بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الحركة الاسيرة >> سيرة ذاتية  >>
لذكرى الأسير المرحوم نجيب سليم محمود-ابو غسان
  24/08/2010
דף חדש 5

 في ذكرى وفاة الأسير المرحوم نجيب سليم محمود-ابو غسان

موقع الجولان/ أيمن ابو جبل

الى اجمل سلام يا ابا غسان.." فسلام عليك يوم ولدت وسلام عليك يوم مُت ، وسلام عليك حين تُبعث حياً في الذاكرة والوجدان" فالجزء الاطيب من كل شعب هم شهداؤه والجزء الاطيب من شعبنا هم شهداؤنا، واغلى واشرف فصل في رواية شعبنا هم اسراه ومعتقلي الحرية "كما قال ذات مرة الراحل الكبير توفيق زياد.

 لقد راهنت اسرائيل من خلال زجها بابناء شعبنا في غياهب السجون والمعتقلات على ان يكون السجن اداة في معادلة الصراع، من خلال تأثير عامل الزمن لتتحول سنوات الاعتقال الطويلة الى حياة استنزاف عصبي ونفسي ومن ثم الى انهيار واذلال السجين فيما بعد اقتصاديا واجتماعياً ليصل الى مرحلة فقدان الاحترام الذاتي ، وركنه في زوايا مغلقة مهشمة ومهمشة سياسياً واجتماعياً واخلاقياً، ومن تجارب شعبنا الحاضرة والماضية فقد فشل الرهان وغدت الالام السجن وسنوات الاعتقال مصدراً لتعزيز وتعميق الفخر والاعتزاز بقدرة احرارنا على الصمود...

ابا غسان نجيب سليم محمود هو احدى تلك الشخصيات التي تركت بصمات مضيئة في سجل شعبنا النضالي، الذي اختطفته يد المنون وهو فى ريعان الشباب متأثراً بامراض السجن والاعتقال، ولا يزال ذاكرة  حية ً لا تموت بالنسبة الى الكثيرين من رفاقه واصدقائه الذين اغرورقت عيونهم بالدموع حين تصفحنا تلك السنوات التي كان فيها للنضال الوطني ضريبة دم وتضحية وعطاء فردي منقطع النظير في محاولة لنبش صور الذاكرة الجولانية منهم ، ومن محيطهم وبيئتهم التي لم تتبدل في اذهانهم ،رغم تبدل اسماء الامكنة والوجوه وتبدل الظروف والاحوال ..استحضرنا معهم محطات في حياة هذا الرجل العنيد في مواقفه وسلوكياته ضد الظلم ولقهر والذل والاحتلال، وعنيدا في محاربة اولئك الفاسدين الذين ارتضوا بان تُختصر حياتهم كلها كادوات هزيلة بايدي المحتلين والفاسدين..

ففي حياة كل انسان هناك اشخاصاً يتركون على مساحة العمر بصمات لاتزول ... وابو غسان احد هؤلاء الاشخاص الذين نشروا شيئاً من الصدق والكرامة واشياء من الحرية.. فهو من مواليد مجدل شمس في الجولان عام 1929 عاش طفولته يتيماً بعد وفاة والدته وهو لم يتجاوز الـ8 سنوات من عمره، فتولى شقيقه سلمان محمود تربيته الا ان الموت اختطفه اثر مرض عضال. واختطف معه بعد فترة شقيقه نايف محمود، ترعرع الطفل نجيب محمود في كنف اسرة كريمة ميسورة الحال، وكانت تعتبر من الملاكيين الزراعيين، منذ صغره وتحت تأثر ظروفه الاجتماعية اتخذ موقفاً معاديا ضد الظلم والاستغلال وحياة القهر والذل. فتطوع في صفوف الجيش العربي الأردني وهو لم يتجاوز سن السابعة عشرة من عمره، وخاض الحرب الفلسطينية الاسرائيلية الاولى وكان احد المشاركين في معارك باب الواد في مدينة القدس في العام 1948 أثناء نكبة فلسطين وهزيمة الجيوش العربية. بعد النكبة واحتلال فلسطين عاد غاضباً مقهوراً إلى مسقط رأسه في بلدة مجدل شمس، وانخرط في صفوف الجيش العربي السوري وكان احد أفراد الدفعة الأولى التي تشكل منها الجيش الوطني بعد مرحلة جلاء المستعمر الفرنسي عن ارض سوريا. وعمل مدرباً عسكرياً في الجيش، كونه صاحب تجربة عسكرية أثناء خدمته في الجيش الأردني، خاصة وان برنامج التدريب العسكري السوري كان تدريباً غربياً في تلك الفترة.

 أنهى خدمته العسكرية وعاد إلى مدينة القنيطرة، وفي تصوراته الكثير الكثير من الانتقادات والملاحظات على الوضع السياسي الراهن في البلد، فاختار ان يبقى قريباً من مركز صناع القرار في قيادة الجبهة السورية في الجولان، فأسس مصبغة ملابس" وكويّ" وتخصص في ألبسة الضباط والجنود العسكريين . وبقى ومواكباً للشأن السياسي العام في البلد، وجل اهتماماته كان في تطوير الأمن والأمان في البلد. وعمل وبمبادرة منه على تزويد أجهزة الأمن الحديثة التأسيس في فرع الاستطلاع العسكري والشعبة الثانية في القنيطرة، الذي انضم اليه رسمياً في العام 1951 . بكل معلومة عن المحاولات الإسرائيلية اختراق الداخل السوري عبر جبهة الجولان، ووصل خلال عمله الى رتبة ضابط...

بقي في القنيطرة هو وأفراد عائلته لغاية نكسة حزيران عام 1967 واضطر للعودة إلى مسقط رأسه في مجدل شمس بعد احتلال المدينة وتهجير سكانها،حاملاً معه شريطاً طويلا من الذكريات الاليمة والحزينة عن حال مدينته التي احبها واحبته، ورفاقه الذين تركوا احلامهم مهزومة تحت انقاض المدينة.. وفرض عليه الواقع القاسي الجديد أن يجمع كل طاقاته، ليعمل على توفير لقمة عيش حرة كريمة لعائلته ولتعزيز روح المواجهة والتصدي للمحتلين الجدد بالتعاون من رفاق دربه من ابناء الجولان المحتل، يجر امامه قافلة من الاحلام الكبيرة والامال المستحيلة...ومباشرة بعد الحرب عمل على اقامة علاقات تنسيق مع عدد من الوطنيين والمناضلين من بينهم الشهيد عزات شكيب ابو جبل، الذي كان قد انضم إلى جهاز الأمن السوري عبر شقيقه يوسف شكيب أبو جبل الذي عمل على تدريبه وإعداده وفقاً لمقتضيات العمل السري في مواجهة الاحتلال.

توجه الأسير المرحوم برفقة الشهيد عزات ابو جبل إلى قرية حضر في الجزء الذي لم تطاله مجنزرات الاحتلال الإسرائيلي، والتقى مع عدد من الضباط والمسؤلين السورين، وتم الاتفاق على أليه عمل سرية داخل الأرض المحتلة وأوكلت إليه عدة مهام أمنية وعسكرية حساسة، وخلال عمله السري توسعت شبكة خلايا المقاومة الوطنية التي قادها المناضل الراحل شكيب ابو جبل ،وارتكزت على جمع المعلومات وتزويد الأجهزة الأمنية بها أولا بأول، وعملت الشبكة التي تعتبر من اكبر خلايا المقاومة الوطنية،( ضمت 65 مناضلاً) حيث امتد نطاق عملها من نقطة جبل الشيخ في الجولان المحتل وحتى شبة جزيرة سيناء المصرية مرورا في الداخل الفلسطيني ومناطق الضفة الغربية ومدينة القدس واستمر عملها منذ العام 1967 ولغاية 27/1/1973 اثر استشهاد المناضل عزات شكيب أبو جبل في كمين إسرائيلي على خط وقف إطلاق النار شرقي بلدة مجدل شمس، والعثور على تقارير ووثائق كانت مُعدة لجهاز الأمن السوري تتعلق بقوات الاحتلال ونشاطاتها العسكرية في الجولان وخارجه.

كانت التقارير التي حملها الشهيد عزات أبو جبل تحمل معلومات دقيقة عن مراكز التموين الإسرائيلية، ومواقع الدبابات، ومرابض المدفعية الإسرائيلية في الجبهة، وعن مواقع القيادات العسكرية، وأماكن انتشار قواعد الصواريخ الإسرائيلية، على طول خطوط الجبهة السورية في الجولان، وخطوط الجبهة المصرية في شبه جزيرة سيناء. وشملت التقارير أسماء 18 عنصرا ونصيراً من أعضاء شبكات المقاومة في الجولان المحتل، إضافة إلى بعض أسماء مسؤولي وقادة الخلايا الوطنية الأخرى، التي نشطت إلى جانب خلية المرحوم المناضل ابا غسان ، واقتراحا عاجلا إلى القيادة يقضي بوقف عمل المقاومة السورية في الجولان لفترة ثلاثة أشهر، من أجل إعادة التنظيم، وتعديل أسلوب والية العمل، بتفكير وطرق جديدة تراعى قواعد العمل السري، ورقابة أجهزة الأمن الإسرائيلية.
كل الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في البريد الذي حمله الشهيد، والذين كانوا موزعين في أماكن عملهم في قناة السويس، وخليج ايلات، والمطار في "غيفريت"، والميناء، وحتى الجولان ومرصد جبل الشيخ، تم القبض عليهم واعتقالهم.وقد ضمت مجموعة ابا غسان : شكيب أبو جبل، يوسف أبو جبل، فندي أبو جبل، حسين أبو جبل،، فايز أبو جبل، فوزي أبو جبل،المرحوم فارس محمود شقيقه، عارف أبو جبل، عادل حسين أبو جبل، نصار العجمي، محمد سماره،احمد خاطر، وماجد العجمي ..أما باقي أعضاء مجموعات العمل الوطني في خلايا المقاومة، التي تم الكشف عنها واعتقالها ضمن تداعيات استشهاد عزات أبو جبل، فشملت مجموعة المناضل المرحوم يوسف شبلي الشاعر، وضمت كل من: فؤاد الشاعر، سليمان شمس، حسين الشاعر، المرحوم هايل الشاعر، محمود حسن الصفدي، هاني شمس، حمود مرعي، سليم مرعي . المجموعة الثالثة وضمت كل من: اسعد محمد الصفدي، هايل حسين أبو جبل، احمد القضماني، فارس الصفدي، إبراهيم نصر الله، محمد مرعي، عبدالله القيش، صلاح فرحات، المرحوم اسعد عبد الولي، رفيق الحلبي، حمد القيش، جميل البطحيش، وسليمان البطحيش. فايز علي الصفدي. المرحوم أبو خزاعي محمود ملي، المرحوم أبو عدنان محمود الصفدي، صالح مداح ، فايز حمود الصفدي ،سعيد احمد المقت، المرحوم سلمان صالح الصفدي. المجموعة الرابعة وضمت كل من: يوسف شمس، عصام الصفدي، حسين الصفدي. ومجموعةاخرى ضمت كل من حسن محمود عماشة، حمود هايل عماشة، فارس سعيد عماشة، هايل محمود أبو صالح، عدنان كنج ابو صالح، المرحوم خطار زهوة، وفايز الحلبي .هذا إضافة إلى عشرات المناضلين، الذين تم اعتقالهم ومحاكمتهم ضمن تداعيات حملة الاعتقالات التعسفية التي طالت خيرة أبناء الجولان وعملت خلايا المقاومة الوطنية من خلال الشبكة ايضاً بمحاربة مشاريع سلطات الاحتلال بتغير الطابع الوطني والقومي لأبناء الجولان، ورفض مشاريع إقامة مجالس محلية ومذهبية ودفع ضرائب لسلطات الاحتلال، وكان للمناضل المرحوم ابا غسان دور في تعزيز التعاون مع رفاقه من ابناء الجولان لوضع العراقيل أمام إقامة مؤسسات إسرائيلية خاضعة للحاكمية العسكرية في الجولان، وقد استطاع المناضل ابا غسان من اختراق مقر الحاكم العسكري في القنيطرة، وعمل على جمع عدد كبير من الوثائق والتقارير والاوراق الرسمية السورية التي عثر عليها الاسرائيليين من المكاتب الحكومية السورية في المدينة، وعمل على إيصالها بالتدريج الى المسؤولين السورين عبر خلايا المقاومة الوطنية التي نشطت انذاك..

في المعتقل خضع الأسير المرحوم الى تحقيق وتعذيب قاسي من قبل المحققين الاسرائيلين، الذين حاولوا مرارا كسره وتحطيمه معنويا وجسديا، فقد كسر المحققون طقم اسنانه، وضُرب بشراسة وقوة مكان جرح عملية المرارة وسببت له الالاما حادة، وحين احتج لدى القاضي العسكري انفجر المدعي العسكري الاسرائيلي بالضحك والسخرية وتقول محاميته التقدمية الاسرائيلية قيليتسيا لانغر" انذاك في تاريخ 9-5-1973 داخل المحكمة العسكرية اشتكى المعتقل من اساليب التعذيب وحين ضحك المدعي عليه وقفت وقالت " اطلب من حضرة القاضي ان يلفت نظر المدعي وكاتبة محضر الجلسة ان المحاكمة لا يمكن ان تسير بهذه الروح الهزيلة بينما يتحدث المتهم عن التعذيب الذي تعرض له" واجاب رئيس المحكمة " انك انت ايضا تبدين علامات تدل على احتجاجك ضد امور هنا " قلت له" لا اذكر ذلك، اذا قمت بذلك في المستقبل ارجو تنبيهي اما الان فارجو تنبيههما".

واصدرت المحكمة العسكرية في مدينة القنيطرة الحكم على الاسير ابو غسان نجيب محمود في تاريخ 17-6-1973 بالسجن لمدة 13 سنة،وبنفس الجلسة اصدرت الاحكام العسكرية على رفاقه فارس محمود "شقيقه" بالسجن لمدة 8 سنوات. فايز نعمان ابو جبل بالسجن لمدة 8 سنوات .فوزي ابو جبل لمدة 10 سنوات . محمد سمارة بالسجن لمدة 15 سنة . فندي فارس ابو جبل بالسجن لمدة 15 سنة . حسين يوسف ابو جبل بالسجن لمدة 6 سنوات . عادل حسين ابو جبل بالسجن لمدة 6 سنوات .عارف حسين ابو جبل بالسجن لمدة 15 سنة.

صحيفة معاريف الاسرائيلية وصفت أجواء المحاكمة التي جرت في مدينة القنيطرة يوم 17-6-1973" كانوا 11 متهما من أبناء الجولان المتهمين بالتعامل مع المخابرات السورية وتقديم معلومات حساسة وخطيرة تمس امن إسرائيل ومن بينهم شكيب ابو جبل الذي " قُتل" ابنه على ايدي قوات الجيش الإسرائيلي قبل عدة اشهر، وساد توتر شديد لدى افتتاح الجلسة والحراسة مشددة الى حد يمكن التفكير معه ان فرقة من الجنود سوف تهاجم بناية المحكمة منقضة من شوارع القنيطرة الخالية، بعد ذلك تبين ان كل احتياطات الامن وبضمنها الاسلاك الشائكة اقيمت ضد النساء والاطفال ومجموعة صغيرة من الشباب وعدد كبير من شيوخ الطائفة الدرزية، وشمل التفتيش الذي جرى على اجسام الحاضرين الى قاعة المحكمة خلع الاحذية والتفتيش الدقيق على اجسام النساء حيث احضرت المجندات خصيصا لذلك.

وقد حضر ممثل الصليب الاحمر الدولي الجلسة، وسجل الإعلام الإسرائيلي عدة مقابلات مع أهالي المعتقلين بينهم زوجة الاسير المرحوم ابو غسان التي قامت بضرب احد الجنود الإسرائيليين بحذائها وقالت" ها هم أولادنا فخذوهم ايضاً هذه تمثيلية وليست محاكمة. وبدأت بالصراخ فليسقط الاحتلال ةعاشت سوريا

وعن المحاكمة تقول المحامية لانغر" ان ضعيفي الافق وقصيري النظر لا تهمهم الكراهية التي يثيرونها . انهم لا يفهمون ان كره الاحتلال هذا اصعب من الكبريت الملتهب ، لقد شاهدت ذلك في العيون في ذاك اليوم في المحاكمة"..

وتنقل ابو غسان بين مختلف السجون والمعتقلات الاسرائيلية وكان الرملة وشطة وجنين والدامون وسجون اخرى..

اطلق سراح الاسير المرحوم ابو غسان نجيب محمود في الثامن والعشرين من حزيران عام 1984 ضمن عملية تحرير الأسرى التي جرت بين  الحكومة  السورية وإسرائيل، وعاد الى مجدل شمس مع رفاقه، في طقوس احتفالية شعبية عمت كل قرى الجولان المحتل. وامضي حياته في صفوف الحركة الوطنية رغم الآلام والأوجاع التي رافقته جراء تعذيب سنوات السجن والاعتقال على مدار اثني عشر عاماً ونال على تقدير واحترام كل من عرفه وتعامل معه، من رفاق دربه من ابناء الجولان ومن رفاقه من فلسطين، وشارك المرحوم ابناء الجولان كافة مواقفهم النضالية والوطنية والاجتماعية حتى وفاته متأثراً بأمراضه المتراكمة منذ سنوات الاعتقال في تاريخ 11-9-1993 وشيع أبناء الجولان والمئات من رفاق دربه من مختلف انحاء فلسطين الاسير المرحوم ابا غسان الى مثواه الاخير في بلدة مجدل شمس..

عاش ابو غسان حياة مليئة بالالم والحرمان والمعاناة، وفي ظل حياة كانت اصعب واشد من الموت، حياة كانت تحد لكل ما في الانسان من قوة ومن بسالة ومن نبل، رحل ابو غسان تاركا وراءه ذاكرة لن تموت ورفيقة درب مخلصة وخمسة ابناء، وقضية لا تزال تنتظر الحرية....

ام غسان نهاد محمود زوجة الاسير الراحل ابا غسان ورفيقة دربه في المقاومة وأمينه سره كانت ومنذ بدايات حياتهما المشتركة تعلم ان حياتها لن تكون كحياة زميلاتها ورفيقاتها نظرا إلى المسؤوليات الكبيرة التي حملها زوجها في قضايا الشأن الوطني العام السوري، فتحملت غربته وتحملت مشقات عمله وتحملت سنوات اعتقاله ليبقى أبناءها معززين مكرمين في ظروف كان البقاء كريماً وعزيزا يحتاج إلى قوة كبيرة، بذلتها دون تردد حتى تحرره من المعتقل، وبقيت امينة على دربه بعد وفاته... ام غسان امرأة جولانية تستحق كل ايات البتقدير والاحترام، لانها نموذجا لعطاء المرأة الجولانية المقاومة الشجاعة، المؤمنة برسالتها الانسانية والاجتماعية والوطنية.. وجسدت اصدق التعابير لسلوكها اثناء الاضراب الكبير في العام 1982 حين شاركت الرجال والنساء والشيوخ ملاحم البطولة والتحدي.... وفي لقاء مع رفيقة دربه زوجته ام غسان نهاد محمود مع موقع الجولان استحضرت ذكرياتها قائلة"

في صباح التاسع من حزيران سمعنا صوت الحرب، نهض الناس مذعورين، خصوصًا بعد أن سمعنا أن اليهود احتلّوا القنيطرة.. الحرب كانت مفاجأة للجميع، وكانت سريعة بحيث لم ندرِ كيف وصل اليهود إلى كلّ مكان، لقد قصفوا المدينة ومحيطها دون رحمة ، كانت الطائرات ترمي بصواريخا والدبابات والمدفعية تدك اطراف المدينة بقذائقها، اصيب اشخاص عديدون وتدمرت مباني ومنازل كثيرة، وغالبية سكان المدينة احتموا او هربوا من الحرب، قسم الى دمشق وقسم الى مجدل شمس، حيث وصلوا المجدل بالسيارات وبالارجل، المسافة بين القنيطرة ومجدل شمس 3 ساعات سيرا على الاقدام ، نحنا لجأنا الى مجدل شمس، لم نحمل شئياً من ممتلكاتنا واغراضنا ، تركنا كل شئ في القنيطرة، وقافلة النازحين من قرى الجولان كانت كبيرة. بعضهم مرّوا من مجدل شمس (من قري جباثا الزيت، زعورة، عين فيت..) واستضافهم أهل القرية (قسم كبير تجمع في مدرسة الساحة)، ثم قُدّمت لهم المساعدة في العبور نحو دمشق.
في ذلك الوقت كانت ابنتي فريال طفلة صغيرة، اقترب منها أحد الجنود اليهود ليعطيها الحلوى فرفضت وصاحت به: أنتم شياطين، فاستهجن لها وراح يضحك هو ورفاقه.
ظنّنا أن المسألة لن تستمر سوى أيام، واليهود سيرحلون قريبًا عن الجولان. لكن ذلك لم يمنع البعض من التفكير بالرحيل عن القرية، ولولا بعض المشايخ، الذين صدّوهم عن ذلك، لكانوا رحلوا.
بعدما هدأت الأوضاع كان أصحاب البيوت في القنيطرة يطلبون التصاريح من الحاكم العسكري لزيارة بيوتهم، وعندما طلب زوجي تصريحًا أُلقيت عليه عقوبة الإقامة الجبرية لمدة ثلاثة أشهر. في المرة الاولى التي سُمح لنا بزيارة منزلنا في المدينة كانت المشاهد مروعة ومخيفة منازل عديدة مدمرة وقسم منها قد سوي بالارض،القنيطرة المدينة الكبيرة والجميلة تحولت الى دمار وذكريات تحت الانقاض.. وهكذا كُتب علينا أن نعيش تحت الاحتلال، كانت لنا حياة حلوة وهادئة بدأت هناك وانتهت برمشة عين.

في مجدل شمس حيث عشنا في منزل اهلي وبعدها اشترينا قطعة ارض وبنينا منزلا في حارة الجبل مكوناً من غرفتين . كان ابو غسان غاضبا جدا ومقهورا من جنود الاحتلال ، ولم يتقبل فكرة اننا هُزمنا في الحرب.خاصة وهو رجل كان يعمل في الاجهزة الامنية السورية منذ سنوات طويلة، فاسس مع رفاق له المقاومة الوطنية وبدأوا العمل بشكل متواصل ، كان كل همه ايذاء الاسرائيليين وتوفير وسائل وادوات لرد الكرامة لشعبه ولابناءه .. اعتقلت السلطات الإسرائيلية زوجي (أبو غسان) في29 شباط عام 1973، وكان وقتها يعمل في إيلات مع مجموعة من أصدقائه، والذين اعتُقلوا معه. وقتها كان لنا خمسة أبناء، أكبرهم غسان عمره عشر سنوات. كان عندي إحساس بأنه سيُسجن مدّة طويلة.
في البداية منعونا من زيارته، وكان قد تعرّض للتعذيب القاسي لكنه بالرغم من ذلك لم يعترف بالتهم المنسوبة إليه. في إحدى جلسات المحكمة احتجزوني، وأدخلتني امرأة إلى غرفة التحقيق وحاولت تفتيشي بصورة مهينة، فدفعتها عني وصرخت بها.. سمعني ضابط في الخارج وقال لي بعدما خرجت من الغرفة: "نهاد، لماذا نسمع صياحك دائمًا؟" فقلت له: "أنتم من يجبرني على ذلك"، فقال لي: "نهاد، أنت تشكّلين خطرًا!"
من المشاهد التي ما زلت أذكرها كل يوم، أنه في إحدى جلسات المحكمة قلت لابني الصغير آنذاك (جميل) أن يحبو من تحت المقاعد نحو أبيه خلف القضبان. فعلاً، استطاع أن يصل إليه دون أن يلحظه أحد، قال له: بيي أني جميل. كان مشهدًا مؤثّرًا، حاول الحراس أن يبعدوه لكن الحاكم أمرهم بأن يتركوه، ومن يومها سُمح لأبناء المعتقلين من الاقتراب من آبائهم.

اثناء انتفاضة الجولان عام 1982 كانت ام غسان شريكة وفاعلة في كافة المظاهرات والمواجهات اسوة بحركة نساء الجولان الذين تعرضوا الى حملات تشويه عنيفة من ازلام الاحتلال واعوانه، وشاركت في عدة مواجهات تدافع عن شباب بلدتها وابناءها،" انا فخورة بما فعلت الحمد لله ربيت ابنائي كما اراد والدهم لهم ان يكونا، ولا ازال احمل تراث ابا غسان معي ولا ازال اؤمن ان الجولان سيتحرر اجلا ام عاجلاً
أمضى أبو غسان 12 عاما في السجن من أصل 13 عام، وطيلة تلك الفترة كنت أنا الأم والأب لأطفالي، أعمل كي أوفّر لهم كل احتياجاتهم.. وعلّمتهم أن حب الوطن هو أسمى شيء في الدنيا.... وتستذكر ام غسان قائلة" تحرر ابو غسان من السجن بعد سنوات طويلة وعاد ليصارع الامراض فقد كان قلبه ضعيفا جدا، وعانى من اوجاع مؤلمة من عيونه، لكنه كان رجلا صلباً وكريماً لم يرض الذل او الخنوع يوماً قال لي انه امضى أربع سنوات في الزنزانة ولم يتنازل لهم، وبعد الافراج عنه بذل كل جهد وعلى حساب وضعه الصحي ان يعوضنا عن سنوات اعتقاله، ويعمل على تحسين وضعنا الاقتصادي والمادي وتوفير حياة كريمة لنا ولاولاده، لكنه السجن لم يمهله الوقت ليحقق ما اراد. فتوفي في عام 1993 وحتى بعد وفاته لم يتركنا الإسرائيليين بشأننا، سنوات طويلة عانينا من اجل السماح لنا بتوسيع منزلنا ليتسع لاولادنا وعائلاتهم فانا أريدهم بجانبي هنا ليسكنوا قربي، ولم يمنحونا الرخص اللازمة. ترك المرحوم عائلة كريمة ترعرعت على صدق الانتماء والشعور بالمسؤولية تجاه مجتمعها ولا يزال ارث ابا غسان المحفور في ذاكرة الجولانيين مضيئاً في احاديث اهلة وابناءه ورفاق دربه...

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

مواطن

 

بتاريخ :

24/08/2010 21:07:31

 

النص :

هؤولاء هم مشاعل نور .قد اناروا طريق منذ زمن بعيد ........ وقد ادوا الامانة جيدا وكانوا ابطالا فنحن نحيهم و هم الخيمة التي تحمينا وما زالت تخبئنا في احضانها
   

2.  

المرسل :  

جولاني

 

بتاريخ :

24/08/2010 21:09:01

 

النص :

شكرا ايمن معلومات قيمة رحمك الله ابا غسان ونحن نفتخر بك وبامثالك من المناضلين الشرفاء الاحرار
   

3.  

المرسل :  

تحسين الدعبل

 

بتاريخ :

24/08/2010 21:12:44

 

النص :

هؤولاء شعلة النور الذي نسعى دائما للسير على نهجهم وطريقهم المشرف كل الشكر ايمن معلومات قيمة ورائعة
   

4.  

المرسل :  

امانة للتاريخ

 

بتاريخ :

28/08/2010 13:15:06

 

النص :

ما نقرأهنا ذاكرة شعب يابى الذل.. وما يبذل هعنا من جهد مبارك ورائع يستحق منا الوقوف امامه والافتخار.. استاذ ايمن بورك قلمك وبوركت هذه القيم الاصيلة التي تحاول زرعها في صراع مع التيار الجارف البعيد عن القيم والتاريخ والوجدان.. اعدتني يا اخي سنوات طويلة الى الوراء ايام كنا نشعر بقيمة العز وقيمة العمل وقيمة المجهود المبذول من اجل صون تاريخ اجدادنا يرحمهم الله .. رحمة الله عليك يا ابا غسان يا جار الرضا ودمت يا امنا الغالية ام غسان فانت نموذج يحتذى فيه اطمئني ابو غسان سيبقى حيا ما دام هناك قيما حية بين ولادنا والله يديم مثناك بالخير يا ايمن