بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> سجل الخالدين >> سجل الخالدين >>
ما نفع الذكرى... عندما نتصفح سجل شهداء الوطن الخالدين ولا نجد فيه اسم نزيه أبو زيد
  23/01/2008

ما نفع الذكرى... عندما نتصفح سجل شهداء الوطن الخالدين ولا نجد فيه اسم نزيه أبو زيد
 

الشهيد نزيه ابو زيد
حدث هذا قبل اثنين وثلاثين عاما، إنها الساعات الأولى من صباح السابع والعشرين من شهر كانون الأول، كانت الحياة بكل كائناتها تتلمس في نومها العميق مزيداً من الدفء في تلك الليلة العاصفة الباردة التي يصل صقيعها نقي العظام، بينما كانت الريح السوداء تعبث بالغطاء الأبيض الذي غطى كل جسد مجدل شمس الوادعة، و«شيّب» أشجارها وبيوتها المستلقية على سفح تلة حنونة، بساط الثلج الأبيض لم يكن ليوحي بكثير من البرد لولا الريح العاصفة، العاصفة دون سبب: هكذا يعتقد المرء للوهلة الأولى، لكن ما إن يدقق في فعل الريح التي تهز الأسلاك الصهيونية الشائكة وتسقط عنها ذرات الثلج الأبيض النبيل لتكشف رؤوسها الحادة السامة وعقدها الحاقدة، حتى يفهم سبب الغضب، وما معنى أن تغضب الريح الجولانية في تلك الساعة المتأخرة من الليل.
كعادته في كل مهمة، حمل الشاب الجولاني نزيه أبو زيد صرة ثيابه التي توحي أنه يريد الفرار إلى الشام من الحصار الإسرائيلي لبلدته مجدل شمس، وهبط من سفحها الشرقي ميمما وجهه شطر الوطن، رمق نزيه البيوت الهادئة وسط ثلج عميق، وراح يحث الخطا على وقع صرير الثلج تحت أقدامه فاتحا ثغرة مستقيمة في عمق العاصفة... جلبة الريح كانت تملأ أذنيه فتثير في نفسه قلقا غير اعتيادي، لأنها تحجب عنه مصادر أي أصوات أخرى معادية، لكنه كان قد عزم على الانطلاق متوقعاً أن لا جلد لجنود الاحتلال ولا جرأة لديهم على الإبحار في هذا الليل الثلجي العاصف، ويمكن القول إن توقعاته، بل حساباته صدقت إلى حد بعيد، فلم يصدف أي دورية معادية ولا أي حدث طارئ يغير من خط سيره المحدد باتجاه خط الجبهة السورية على الطرف الآخر لأرض الجولان..
ولأنه من مكمنه يؤتى الحِذرُ حدث ما لم يكن في الحسبان.!!
حتى اليوم لم يعرف الوقتُ الدقيق لوقوع الكارثة ربما هو بعد انتصاف الليل بساعتين، حيث كان بعد جسد الفتى المقاتل عن الموت مترين أو خطوتين، إنه الموت المخبئ في لغم صهيوني أعد للقتل الغادر الخسيس، أما روحه النقية فقد كانت هي أيضاً على بعد شهقتين أو ربما رفتين من الخلود.
لقد كاد الفتى الأغر نزيه أبو زيد على وشك اجتياز الموت وهو يعبر الأرض بين ضفتين، فدوى صوت انفجار خزق عباءة الريح وغشاء السمع وصولا إلى لحم الجسد الطري، لقد داس أبو زيد على لغم صهيوني جديد، حديث العهد بين أسباب القتل الإسرائيلية المدسوسة في كل مكان من ربا الجولان، لغم زرع بعد اتفاقية فصل القوات عام 1974 لكنه كان كافيا لتقطيع الجسد بينما تكفلت الأسلاك الشائكة بمسك الثياب المدماة.
كان مقدرا لذلك الشهيد أن يمسك الموت الصهيوني بكلتا يديه محاولا إبعاده، لكن عوامل الغدر والوحشية والإرهاب تكاتفت معا حتى استطاعت النيل منه.
انفجار اللغم مزق كثيراً من جسد الشهيد أبو زيد لكنه لم يقتله فورا، بل ترك الجسد ينزف حتى آخر قطرة دم، كان ذلك يحدث أمام أعين جنود الاحتلال الذين سارعوا إلى مكان الانفجار لا لإنقاذ الشهيد طبعا إنما لمنع أهالي المجدل الذين أفاقوا على الصوت المدوي من إنقاذه.
وحشية، وفيها كثير من الحقد الصهيوني، كانت تلك الساعات الأخيرة من صباح ليلة السابع والعشرين من شهر كانون الأول ذاك، لقد استغل جنود الاحتلال رفض من يعرف من أهل المجدل التصريح باسم الشهيد أبو زيد، ومنعوهم من الاقتراب من المكان، لكن صرخات الشهيد وهو في نزاعه الأخير مع الموت كانت تصهر برد الثلج وتحيل المكان إلى ما يشبه البركان الثائر، صرخات كانت تستفز الجنود الصهاينة وتثير القلق في نفوسهم لأنها صرخات ذكية لم تكن تسمي أحداً من أهل الشهيد، فلجؤوا إلى الخديعة لمعرفة اسم الفتى وأهله، وذلك لم يحدث إلا بعد إلقاء القبض على جسد الشهيد الذي نزف حتى آخر قطرة من دمه طوال أربع ساعات من الحصار.
بعد أكثر من ثلاثة عقود على هذه الواقعة التي يعتز الضمير الصهيوني ببشاعتها تحاول أخت الشهيد السيدة أم ثائر استرجاع بعض من تلك اللحظات الدامية والحزينة في نفوس أهل المجدل والجولان كله، فتقول:
لقد استيقظنا على صوت أهل البلد بعدما شاع الخبر في كل مكان ولم نكن نعرف أن الشاب العالق عند الأسلاك الشائكة في حقل الألغام الذي يفصل بين المجدل وعين التينة هو أخي نزيه، وبعد أن سحب الجنود الجثة أذاع الحاكم العسكري الإسرائيلي في الميكرفون طالبا ممن له شاب مفقود أن يذهب إلى مقر الحاكم للتعرف على جثته واستلامها.
وتضيف أم ثائر: حتى عندما ذهبنا لم نكن على علم بشيء مسبق لأن نزيه لم يكن يخبر أحداً بأي عمل يقوم به، أنا على حد علمي كان يعمل في البناء، لكن عندما ذهب أهلي إلى مقر الحاكم علموا أن الجثة هي لأخي نزيه الشهيد الذي قضى وهو يقوم بواجبه الوطني، وبقي جثمانه الطاهر محتجزا لدى قوات الاحتلال طوال أربعة أيام، حتى تسلمه أهله، ثم ووري الثرى في الأول من كانون الثاني عام 1977، علما أنه لم يكن يتجاوز العشرين عاماً عند استشهاده، وعندما اعتقل أول مرة كان عمره 17 عاما.
وتتساءل أم ثائر باستغراب: هل يعقل أن يبقى أخي نزيه حتى اليوم خارج سجل الشهداء السوريين الخالدين الذين كرمهم رئيسنا الخالد حافظ الأسد وجعلهم أنبل بني البشر، ألم يستشهد نزيه وهو يؤدي واجبه الوطني؟ ما المطلوب حتى يوضع اسمه في سجل الشهداء؟ وتؤكد هنا أن الهدف من طرح هذه القضية ليس هدفا ماديا، رغم أن ذلك من حق ذويه، أما الهدف الأساسي فهو التكريم المعنوي الإنساني بالدرجة الأولى.
الشهيد نزيه هاني أبو زيد
لقد ولد الشهيد أبو زيد عام 1958 في بلدة مجدل شمس. كبر وترعرع فيها بين حقولها وجداولها. يقول البعض إن تربيته الأسرية، كانت سياسية، في حين هي التربية الوطنية الطبيعية لأهل الجولان، وأن يكون أبو زيد يشبه معظم أبناء جيله في التوقد والعنفوان الوطني خلال عقد كانت المنطقة العربية تعيش فيه على بركان من التطورات القومية والوطنية هذا أمر طبيعي، لكن أن يكون في قلب المواجهة مع المحتل الصهيوني وهو لما يتجاوز الـ16 عاماً فهذا ما يحسب له بين أبناء جيله.
وطريقة العمل السري التي اختارها أبو زيد تعني في أول ما تعنيه أنه يريد حرق المراحل، وتحقيق اختراق ملموس في منظومة العدو الأمنية ذلك استعدادا للمواجهة المباشرة معه.
على حد الموت مشى نزيه أبو زيد مرات كثيرة وهو ينقل المعلومات إلى الاستخبارات العسكرية في وطنه، داس حدود النار وأسلاك الحقد التي وضعت لتحز جسد الجولان مرات كثيرة، لقد كان يعرف أمكنة تلك الألغام اللئيمة المدفونة في ثرى الأرض الجولانية الطيبة، ويحتقرها كما يحتقر الأيدي الصهيونية التي زرعتها، ولذلك كان يتحاشى الدوس عليها فهو كان يتحداها في كل مرة يعبر من الأرض السورية المحتلة إلى تلك التي تحررت من دنس الاحتلال.
شجاع هو إلى ما قبل التهور بلحظة، كان يحسب حساب كل شيء رغم أنه لم يكن قد تجاوز العقد الثاني من عمره، لقد علمته ظروف العمل السري خلال مهمات نقل المعلومات الحرص الشديد، ليس من أجل الحفاظ على حياته بل من أجل نجاح المهمة التي اختارها هو لنفسه، ولذلك فقد احتاط لأعقد المواقف.
لقد اعتاد مثله مثل كثير من رواد العمل الوطني ملاقاة ضباط الاستطلاع والمخابرات السورية في منطقة نبع الفوار قرب بيت جن. إنها نقطة آمنة لتسليم المعلومات، وقد شهدت بطولات فردية عظيمة وجليلة، كان الشهيد أحد صناع تلك البطولات. ففي إحدى عمليات العبور، كما ينقل الصحفي أيمن أبو جبل عن سلمان فخر الدين، أحد المقاومين الذين عايشوا الشهيد: «كان الثلج يتساقط بكثافة، والبرد قارس جداً، عبر نزيه الجزء المحتل كعادته، حاملا معه عدة ملفات قيمة، حين وصل إلى نبع الفوار تزامن وصوله مع إحدى الدوريات الإسرائيلية، ولم يكن أمامه خيارات كثيرة، وسريعا قرر الغوص في مياه النبع، وبقي تحت المياه الجليدية حتى مغادرة الدورية الإسرائيلية، كان الجنود السوريون يراقبون ويرصدون هذه المشاهد أمامهم من مواقعهم. نزيه الذي بقي يصارع الموت داخل المياه المتجمدة لم يخرج منها إلا حين سمع صوت أفراد الجيش السوري الذين أتوا إلى المكان مباشرة، خرج ليسقط على الأرض فاقدا وعيه.
أفراد الجيش تعرفوا عليه فورا، فحملوه إلى إحدى ثكناتهم ودفؤوه واعتنوا به جيدا، حتى استعاد عافيته، وسلم أمانته. وفي اليوم التالي عاد إلى البلدة، لكنه هذه المرة كان يلبس ملابس الجيش السوري.
ويتابع سلمان: لقد تمكن نزيه من إنجاز اختراق استخباراتي باتجاه قرية حضر وأنشأ خليته هناك بحكمة ودقة، وعمل هناك مع أفراد الخلية بمفرده، حتى تم كشف النقاب عن خلية حضر بكاملها، ما أدى إلى اعتقال الشهيد نزيه أبو زيد، وبعد أشهر قضاها في السجن أفرجت عنه سلطات الاحتلال دون أن تتمكن من الحصول منه على أي معلومة.
كان نزيه أبو زيد وهو الخارج من المعتقلات الصهيونية حديثا يعلم أن كثيراً من العيون تراقبه، وأن ظروف العمل الاستخباراتي، خاصة بعيد انتهاء حرب تشرين أصبحت أكثر تعقيدا منها قبل الحرب، ولذلك كان يبتدع في كل مرة طريقة مختلفة عن الأولى لإنجاز المهمة، بل بادر إلى فتح قنوات اتصال باتجاه الحدود اللبنانية، لكنه حذره دفعه لإلغاء الفكرة لأنه اكتشف أنها قنوات غير آمنة فعاد إلى خطوط عمله القديمة، فكان كمن عاد إلى قدره، إلى مصيره الاستشهادي الفريد، ليتحول إلى ذكرى خالدة لا تحتاج منا إلا إلى قليل من الوفاء، وإلى كثير من الواجب بحيث يتحول إلى اسم لامع في سجل شهداء هذا الوطن العظيم.

أدهم الطويل / جريدة الوطن

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات