بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الحركة الاسيرة >> سيطان الولي >>
الموت المتواطئ مع جلاد المعتقل: سيطان نمر الولي شهيداً مكرّماً
  05/05/2011

الموت المتواطئ مع جلاد المعتقل: سيطان نمر الولي شهيداً مكرّماً

 موقع الجولان /نبيه عواضة-بيروت



محمولاً على الأكف بعد تحريره في العام ٢٠٠٨

كأن الموت متعاقد مع الجلاد، يقول له جهّزت لك ضحية اخرى، تلقفها مني عند بوابة المعتقل، لقد ضاقت الجدران بما عليها من نظرات أجسادهم، ومن صراخ أوجاعهم... خذ هذه الضحية الأخرى.. الموت سلطان الاعتقال، فكيف إن كان السجان حارسه الأمين.
لم يودع سيطان نمر الولي، ابن مجدل شمس، رفاقه في الأسر كما يفعل الآخرون، فقد خرج مرفوعاً على حمالة مخصصة لنقل المرضى، من معتقل شطة في شمال فلسطين، إلى مدينة حيفا.. لا لكي يحتسي الشاي في مقاهي الحي العربي الوحيد الباقي في المدينة. فقد نقل الى «مستشفى رمبام» في محاولة لانقاذه بعدما تفشى مرض خبيث في جسده. مرضٌ شخّصه صديقه الدكتور وجدي الصفدي، بعدما سمحت إدارة السجون، استثنائياً، للطبيب بأن يدخل «معتقل نفحة» لمعاينة صديق المدرسة.
اكتشف الطبيب تورّماً في كلية الأسير اليمنى، ما استدعى عملية جراحية تبين بعدها أن المرض منتشر في سائر جسد سيطان.
لا حديث هنا عن ذكريات المدرسة بين أصدقاء شتتهم المعتقل، على الرغم من حشرية سيطان الهادفة لمعرفة أوضاع صديقه، واستحضار بعض النكات من أيام الدراسة في المرحلة الثانوية. آنذاك، تعرّف سيطان إلى بقية افراد المجموعة، الذين سيشكلون معاً، وفي مبادرة منهم، «حركة المقاومة السرية في الجولان».
خليةٌ سرية صغيرة، أو طلاب في المدرسة في قرية مسعدة المحاذية لقريته مجدل شمس.. لا فرق... يتأثر الأصدقاء الذين صاروا رفاقاً، لاحقاً، بالأخبار الوافدة من لبنان. يسمعون عن العمليات التي تنفذها «المقاومة الوطنية»، وقد أجبرت العدو على الانسحاب من بيروت والجبل وصيدا وصور.. ويحفظون عن ظهر قلب أسماء العمليات والشهداء، فيرفعون صورهم في القرى الأربع التي تحتلها إسرئيل... يرمون المناشير ليلاً.. يكتبون على جدران البيوت.. يَحذرون العملاء... ويدعون إلى رفض الاعتراف بالهوية الاسرائيلية، وقرار ضم الجولان.
يتظاهرون.. ينشطون.. ثم يتسللون ليلاً إلى موقع اسرائيلي، يستولون على 18 قنبلة يدوية، ويفككون ما يقارب 162 لغماً أرضياً من حقل تل الريحان، قرب الحدود.
يتم تخزين تلك الالغام قبل أن يعيدوا زرعها على طرق عسكرية يستخدمها جيش الاحتلال. يرابضون بانتظار مرور المواكب العسكرية، فينفجر لغم ما في أحدها.
ومع ذلك، لم يعجب اداءهم سيطان كثيراً، خاصة أن مجمل ما حصدوه من صيد حتى أواخر نيسان العام 1984، هو بتر ساق جندي محتل. فاقترح الولي، وقد بلغ حينها الثامنة عشر من عمره، أن يقوم بتفكيك الألغام ليستحصل منها على مادة «تي أن تي».. مهمة دقيقة وخطرة أوكلها إلى نفسه.
جمع الرفاق الغلة في مكان بعيد، وتُرِك سيطان وحيداً مع تلك المواد الخطرة، وبيده كتاب عسكري قديم صادر عن الجيش السوري، قبل احتلال الهضبة السورية في العام 1967، أي بعد مرور سنة على ولادة سيطان. ومع ذلك، أنجز الشاب عمله بنجاح، ومن ثم توجه مع رفاقه إلى معسكر مهجور في منطقة بير الحديد، قرب قرية بقعاتا، حيث قامت المجموعة بوضع المواد الشديدة الانفجار بين صناديق القذائف العائدة لجيش الاحتلال. وعلى الطريق المؤدي للمعسكر، زرعت مجموعة ثانية ألغاما أرضية. تجمع المقاومون على تلة بعيدة مقابلة، لا لكي يتفرجوا على القنابل المضيئة التي ترميها مدفعية العدو على طول خط وقف اطلاق النار، بل ليشاهدوا احتفالا من نوع آخر. فقد تم تفجير ما يقارب 850 قذيفة دبابة أحصتهم المحكمة العسكرية الإسرائيلية في اللد، بعد اعتقال سيطان وسائر افراد المجموعة في 23 آب من العام 1985.
اعتقل الولي، بعدما اقتحمت وحدات خاصة من جيش الاحتلال منزله في منتصف الليل، ليبدأ مساراً آخر في النضال، حيث خضع لعملية استجواب دامت تسعة أشهر استخدم فيها المحقق كافة اساليب التعذيب بهدف كسر ارادته وصموده وتغيير قناعاته.
صدر الحكم بحقه وبحق أربعة من رفاقه بالسجن لمدة 27 عاماً.. وما أن صدر الحكم، حتى أنشد الأبطال النشيد الوطني السوري، داخل قاعة المحكمة، فتلاه عراك بالأيدي بينهم وبين شرطة المحكمة.
تنقل بين كافة المعتقلات، على مدار ثلاثة وعشرين عاماً قضاها في الأسر، وتعرّض خلالها لعدة عمليات عزل بسبب مواقفه التصادمية مع ادراة المعتقل.
كتب الشاب، التي لم تفارق ضحكته وجهه يوماً حتى في أشد الأوقات وهناً، عشرات المقالات السياسية والأدبية التي تم تهريبها من داخل المعتقل. فصدر له كتاب «سلال الجوع»، يحاكي فيه واقع الحركة الأسيرة، وتجربتها في الاضرابات المفتوحة عن الطعام.
في الثامن من تموز من العام 2008، تم الافراج عنه بسبب تدهور وضعه الصحي، ليسقط شهيداً في الثالث والعشرون من الشهر الماضي، بعدما منعته قوات الاحتلال من تلقي للعلاج في الأردن أو سوريا.
بيروت التي أحيت أسبوع الشهيد، أقامت له أمس الأول، في مركز توفيق طبارة، حفل تكريم لذكراه، وتحية وفاء لمسيرته
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات