بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الحركة الاسيرة >> سيطان الولي >>
في الذكرى الرابعة لرحيله ...الشهيد هايل حسين أبو زيد—في القلب والذاكرة
  07/07/2009

في الذكرى الرابعة لرحيله ...

الشهيد هايل حسين أبو زيد—في القلب والذاكرة


لم تمضي ساعة واحده على عودته من العيادة الطبية في معتقل الجلبوع , حتى باشره احد السجانه بالحديث قائلا له :"احضر ما يلزمك من ملابس وأدوات صحية على وجه السرعة, أنت مسافر ألان إلى مستشفى العفوله".
كان ما طُلب منه... وقفنا والوجوم مرسوم على وجوهنا , ننتظر خروجه من الغرفة رقم4 في قسم1 , وما احد نبس ببنت شفه, أما عيوننا فكانت تنتقل من الواحد إلى الأخر , تبث ما في النفوس من اختلاجات ومشاعر غير قادرة على مغادرة حجرات القلب . وحشرجة في الحنجرة تكبت الأنفاس اللاهبة التي تحرق الفؤاد , وتتسع شرايين الرقبة إلى أوسع مداها لتسمح بعبور الدم المتدفق إلى أعلى الرأس , ليعطي للدماغ دفقا مكثفا من الأكسجين, ليستوعب الأمر الذي أردى تفكيرنا ذهولا, وأجسامنا ترهلا .
خرج بهامته الطويلة يبطئ الخطى إلى خارج الغرفة , نحى حقيبته جانبا, وتدرجت خطاه نحونا, والبسمة لا تفارق وجهه الملتحي , وعيناه الصغيرتان ترمقنا بنظرات الأمل والتفاؤل , وكان يقول وكأن الأمر ليس فيه تلك الخطورة المعروفة عن هذا المرض اللعين:"لاتبتأسوا الأمر بسيط , وسيكون كل شيء على ما يرام , قليلا من الصبر , مع قليلا من الألم وقليلا من الوقت وسأعود إليكم".
مرّ علينا واحدا فالآخر , يشد يده على يد كل منا وبالأخرى , إما يربت على كتف أو يداعب بأنامله الرقيقة الطويلة شعر من يقابله. ويطلق نحونا كلمات التشجيع " ولا يهمكم ", "ما في شي خطير "," لا تقلقوا ", "ديروا بالكن على حالكن". كان أقوى منا جميعا وأجسر منا جميع اواشجع منا جميعا, وكأن خبيثا لا يسري في دمه!!!
مر بالسلام على الجميع الذين كانوا في الساحة , لحقت به إلى باب القسم , شددته من يده وضممته إلى صدري مرة أخرى وقلت له:" شد حيلك أنت أقوى من أي مرض " قال وعيناه جاحظتان نحوي :" لا تقلق سأكون أقوى من المرض , كلو شقفة سلطعون"ومضى نحو الفناء الخارجي للقسم فلحقت به وشددت يده مرة أخرى ولم اقل شيء إنما عيناه قالت لي :" لا تقلق سأبقى على وجه الأرض"ومضى خارجا ومودعا ولم يكن بمقدور احد منا أن يعلم إننا نودعه لآخر مرة وإننا لن نشاهده مرة أخرى .
كان تشرين أحب عليه من كل الشهور عندما عدنا من سجون الجنوب إلى سجن الجلبوع في العام 2004,
وكنا في غاية السعادة لأننا سنجتمع سويا نحن أسرى الجولان في معتقل واحد بعد أن فرقتنا إدارة السجون إلى عدة معتقلات في كافة المناطق .سرنا في الممر المؤدي من الطوابق العليا في "معبار" ألرمله, إلى المدخل الرئيسي, حيث " البوسطا" بانتظارنا لترحيلنا إلى الشمال . كان هايل يحمل أغراضه , حقيبتين وكيساً, وأثناء نزوله الدرج تعثرت خطاه وكاد أن يسقط لكنه تماسك واستأنف النزول , لاحظت عليه ذلك , فقال :" ربما لأنني لم امشي منذ فترة ما بعد الإضراب". تابعنا المسير في ذات الممر ونحن نتبادل الأحاديث حول الإضراب ومجرياته في المعتقلات المختلفة, وفجأة خارت قواه وانتابه الم في مفاصل الأقدام والأيدي , ولم يعد يقوى على حمل أغراضه , فحملناها عنه سائلين عن سبب تعبه فقال مرة أخرى :"ربما الأمر متعلق بتأثير الإضراب على قواي فأنني لم أتعافى تماما منه على ما يبدو". لم اقتنع بكلامه , لان الإضراب مضى عليه عدة أشهر والأعراض التي تبدو عليه لا تستمر كل هذه الفترة , ويتعافى منها الأسير بعد أسبوع أو أكثر قليلا , لكن أن تستمر إلى هذا الوقت فان الأمر مستغرب !
--" كيف عينك يا هايل بعد العملية" سألته.
--" في أسوأ حالها, لأنني كنت أرى قبل العملية أفضل " أجاب
--" والعملية الأخرى " سألت.
--" ليس بأفضل وضع لان الجرح لم يلضم بعد وما زال ينزف" أجاب
--" وماذا قال لك الأطباء "
--" لم يقولوا إلا ما نحب أن نسمع . الأمر يحتاج إلى بعض الوقت حتى تتعود العين على الحالة الجديدة والجرح يحتاج إلى وقت إضافي لكي يلتأم!!!"
--" انشالله خير "
--" انشالله".
انطلقت " البوسطا "بنا نحو الشمال , كان هايل يقف على رجليه بصعوبة لينظر إلى المناظر الطبيعية في الخارج ويستمتع بمناظر الحقول والتلال والوديان ,ومناظر الغيوم المتراكمة في السماء منذرة بهطول المطر . كان يتألم إذا وقف طويلا فيعود للجلوس لأخذ قسطا من الراحة , ثم يستأنف الوقوف لمشاهدة المناظر الطبيعية التي يحب ويعشق.
لم تتم فرحتنا في التجمع في معتقل واحد, لان بعضنا قد أُنزل في معتقل شطا , وكان رفيقنا هايل احدهم , والبعض الآخر أُنزل في معتقل الجلبوع. ومضى الأسبوع الأول دون أن يستجاب لطلبنا بنقل رفاقنا من معتقل شطا إلى معتقل الجلبوع, وبدأ بعض المعتقلين القادمين من شطا, ينقلون لنا الأخبار المتتالية عن أوضاع رفاقنا, وخاصة الأخبار المتعلق برفيقنا هايل , حيث قالوا انه منذ أسبوع يعاني من الأنفلونزا وأعراضها.
مضت عدة أيام أخرى , جاءنا عنه نفس الخبر . ومضى أسبوع آخر, وتبعه أسبوع وأسبوعين , وذات الخبر يُنقل إلينا عنه, الأمر الذي أثار استغرابنا بشده عن حقيقة إصابته بالأنفلونزا, ولم نعد نصدق الأمر لأننا خبرنا هذا المرض الذي لا يدوم لأكثر من أسبوع في أصعب حالاته, فلماذا يدوم عند هايل كل هذا الوقت؟!!!
تقدمنا بطلب إلى مدير السجن شارحين له فيه وضع هايل وحاجته للرعاية أليومية, وضرورة نقله إلى القسم الذي نحن فيه, إننا أولى برعايته , فاستجاب إلى طلبنا , وفي اليوم التالي تم نقله إلى قسمنا , إلى الغرفة التي فيها بعض رفاقنا .
خرج في اليوم التالي إلى عيادة السجن , ولما عاد طمأننا بأنه بخير وان طبيب السجن سيتابع حالته بإجراء الفحوصات اللازمة له ومنها فحص الدم.
خرج بعد أسبوع إلى العيادة مرة أخرى , وطال مكوثه هناك على غير العادة , ولما عاد انتفضنا من أماكننا نحو باب القسم وتحلقنا حوله نسأله عن حاله قال لنا "تعالوا نجلس أول . استجبنا إلى رغبته وجلسنا في مكان تصل إليه أشعة الشمس الدافئة في الأيام الأولى من كانون أول الباردة نلتمس الدفء .
قال:" عليكم استيعاب الأمر بكل أريَحيه لأن ما سأقوله ليس سهلا "
قلنا وعلامات الاندهاش بادية على وجوهنا " ما الأمر؟!!! , وماذا قال الطبيب؟ , وما الحلة التي تشكو منها ؟ و؟ و؟ و؟"
أمطرناه بوابل من الأسئلة . وبعد أن رمقنا بنظرات مرحة وشفاه مبتسمة , قال:" إنني مصاب بمرض خبيث, وربما يكون سرطان الدم".
سكتنا عن الكلام وتركنا لمشاعرنا لان تنطلق وتبثه ما يلتعج في جوارحنا. كان الصمت المخنوق في حناجرنا سيد الموقف, وقلوبنا تدق بسرعة متواترة , والجسم يرتعش مع كل خفقة , ونظراتنا تحلق حوله متجهة إلى عيناه الصغيرتان الغائرتان في وجهه, والوجوم مسيطر على وجوهنا دون أن يستطيع احدنا أن يعبر ولو بكلمة واحدة عن الموقف الذي نحن فيه , أما هو فكان لا يزال يجول بنظراته الباسمة المرحة نحونا وكأن الأمر بالنسبة له ليس أكثر من توعك صحي عارض سيزول قريبا.
مضى بعض الوقت, ليس أكثر من ساعة من الوقت , حتى باشره احد السجان وطلب منه أن يجهز نفسه للسفر إلى مستشفى العفوله على وجه السرعة.... ...
مضى هايل إلى المستشفى حاملا أماله وأمالنا معه, وغادر السجن .
ومضى هايل من السجن إلى فسحة من الحرية , في العالم المفتوح خارج الأسوار .
وقضى هايل بعد فسحة من الحياة , ورحل. رحل من السجن إلى الموت , وكأنه يرحل من الموت إلى الحياة .
مضى وقضى وبقيت ذكراه دائمة فوق الأرض ... في الذاكرة ... وفي القلب.

سيطان نمر الولي
7/7/2009

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات