بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الحركة الاسيرة >> هايل أبو زيد >>  لقاءات مع الشهيد >>
الاعلام الفضيحة ..ماذا فعلت جريدة تشرين
  01/03/2005

الإعلام الفضيحة: ماذا فعلت جريدة "تشرين" بالحوار مع الأسير المحرر هايل ابو زيد؟

ياسين الحاج صالح

 وصلت كاتب هذه السطور الرسالة التالية من صديق في الجولان المحتل: "مرفق مادة  تعرضت الى الحذف والاضافة والتزوير نشرت يوم 28/2/2005 في جريدة  "تشرين" بالزاوية السياسية. ارسل لك، بناء على طلب رفيقي هايل، النص الحرفي للقاء اتمنى ان يعمم وينشر على كافة المواقع  التي نستطيع الوصول اليها فهذه الطريقة اللوحيدة للرد على هذا التشويه والتزوير الحاصل".

.يصعب العثور على كلمات مناسبة لوصف ما فعلته جريدة تشرين بالحوار الذي أجراه باسمها الصحفي علي الأعور مع الأسير السوري المحرر من السجون الإسرائيلية هايل أبو زيد. الأمر لا يرتد إلى خلل صحفي فادح فقط وإنما يتعداه إلى خطأ سياسي شنيع. في عالم سياسي وإعلامي يحترم نفسه يعتبر ما اقدمت عليه الجريدة فضيحة أخلاقية وسياسية ومهنية، يستقيل بسببها رؤساء تحرير ومحررون.

قضى هايل ابو زيد 20 عاما في السجون الإسرائيلية من عمره البالغ 36 عاما، لأنه واصدقاء له من مواطني الجولان اسسوا مجموعة أطلقوا عليها "حركة المقاومة السرية" تقوم بعمليات مقاومة ضد قوات الاحتلال. وقد نجحوا في العديد منها يذكرها هايل في حديثه الأصلي وفي القسم الذي نشرته "تشرين" منه (تجدون النصين هنا). إثر اعتقاله حكم عليه بالسجن 27 عاما، ولم يفرج عنه إلا بسبب تدهور وضعه الصحي. فقد خرج في الشهر الأخير من العام الماضي مصابا بسرطان الدم مع تراجع في قدرته البصرية حتى 10% فقط وشكايات في العمود الفقري.. وهو يعالج الآن في مشفى بحيفا، ويجمع مواطنوه وأصدقائه ما يستطيعون من مال لاستكمال علاجه(مرفق نداء لجمع التبرعات مع رقم حساب لترسل إليه). نتحدث إذن عن واحد من أبطال الشعب السوري وليس عن أحد المتسكعين أو "المسؤولين".

ماذا فعلت جريدة "تشرين"؟

1-  نشرت 1272 كلمة من الحوار الأصلي المكون من 3642، أي أنها حذفت أكثر من 65% منه. وهي بالطبع لم تستأذن هايل، وفقا لما أشارت إليه رسالة الصديق الجولاني في مستهل هذه الكلمات.

2- وضعت العنوان التالي للحوار مع هايل: "الأسير المحرر هايل ابو زيد لـ"تشرين": أعتز بعروبتي وانتمائي الوطني وقيادة الرئيس بشار الأسد". في الحوار مع هايل اعتزاز بوطنه سوريا وشعبها، ولم يذكر "قيادتنا العربية السورية وكافة المسؤولين عن شؤوننا المحلية في الجولان المحتل" إلا في سياق نداء وجهه إلى شعبنا وإليهم كيلا ينسوا أسرانا: قال هايل: "أسرانا هم أمانة في اعناقنا، فهم أولئك الجنود البواسل الذين مضوا إلى الواجب متى طلبتهم أرضنا المباركة، وهم أولئك الرجال الذين اخترقوا جدار الخوف والصمت، وصنعوا ماثرا في البطولة والكبرياء التي صانها لنا الأجداد والآباء من ابناء شعبنا العربي السوري العريق". الاسم الوحيد الذي نوه به هايل هو السيد نواف الفارس محافظ القنيطرة "على ما بذله ويبذله من جهود لنصرة قضية الأسرى". لكن من الواضح أن الجريدة مهتمة بولاءاتها هي وليس بتوصيل صوت البطل الجولاني. الجولان وأسرى الجولان وقضية الجولان هي محض مناسبة إضافية للتعبير عن الولاء للسلطة.

3 - حذفت الجريدة كلاما لهايل يظهر تواضعه وحرصه على أن لا يميز نفسه بشيء عن رفاقه؛ حذفت كلاما يقول إنه ورفاقه "رفضوا الوقوف لقضاة محكمة الغاصبين على امتدادا كل الجلسات"؛ شطبت كلاما مؤثرا لهايل عن فقدانه لأبيه وعن "رفض هؤلاء الجلادين كل الطلبات التي تقدم بها رفاقي من أجل السماح لي بإلقاء نظرة الوداع الأخير على جسده"؛ حذفت إجابته على السؤال الخامس كله الذي يتحدث فيه عن اعتقال أخيه حمد الذي كان السادسة من عمره حين اعتقل هو عام 1984؛ حذفت كلاما رائعا عن استقباله عند وصوله إلى الجولان وعن ضحكته المبتورة مرتين: مرة لأنه خلف رفاقه وراءه في سجون المحتلين، ومرة "لاني لن أتمكن من معانقة أو تقبيل أي واحد من أصدقائي أو أخوتي أو أي إنسان أتى فقط ليقول شيئا ، بسبب المرض الذي أصابني" (أليس تعبيرا عن انعدام الحس الإنساني والإخلاقي فوق حس الالتزام بالحقيقة حذف هذه العبارت المؤثرة التي يفترض أن تتشرف الصحف المحترمة بالتقاطها وتنقلها لقرائها على صدر صفحتها الأولى؟)؛ حذفت كلام هايل عن مشاعره لحظة إبلاغه خبر الإفراج عنه من "رفيق دربي وزنزانتي أيمن ابو جبل" الذي "شاخت عيونه قبل موعدها" وبحضور رفيق زنزانته الآخر كنج أبو صالح؛ ولم تشعر بالحاجة إلى نقل كلماته عن الساعات الأربعة التي لبثها مقيدا والسجان يعتدي بوجوده على حريته بعد علمه بقرار الإفراج عنه لأن خبر حكم القضاء  بإطلاق سراحه سبق تبليغ إدراة السجون الإسرائيلية بالحكم؛ حذفت بكل وحشية الكلمات التالية التي تشع بالنبل والشهامة: "وأنا لن أتحرر من عبء انتظار رفاقي هناك في الأسر إلا رؤيتي لهم جميعا هنا معي، ولكن لن اغفر لأحد بما فيهم نفسي إن رايتهم يصلون إلى مثل الحالة التي وصلتها، وتحررت بموجبها من الاعتقال، إصابتي بسرطان الدم. أقول إذا استمر نسيانهم كما هو الآن أخشى أن يحررهم المرض إن نسيانهم لا يقل بشاعة عن الأسر نفسه" (ربما أخذت الجريدة على خاطرها من إشارة هايل إلى النسيان، أو ربما خدشت كلماته النبيلة حياء أخلاقياتها المهنية والإيديولوجية)؛ حذفت قوله إنه كان يتمنى لو ان اول شخص عانقه هو ابيه؛ حذفت دعوته "للمزيد من هذا الرصد لساحة الجولان تعزيزا لمحاربة النسيان الذي يجرحنا وتواصلا مع أبنائنا وأهلنا في الوطن، خاصة الجيل الناشئ الذي قد لا تسمح له الظروف للتعرف على جزء من وطنه يقاوم الاحتلال الصهيوني البشع، كل التحية والاحترام والتقدير لكل الأقلام الحرة التي تحارب الصمت وتحارب النسيان"، حذفت هذه الكلمات رغم أنها وردت في سياق تعبيره عن الامتنان لجريدة "تشرين" بعد أن أخبره الصحفي المحاور أن الجريدة خصت الجولان ب 73 مقالا عام 2004 بينها 7 عنه (هايل) هو نفسه، حذفت كلماته الموجهة لشقيته هدية المتزوجة في سوريا من الأسير السابق وعضو "مجلس الشعب" الحالي مدحت صالح الذي قال هايل إنه "اشتاق جدا إلى مشاكسته" على مواقفه؛ حذفت عبارته الرقيقة: "لم القي برأسي على كتفها ولم أشم رائحة شعرها"، وإهدائه "ألف قبلة" لها ولزوجاه ولصغيرهما جولان؛ وبلغت ذروة انعدام الحس والذوق معا حين حذفت استحضار هايل وتحيته إلى رفاقه، سجناء سوريا وأبطالها، واحدا واحدا وبالاسم في سجون الاحتلال: "تحية اليكـ[م] يا عاصم وسيطان وصدقي وبشر وعباس وكميل وكمال وسميح ووئام وأمال وشام. وعميق التحية الى أسرى الجولان من ابناء قرية الغجر السورية ابو يوسف سعد قهموز، واحمد ويوسف قهموز، وحاتم وحسين الخطيب، ورؤوف عيسى، وحسين قهموز، على أمل اللقاء بكم قريبا على ارض الجولان المحرر إنشاء الله". وحذفت تذكره النبيل لفاقه وإخوته من الأسرى غير السوريين: "لن انسي رفاقي من الأسرى الفلسطينين وخاصة عرب ال48، والى عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار". ويختم الأسير المحرر: "تحياتي لجميع اسرى الحرية في العالم". سلمت يا هايل!

أما جريدة تشرين فتختم الحوار كالتالي: "في النهاية اسمحوا لي أيضاً ان أوجه التحيات لأسرة جريدة تشرين الغراء انطلاقاً من التزاماتها الوطنية والقومية.. بدءاً برئيس تحريرها د. خلف الجراد ومروراً بمديري وأمناء التحرير الأعزاء ومحرريها الأخوة الأوفياء ومعهم وسائل اعلامنا المحلية والتلفزيون السوري". ثم ختام كل ختام: "وكل الوفاء والولاء والاعتزاز والتقدير أحمله لقيادتنا السياسية الحكيمة وعلى رأسها قائد الوطن السيد الرئيس بشار الأسد". وكانت الجريدة قد وضعت على لسان هايل هذه العبارات: "أفضّل الموت عزيزاً كريماً مرفوع الرأس كحال أبناء الجولان وأبناء سورية العروبة.. سورية الأسد على أن تلفظ شفتايّ كلمة خنوع واحدة.. فأنا عربي سوري.. وهويتي عربية سورية.. وأرضي منذ الأزل عربية سورية". واعتبرت أن من حقها أن تنسب إليه ما يلي: "وجه [هايل ابو زيد] أول رسالة إعلامية من خلال جريدة «تشرين» أكد فيها اعتزازه ورفاقه الأسرى خلف القضبان وأبناء الجولان الوفي بالمواقف القومية والوطنية للقائد المفدى بشار الأسد الذي يضع الجولان في أولى سلم الأولويات.."

طيب. هايل لم يقل ذلك! ربما نسي، أو ربما لا يحب أن يقول كلاما كهذا. الواقعة الصلبة التي لا تقبل الحذف والتلاعب أنه لم يقل هذا الكلام. وحين ينسب إلى شخص كلاما لم يقله فإن هذا يسمى تزويرا أو كذبا.

تبرهن "جريدة تشرين الغراء بدءاً برئيس تحريرها د. خلف الجراد ومروراً بمديري وأمناء التحرير الأعزاء ومحرريها الأخوة الأوفياء" أن علاقتها بقضية الجولان لا تتفوق في شيء على علاقتها بالحقيقة. تبرهن كذلك أنها لفرط ما تحدثت زورا عن النضال والكفاح والبطولة والصمود والكرامة والتضحية لم تتعرف عليها حين التقت بها فعلا، مجسدة في شخص هايل ابو زيد. تبرهن أنها معنية بأرضنا المحتلة لا كحياة ملموسة لبشر ملموسين، بل كتجريد برسم الدعاية للسلطة وتمجيدها. بالمناسبة، اية جدارة أخلاقية ووطنية في أن تمتدح السلطة ذاتها ورجالها في وسائل إعلام تحتكرها هي؟ من وجهة نظر السياسة المدنية، بل المروءة فحسب، هذا المديح الذي لا يكل ولا يمل إهانة للدولة وللحكام، تماما كما يهينك أو يزعجك من يمتدحك في حضورك، وبالخصوص إن كان خائفا منك أو تابعا لك. هذه النرجسية المطلقة تتعارض تعارضا تاما مع الغيرية والإيثار الذين أظهرهما هايل ابو زيد في كلماته، وقبل ذلك في تضحيته السامية. هل يشعر كادر جريدة تشرين انه يعبث بقضية مناضل قضى اكثر من نصف عمره سجينا دفاعا عن بلده وحياته مهددة بالخطر.. حين يضعها في سياق تمجيد السلطة والدعاية لها! هل يشعر؟ أم انه فضيحة إثر فضيحة فقد الحس والشعور؟

يا إخوان، لديكم "ألف شغلة" لتعشقوا انفسكم وتحتفوا بمجدكم! لكن ارفعوا ايديكم عن تضحيات السجناء والشهداء، رجاء!

ليس هكذا تعاملت وسائل الإعلام الإسرائيلية مع عزام عزام وهو جاسوس وليس اسيرا، ولم يقض عشرين عاما مثل هايل، ولم يخرج من السجن في حالة صحية مثل حالة هايل.

هايل أبو زيد... سامحنا! نحن نتشرف بك وبرفاقك، واحدا واحدا!

 

دمشق 1 آذار 2005

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات