى  -  المرسل  محمد جمعة عيسى
شهادة الحاج زهدي شكاي من مدينة القنيطرة -  المرسل  janbolat-shkay
الإضراب ووحدة النضال العربي ضد الاحتلال -  المرسل  الكاتب الفلسطيني سلمان ناطور-رئيس لجان التضامن مع الجولان
الشيخ أبو عدنان محمود حسن الصفدي يستعيد ذكرياته -  المرسل   الشيخ ابو عدنان محمود الصفدي
السيد رفيق الحلبي يستعيد ذكرياته  -  المرسل  رفيق الحلبي
السيد غسّان شعلان يستعيد ذكرياته  -  المرسل  غسان شعلان
شاهد على الاضراب -  المرسل  هايل حسين ابو جبل