بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> سجل الخالدين >> سجل الخالدين >>
يوسف العظمة : ابنتي ليلى أمانة في أعناقكم
  14/12/2009

يوسف العظمة : ابنتي ليلى أمانة في أعناقكم المحامي لؤي اسماعيل

لو كان للمجد لسان يتكلم به لانتسب بكل فخر إلى سورية ، إلى هذه الأرض الطاهرة التي صنعت الحرف للإنسانية فما زالوا يستضيئون بنوره . لقد حبا الله بلادنا برجال عظام ننحي أمام سيرتهم العطرة وتتقد في أنفسنا مشاعر الحب لهذا الوطن الذي تعمد بالدماء الطاهرة لتنبت شجرة الحرية والكرامة داخل كل فرد منا .
يوسف العظمة .. من منا لم تداعب مخيلته صورة ذلك الشاب الأبي الذي قدم نفسه للوطن قربان محبة ووفاء فغدا المثل والقدوة لمن صنع الجلاء بدمائه وصانه بروحه ونافح عنه بكل ما أوتي من قوة .
ولد يوسف بن إبراهيم بن عبد الرحمن العظمة في حي الشاغور بدمشق في 9 نيسان من عام 1884 م كان والده موظفا في مالية دمشق وقد عاجلته المنية ومازال يوسف صغيرا في السادسة من عمره فانتقلت رعايته إلى أخيه الأكبر عبد العزيز. التحق في المدرسة الرشدية العسكرية بدمشق عام 1893م، ومنها تابع دراساته العسكرية في دمشق في المدرسة الإعدادية العسكرية وبعد عام واحد وبالتحديد في عام 1900م انتقل إلى مدرسة (قله لي) الإعدادية العسكرية الواقعة على شاطئ البوسفور بالأستانة ( استنبول ) وتخرج منها بعد سنة ضابطاً في سلاح الفرسان.‏
وفي عام 1901م التحق بالمدرسة الحربية العالية في الريانغالتي بالأستانة وتخرج منها عام 1903 برتبة ملازم ثان، وفي عام 1905م أصبح ملازماً أول،ومن ثم انتقل لمدرسة الأركان حرب حيث أتم فيها العلوم والفنون الحربية العالية وحصل على رتبة نقيب أركان حرب عام 1907م وكان الأول بين رفاقه في صفوف المدرسة كلها فكوفئ على نبوغه بالميدالية الذهبية (وسام المعارف الذهبي) المحدثة من قبل السلطان عبد الحميد الأول من تلاميذ المدارس العالية.‏ تدرج في المراتب والمهام العسكرية وفي الحرب العالمية الأولى 1914- 1918 أرسل رئيساً لأركان حرب الفرقة الخامسة والعشرين العاملة في بلغاريا بعدها عاد يوسف إلى الأستانة حيث اختاره وزير الحربية العثمانية أنور باشا مرافقاً له وتنقل معه لتفقد الجيوش العثمانية في الأناضول وسورية والعراق وهناك في تركيا تزوج من سيدة تركية ورزق منها بابنته " ليلى " ثم مالبث بعد انتصار الثورة العربية الكبرى وقيام الحكومة العربية في دمشق أن استقال من منصبه في الجيش التركي والتحق بالجيش العربي في دمشق حيث اختاره الأمير فيصل بن الحسين مرافقاً له، ثم عين معتمداً عربياً في بيروت،وعندما تم إعلان استقلال سورية وتتويج الأمير فيصل ملكاً عليها في 8 آذار 1920م تم اختيار يوسف العظمة وزيراً للحربية فيها ، حيث عمل على تنظيم جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل ، واحتفظ يوسف العظمة بمنصبه حتى وصلت مطالب فرنسا في الرابع عشر من تموز 1920مُصاغَةً بشكل إنذار عُرِفَ باسم (إنذار غورو) متضمنةً ما يلي: قبول الانتداب الفرنسي، وإلغاء التجنيد الإجباري وتسريح الجيش ، وضع سكة حديد رياق- حلب تحت تصرّف الجيش الفرنسي ، وقبول التعامل بالأوراق النقدية التي أصدرها بنك سوريا ولبنان ومعاقبة (المجرمين) الذين يُعادون فرنسا. جمع الملك فيصل وزرائه لمداولة الأمر بينهم فكان رأي الكثيرين منهم النزول عند مطالب غورو ومهادنته وقبول الإنذار وهنا برز رأي يوسف العظمة بالإنذار فعندما سأله الملك فيصل عن رأيه في إنذار غورو قال كلمته المشهورة " إذا كان لنا لسان فلكي نتكلّم به, وإذا كان لنا جيش فلكي نحارب به في مثل هذه الظروف العصيبة " .
وقد ترجم يوسف العظمة قوله فعلا مباشرا فبدأ بالاستعداد للمواجهة رغم فارق العدة والعدد وهنا تتبدى لنا ملامح يوسف العظمة الأب الحنون العطوف الذي لم تمنعه شخصيته العسكرية وحروبه القاسية التي خاضها من إسباغ كل العاطفة والحب لابنته ليلى ، تلك العاطفة الجياشة التي رسمت ملامحها على كل من التقاهم يوسف العظمة قبل التوجه إلى ميسلون لمنازلة الجيش الفرنسي القادم لاحتلال البلاد . يقول ساطع الحصري " في ليلة الرابع والعشرين من تموز جاء يوسف العظمة يودعنا قائلاً , أنه سيتوجه إلى الجبهة , ولكنه قبل أن يغادرنا انتحى زاوية من الغرفة وقال لي : " أنا ذاهب , إنني اترك ليلى أمانة في أعناقكم أرجوكم لاتنسوها "
وهذه الوصية أعاد تكرارها للملك فيصل في آخر لقاء بينهما إذا عاد يوسف العظمة ليكرر وصيته هذه على مسامع الملك قائلا " ليلى أمانة في أعناقكم "
وكانت كلماته الأخيرة قبيل ذهابه إلى القتال: «إني أعرف ما يجب عليّ، وسأقوم بواجبي، ولست آسفاً على نفسي، بل أسفي على الأمة التي ستظلّ سنوات كثيرة أو قليلة هدفاًً لكل أنواع المحن والمصائب، وإني مطمئنّ إلى مستقبل الأمة، لما رأيته وخبرته بنفسي من قوة الحياة الكامنة فيها، وواثق من عطف أصدقائي على طفلتي (ليلى)، فسأذهب مستريح البال مطمئنّ القلب في طريق الواجب المفروض علي».
هذا الحب الكبير الذي يكنه لابنته لم يمنعه أو يثنيه عن خوض غمار معركة محسومة سلفا فلقد كان يرى ابنته " ليلى " في كل الوجوه التي تتوسم فيه الأمل بالذود عن حياض الوطن لذلك آثر يوسف العظمة الشهادة على رؤية قوافل الجيش الفرنسي تدخل دمشق وكأنها في نزهة لذلك جمع يوسف العظمة المتطوعين لخوض غمار المعركة بعد أن أمر الملك فيصل بحل الجيش تنفيذا لمطالب غورو ولكن كل ذلك لم يسعف الملك بتجنب المعركة حيث تذرع غورو بتأخر وصول الجواب على الإنذار فأعطى أوامره للجيش الفرنسي بقيادة الجنرال " غوابيه " بالتقدم باتجاه دمشق والتقى الجمعان في ميسلون في معركة غير متكافأة كانت الغلبة العسكرية فيها للجيش الغازي وضرب يوسف ورفاقه أروع معاني البطولة والإباء حيث دخلت الدبابات الغازية على أجسادهم الطاهرة في 24 تموز عام 1920 لتبدأ مرحلة جديدة من النضال الشعبي تكلل بتحقيق الاستقلال وانجازه في 17 نيسان 1946 وهو يوم جلاء آخر جندي فرنسي عن أرض سورية الحبيبة .
ما وصلنا عن ليلى يوسف العظمة لا يرضينا البتة حيث أن تتابع الأحداث وصعوبتها بعد الانتداب الفرنسي جعل من المتعذر الوقوف على تفاصيل حياتها وقيل أن الملك فيصل قد أجرى لها مرتبا يساعدها في تدبر أمورها وما استطعت جمعه عنها لا يتعدى كونها قضت بقية حياتها عزباء لم تتزوج لذلك لم تعقب ذرية .
إن الواجب يحتم علي الدعوة إلى إعادة الاعتبار لوصية الشهيد يوسف لعظمة بابنته ليلى من خلال توثيق حياتها وبالتالي الوقوف على مكان دفنها ونقل رفاتها إلى حيث يرقد والدها احتراما منا وعرفانا لمواقف الشهيد البطل ووفاء منا لوصيته الأخيرة .
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات