بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الحركة الاسيرة >> سيرة ذاتية  >>
الاسير الشهيد نزيه هاني ابو زيد
  05/06/2008

الشهيد نزيه هاني أبو زيد

مركز الجولان للاعلام والنشر /ايمن ابو جبل


مواليد العام 1959 مجدل شمس . لم يعرف الحياة إلا مناضلا ومقاوما عنيدا. انضم إلى صفوف المقاومة الوطنية، ضد قوات الاحتلال، منذ أن بلغ الثالثة عشر من عمره، وساهم مع رفاقه في عدة عمليات استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلية. ألقى القبض عليه في حزيران العام 1974، واصدر بحقه حكما جائرا بالسجن لمدة ثلاثة أعوام، وهو لا يزال قاصراً لم يبلغ الخامسة عشر، امضى منها سنتين سجناً فعلياً. بعد تحرره من المعتقل الإسرائيلي، جدد نشاطه في صفوف المقاومة الوطنية، واستشهد اثناء قيامه بواجبه الوطني في تاريخ 27/12/1976 وهو في الـسابعة عشر من العمر، وذلك على خط وقف إطلاق النار شرقي مجدل شمس، بعد أن تركته قوات الاحتلال جريحاً ينزف حتى ساعات الصباح. ودعته جماهير الجولان في عرس وطني كبير.
قبل نشوب حرب أكتوبر، اعتقلت إسرائيل عددا من الشباب الوطني في الجولان، الذين عملوا في اطار المقاومة الوطنية. كنت حينها اعمل في مدينة ايلات، أنا وعدد كبير من الذين اعتقلتهم إسرائيل من أبناء الجولان. وفي إحدى الأيام جاءنا خبر مع احد العمال الذين أتوا إلى العمل في ايلات، أن الجيش الإسرائيلي سيقوم بهدم بيت شكيب أبو جبل، الذي اعتقلته السلطات الإسرائيلية، لتزعمه شبكة المقاومة السورية التي كشف النقاب عنها، طبعا البيت لم يهدم، لكنه تحول فيما بعد إلى مكان للقاء عدد من الناشطين الوطنيين، لما شكله من عنوان بعد الأحداث التي شهدها. هناك تعرفت على نزيه ابو زيد. فقد كان شابا يافعا حسن المظهر، قوي البنية والجسم، تستبقه حماسته واندفاعه في كل شئ، وهو صغير السن نسبيا الى جيلنا نحن الذين كنا نجتمع في هذا البيت. كانت ام يوسف ورد، والدة الشهيد عزات ابو جبل، ركيزة وعماد البيت، بعد استشهاد ابنها واعتقال زوجها شكيب وابنها الثاني يوسف وصهرها عارف ابو جبل. أنا كنت عضوا في إحدى الخلايا آنذاك، التي عملت مع المخابرات السورية، التي تحولت فيما بعد الى "قسم الاستطلاع"، وخليتنا كانت مؤلفة مني ومن السيدة كاميليا ابنة عمي شكيب، وسليم منصور ابو جبل، وعدد اخر من الشباب الذين عملوا معنا في الخلية. وكنا نراقب كل زائر جديد لبيت العم شكيب، ونحتاط منه جداً، رغم أن الشهيد كان يتردد الى هذا البيت بحكم ان صاحب البيت هو من أخواله، هذا الاعتقاد كان سائداً لدينا في البداية. لكن رغم ذلك كنا في الخلية نناقش أمر هذا الشاب، حيث تحول إلى محط اهتمام كبير لدينا، إلى حين عبورنا أنا وسليم ابو جبل خط وقف إطلاق النار، لتسليم التقارير، كان هذا قبل حرب اكتوبر/تشرين بعشرة أيام. وصلنا إلى مكان الالتقاء في منطقة نبع الفوار، وفي الطريق الى هناك اخبرنا جندي سوري كان في استقبالنا وانتظار وصولنا، وهو في الأصل من قرية جباثا الخشب، جمعته علاقة حميمة جدا مع الارض المحتلة، وكان يسعد كثيرا برؤية أي "زائر جديد" من البلد. اخبرنا حينها أثناء تبادل السلامات والتحيات بانه ليلة أمس عبر بسلام شاب صغير خط وقف إطلاق النار، ثم عاد فجراً إلى البلدة. وطبعا بالاستنتاج والتحليل والاجتهاد توصلت انا وكاميليا وسليم بعد عودتنا الى البلدة، ان هذا الشاب الصغير هو ذاته نزيه أبو زيد، لكننا لم نكن واثقين، واتفقنا على أن أقوم أنا فقط بمراقبته، ومكاشفته بالموضوع تدريجيا، لأننا كنا ندرك انه يجب تنبيهه وتوعيته إلى الكثير من الأمور التي تحتمها قواعد العمل السري".
في هذه الأثناء كان سكان الجولان يستفيقون من الضربة الموجعة التي أفرزتها أحداث حرب تشرين، بعد تراجع القوات السورية من الجولان إلى داخل العمق السوري ثانية، وتعاطى ناشطو الحركة الوطنية في الجولان بحذر وترقب واهتمام شديد، مع انعكاسات حملة الاعتقالات المنظمة والعشوائية التي طالت خيرة شباب الحركة الوطنية، الذين كانوا يعملون من خلال شبكة المقاومة السورية السرية، وواجهوا سيل الإشاعات المغرضة التي بثتها إسرائيل عبر وسائل إعلامها، للنيل من العمل النضالي وتقزيمه وتشويهه، وفي نشر الافتراءات والاكاذيب عن حقيقة عمل رجال المقاومة من خلال هذه الشبكة، وبث اليأس والرعب والخوف بين صفوف المواطنين، في الوقت نفسه كانت ترافقهم تساؤلات عدة، وحكايات وقصص كثيرة، حول نتائج الحرب، التي حملت خيبة أمل جديدة، في ضياع فرصة انتهاء همهم وانتهاء مرحلة الاحتلال.كانت نتائج الحرب قد كرست الاحتلال أكثر، وامتدت أرجله إلى أجزاء أخرى في العمق السوري، قبل إجراء وتنفيذ اتفاقية فصل القوات.
انتهت الحرب، وعاد الجولان من جديد إلى همومه وأوجاعه، ويوميات أبطاله. فمن الأشياء المزعجة جدا في هذه الفترة، في حياة الشهيد نزيه ابو زيد، يقول رفيقه سلمان فخرالدين: "انعدام الخوف والتردد فيه، كنا نعتقد انه بسبب صغر سنه لا يستطيع دراسة الأشياء بموضوعية ودقة، لكن فيما بعد تأكدنا جميعاً، إن ذلك يعود إلى تركيبته النفسية، وبنيته العقلية. فهو إنسان ينجذب بقوة إلى المغامرة والمجازفة. لقد اقترب من الموت مرارا، ولكنه بجسارته نجا وأبعد الموت عنه. لم يكن يخافه، رغم انه إنسان عاطفي ورقيق جدا، نشأ في علاقة اشتباك أسرية متواصلة نتيجة ظروف معينة. حين فاتحته بأمر عمله مع قسم الاستطلاع، واخبرني بمطلق الصراحة بعد أن أصبحت علاقتي به شبه أبوية، ترتكز على الثقة والاحترام والدفء الرفاقي، لم يخشى من شئ، اعترف أمامي بعمله، لانه كان واثقا باننا نعمل في اطار المقاومة. ولكي نتأكد أكثر من حقيقة عمله، ومدى استطاعتنا في خليتنا الارتكاز عليه في عملنا، طلبنا منه إرسال إشارة سرية عبر إذاعة دمشق، حيث كانت تلك إحدى طرق الاتصال مع الأرض المحتلة، وبالفعل تم استقبال الإشارة المتفق عليها مع المسئولين عن خليتنا هناك بسرعة فائقة، حينها أصبحت العلاقة معه مفتوحة أكثر، وأصبحنا نشكل معا خلية عمل نضالية سرية واحدة، تتقاطع في عدة محاور داخل الأرض المحتلة، لكنه كان دائما يفوقنا حماسا وشجاعة وجسارة. لا استطيع الا أن اذكر أن نزيه كان على الدوام يغرد خارج السرب حاملا تمرده معه أينما ذهب، تمردا من اجل واقع أفضل، من اجل حياة أكثر استقرارا وأمانا.
احتلت إسرائيل مرتفعات الجولان في حزيران عام 1967، وكانت قواتها العسكرية تبعد اربعين كلم عن العاصمة دمشق. لم تكن هناك حرب تقليدية، وانما حرب خاطفة، أسقطت مرحلة الخطابات والشعارات القومية الرنانة، وأظهرت مدى عجز وضعف وفشل النظام الوطني والعربي في تامين سلامة أرضه، وحياة مواطنيه، وصون سيادته واستقلاله، ووصلت القوات الإسرائيلية في توغلها حتى منطقة نبع الفوار قرب بيت جن السورية. في هذه المنطقة اعتاد رواد العمل الوطني ملاقاة ضباط الاستطلاع والمخابرات السورية، فهى كانت بمثابة النقطة الآمنة لهم لتسليم التقارير والمعلومات، وقد شهدت بطولات فردية عظيمة وجليلة، كان الشهيد احد صناع تلك البطولات. ففي إحدى عمليات العبور، يستذكر سلمان: "كان الثلج يتساقط بكثافة، والبرد قارص جدا، عبر نزيه الجزء المحتل كعادته، حاملا معه عدة ملفات قيمة، ومعه صرة ملابسه، إذ كان يعمل على تصوير عبوره، في حال اعتقله الجيش الإسرائيلي، على انه هارب إلى سوريا لأسباب مختلفة، هذا الديكور والتمويه رافقه في كل عملية عبور. حين وصل الى نبع الفوار تزامن وصوله مع إحدى الدوريات الاسرائيلية، ولم يكن أمامه خيارات كثيرة، فإما أن يكتشف امره، أو يختار مكانا للاختباء، وكان هذا شبه مستحيل لطبيعة المنطقة واحوال الطقس، لكن قراره السريع كان الغوص في مياه النبع، اضطر للبقاء فيها، ولم يخرج منها إلا بعد انتهاء عمل الدورية الإسرائيلية وخروجها من المكان. كان الجنود السوريون يراقبون ويرصدون هذه المشاهد أمامهم من مواقعهم. نزيه الذي بقى يصارع الموت داخل المياة المتجمدة لم يخرج منها الا حين سمع صوت أفراد الجيش السوري الذين أتوا إلى المكان مباشرة، خرج وسقط فورا على الارض فاقدا وعيه، نتيجة تعرضة للانجماد. أفراد الجيش تعرفوا عليه فورا، فحملوه إلى إحدى ثكناتهم ودفئوه واعتنوا به جيدا، حتى استعاد عافيته، وسلم أمانته. وفي اليوم التالي عاد إلى البلدة، لكنه هذه المرة كان يلبس ملابس الجيش السوري. فورا وقبل أن يراه احد انتزعناها منه. أنا تحدثت مع كبار السن، وذهبت الى زيارة السجناء، وسالت عمي شكيب وكل من يعرف تلك المنطقة، من باب الفضول والمعرفة، عن ثلج منطقة "عرنه" والمنطقة هناك، فتجمعت لدى صور وتأكيدات انه ممنوع المجازفة في الاقتراب من تلك المنطقة أثناء الثلج، لسببين؛ الأول: إن الحركة في الثلج مكشوفة للإنسان والحيوان وكل ما يتحرك، والثاني: أن شدة البرد والصقيع في الليل تكون مميته أحيانا، فكثافة الثلج التي تتساقط هناك كفيلة بدفن الإنسان تحته. كنت سابقا قد حاولت منعه من العبور في الأيام العاصفة وخاصة الأيام الثلجية، إلا انه كان يتمسك باعتقاده فكان يقول: "إن اضمن واسلم يوم للعبور هو في اليوم العاصف. أولا: بسبب عدم وجود كمين راجل، وان كان راجلاً فهذا لبعض الوقت، ثانيا: الضجيج الناتج عن السير والمشي يضيع، هذا الضجيج من مارسه يعرف الى ما يؤدي. الجو يكون مطبق الصمت ويكون فيه السير على الحجار كمن يقرع الطبول في راسك، ثالثا: قدرتك على سماع أي صوت تكون مضاعفة جدا، بسبب حالة الخوف والتوتر والتعب التي تاخذ من حواسك كلها. فحين تكون ماشيا تكون كل حواسك مستفزة ومتنبه". كان اعتقاده قويا وناتجا عن تجاربه السابقة، لهذا يقول الناس إن الليلية التي استشهد فيها كانت عاصفة بامتياز.
ورغم اقتراب الموت منه مرارا وتكرارا، إلا إن إخلاصه لوطنه ولرفاقه دفعه لمحاكاة الموت ثانية. لقد كانت رغبته ودافعه في الحياة أقوى من الموت ذاته. هذا الموت، الذي جثم فوقه هناك، خرج خجولا أمام نظرات عيونه الحادة، وقسوة إرادته. إن في كل إنسان قوة، وفيه ضعف وخوف، لكنه عند نزيه ابو زيد كان حالة عكسية، فبدأ يستيهن بالموت ويلاعبه ويقترب منه اكثر حتى صادقه وأخاه، ولم يحدث في نفسه أي نوع من أنواع الانكسار والتراجع، فعاد من جديد يبحث عن وسيلة أكثر أمنا للآخرين قبل نفسه، في تأدية الواجب الوطني، فسلك خطوط النار بين الجولان ولبنان، لكنه هذه المرة لم يكن وحده كما يقول سلمان: "غالبا كان نزيه يُعلمني أكثر بخطواته بعد تنفيذها، لكن هذه المرة اخبرني قبل التنفيذ. وكنت اتذاكى معه لأبعث في نفسه بعضا من المحاذير الأمنية التي كان يستهين بذكائه منها. ففي إحدى الليالي توجه هذه المرة برفقة احسان ابراهيم الى لبنان، في محاولة لفتح طريق أخر مع جهاز الاستطلاع. آنذاك كان يوجد مراكز استطلاع للجيش السوري في لبنان، وتفكيره نتج بعد تكثيف التواجد العسكري الإسرائيلي في محيط نبع الفوار وقرى الريمة وبيت جن، في العمق السوري، فذهبوا إلى لبنان. وحسب خبرتي المتواضعة آنذاك، التي كنا نستمدها من رعاة الماعز وكبار السن، ان الطريق الى لبنان هي فعلا اسلم واضمن، إلا أنها محفوفة بمخاطر لسهولة رصد القوات الإسرائيلية لأي تحرك هناك، عدا كونها منطقة لانعرف تفاصيلها، والمراكز السورية تلك لم تكن مجهزة ومعدة للتنسيق مع الأرض المحتلة في نقل واستقبال التعليمات المعلومات السرية.
وكما يتطلب الوطن التضحيات والواجبات، تتطلب الحياة مستحقات العيش الحر الكريم، فعمل نزيه ابو زيد من اجل لقمة عيشه، وعاش حياته كأي مواطن أخر. عمل في مجال البناء والزراعة مع اقرب رفاقه حسين فخرالدين ورامز امين (رامز الصفدي). لم تحاكي نفسه المغريات والملذات وأهواء الشباب، فهو لم يزل بعد دون السادسة عشرة من عمره، فقد كان ينظر إلى الأكبر منه سناً بنوع من الأبوة التي تفيض احتراما ووقارا ونبلا. عاش حياته بين إخوته وأخواته وأصدقائه حرا عزيزا كريما، مدللا، وارتكب الهفوات التي تجيزها مرحلة الشباب، ومارس ببراعة هواية السباحة والرياضة، فقد كانت تتميز لديه بطقوس خاصة، لا يشعر بها إلا من عشقها وأحبها، ولم تستطع قوة أن تلهيه عن واجبه الذي اختاره في بدايات العام ،1973 فورا بعد انتهاء حملة الاعتقالات التي طالت أفراد شبكة المقاومة السورية في الجولان، واستمر في عمليات عبوره، وتنظيم أفراد آخرين، حتى انه اخترق سرا قرية حضر، فاعد خليته هناك بحكمة ودقة، وعمل هناك معهم بمفرده، واستطاع العمل مع خليه سرية ضمت ناشطين معروفين، امنيا وسياسيا، بينهم ياسين ركاب، وهو ضابط رفيع متقاعد في الجيش السوري، وطُلب منه البقاء في حضر بعد الاحتلال لأسباب معينة، وكان يتردد كثيرا على البلدة، وبنى علاقات اجتماعية قوية مع عملاء الاحتلال للتمويه على عمله السري، وهذا ما أثار حفيظتنا منه، حتى إنني هاجمته في بيت جدي أبو عدنان محمود الصفدي في إحدى المرات التي جاء يطلب مساعدته بأمور أخرى، ولم اعتذر منه كما طلب مني جدي أبو عدنان، وضمت الخلية أيضا فرحان حسون ونور الدين حسون وخزاعي حسون وزوجتة التي تميزت بالشجاعة والقوة والإصرار، وكانت تؤمن الحماية للشهيد نزيه في الرصد والتحذير ونقل الرسائل والتقارير إلى المسئولين، حتى تم كشف النقاب عن خلية حضر بكاملها، ومن بينهم الشهيد نزيه ابو زيد. لقد كان هناك رأي، ومنذ البداية، يقول سلمان: "انه ممنوع الانكشاف في عملنا السري على خلايا سرية أخرى عاملة بذات المجال، وخصيصا في قرية حضر. انا لم انسق معه في قرية حضر في البداية، الا انني اشتغلت معه على حضر من اجل ان اكون العنصر المهدئ، "المفرمل"، الغير ناجح. هو كان واثقا من خلية حضر تماماً، اما عن التنسيق الاستخباري فربما كان التنسيق مع سليم فقط، وهذا ما اعترضت أنا وكاميليا عليه بقوة. كان اعتقال خلية حضر في شهر أيار من العام 1974، قبل توقيع اتفاق فصل القوات وتنفيذه. اما خليتنا فلم تكن نعرف خلية حضر وطبيعة عملهم بشكل دقيق، إلا إنني التقيت في عين التينة مع نورالدين، وعدنا والتقينا جميعا في المعتقل. وقد ترافقت عملية الاعتقال مع وصول لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، التي تبحث في تنفيذ اتفاقية فصل القوات بين سوريا واسرائيل، وحققت بشان اعتقال إسرائيل لمواطنين من قرية حضر، وطالبت إسرائيل بالإفراج فورا عنهم قبل تنفيذ الاتفاقية وتم ذلك فعلا، لكن الإفراج لم يشمل نزيه، وباقي أعضاء خلية حضر الذي كانوا من مجدل شمس وبقعاثا، منهم نجيب القيش وعفيف محمود ومنير مزيد أبو صالح. اما أفراد خليتنا فقد تمكن سليم من الهرب إلى الداخل السوري قبل اعتقالي بيوم واحد، وتمكنت كاميليا كذلك من الهرب بعد اعتقالي. وبخصوص احسان الصفدي فقد هرب قبل اعتقال نزيه، وهرب ايضا فؤاد سليم مرعي، وتمكن احسان ابراهيم من الهرب ايضا قبل اعتقالي.
ورغم صغر سنه تعامل الشهيد نزيه مع محققيه الإسرائيليين بشكل واع وصلب. كان الإسرائيليون يتفنون في تعذيبه ليخيفوا باقي المعتقلين فيه، وليكون عبرة لهم، ولكنه لم يعترف بسهولة. في المعتقل لا مكان للإخفاء، خاصة وان كانت تجربتك هي الأولى، إلا إذا بنيت نفسك ثقافيا وتنظيميا، وهذا ما افتقده رواد العمل الوطني والنضالي في الجولان، وما زال مفقودا حتى يومنا هذا، فمعظم مجموعات العمل الوطني سارت بأرجلها وهفواتها وأخطاءها الى ذات المذبحة، فكل مجموعة وخليه عملت لوحدها بمعزل عن تجارب الذين سبقوهم، ولم يحدث مطلقا ان تشكلت مجموعة واحدة تداخلت فيها الأجيال والتجربة. إن القدرة على الصمود في اقبية التحقيق ليست مستحيلة ، لكنها نادرة وقليلة، فلا يوجد هناك توازن قوى، ورغم ان الاعتراف ليست جريمة وليست أمرا معيبا، الا انه يتوالد لديك شعور بالضعف. ويضيف سلمان: "نزيه تفوق أيضا هنا على الجميع، فهو لم يعترف قبلنا، ولم يأت على ذكري شخصيا، او ذكر من يعرفه في الخلايا السرية التي عملت وكان على علم بها، بالعكس أنا اعترفت قبله، بعد أن كان قد انتهى كل شئ. التحقيق حالة منسية وأحيانا تشعر بالراحة لأنك اعترفت. كل ما تملكه من معلومات هذا أمر مخيف جدا، وخوفنا هنا كان مضاعفا، الخوف من ما تملكه من معلومات والخوف من التحقيق ذاته، رغم انني اليوم وبعد تراكم التجربة لدي أقول، انه لايجوز تقزيم او تعظيم دور رجال المخابرات، لانههم يعملون في جهاز يعاني من الضعف البنيوي، رغم نجاحاته الكبيرة. انتهت تجربة التحقيق وبقيت مع نزيه في مركز التحقيق في عكا والجلمة وكفار يونا ومعتقل الرملة، حتى تم نقله الى معتقل الدامون.
نزيه ابو زيد استطاع ان يكسب تعاطف ومحبة كل الذين تعاملوا معه، حتى اثناء محاكمته في تلك الغرفة في الجهة الغربية من البناية التي كانت معدة لتكون مشفى صحي في مجدل شمس، وحولها الحكم العسكري الاسرائيلي الى مقر للمحكمة العسكرية الإسرائيلية، لمحاكمة الوطنيين السوريين في الجولان، في مرحلة السبعينيات، كان صغر سنه وملامحه الطفولية البريئة تقتحم قلوب الآخرين.
تجربة السجن مع نزية، يتابع سلمان حديثه، "تميزت في انها كانت ممتعة لسببين. الأول: شغف نزيه باكتساب المعرفة والثقافة والتعليم، والثاني شكله الخارجي الطفولي البرئ، تركيبة وجهه وتقاسيم حواجبه وبنية شعره وحماسه المنقطع النظير بالانضباط وممارسة الرياضة، والتزامه بمواعيد الجلسات الثقافية. كنت وإياه نشعر بدلال خاص من باقي المعتقلين لصغر عمرنا، لكنه حاز على المكانة الأكبر بالطبع، فأبناء قسم من المعتقلين كانوا في مثل عمره، إضافة الى وجود عدد غير قليل من المعتقلين هم من أخواله. لم أكن أتخيل أن اذهب الى مكان يوما ما وكان لدى مثل ذاك الفرح الذي شعرت به، يصعب على الإنسان تخيل هذه الفرحة إلا إذا عايش هذه التجربة، فأكثر من 20 معتقلا كانوا من نفس البلدة، تشعر بأنك ما زلت في ساحة البلدة، الأمر الذي جعل بدايات هذه التجربة مريحة وسهلة نوعا ما.
تجربتي مع نزيه في المعتقل كانت قصيرة نسبياً، شهر في معتقل عكا والجلمة، وخمسة اشهر في الرملة، بعدها صار انقطاع فيما بيننا بعد خروجه من المعتقل في حزيران العام 1976. في هذا العام تعرضت الحركة الوطنية السورية في الجولان مرة أخرى إلى حملة اعتقالات كبيرة، ولربما كان لدى الشهيد نزيه ورجال الاستطلاع في الوطن تخوف ما من حدوث فراغ استخباري ومعلوماتي، لهذا استجمع نزيه كامل طاقته، واتصل ثانية مع قسم الاستطلاع، ليكمل مشواره ونشاطه، واستمر في ممارسة طقوس العمل السري، والاقتراب من لعبته المفضلة مع الموت.
نزيه ابو زيد جسد استثناءًا منقطع النظير في الجولان، فمعظم الذين دخلوا المعتقل نتيجة العمل السري المقاوم اختاروا بعد خروجهم منه سبلا نضالية اخرى، تتوافق مع سبل عيشهم ومعيشة أسرهم الخاصة، وهذا امر تشرعه الحياة والظروف والمنطق، فعملوا على ترميم وبناء حياتهم الاسرية والعائلية والاقتصادية، تاركين المعتقل وأوجاعه وافرازاته على أجسادهم وصحتهم وظروفهم، وهموم الوطن إلى ذكرياتهم وامكانياتهم، لكن الشهيد نزيه ابو زيد قام بتكرار ما فعل بقصد واصرار وقناعة، لم يقم أحدا من قبل بتكرار وتجديد نشاطه السابق، كما فعل نزيه، وهذا ينطبق على الجميع، وقد ينطبق على من سيأتي، لان هذه البطولة الفردية تكون استثناء بالمعني الايجابي للكلمة".
ويتابع سلمان فخرالدين: "هناك سنتين بين دخوله إلى المعتقل ولحظة استشهاده، وبينهما لا اعلم كم من المتغيرات التي طرأت عليه، وما هي الظروف الذاتية والعقلية والنفسية، التي رافقت عمله النضالي والاجتماعي، لكنه نسج علاقات اجتماعية جديدة، أضيفت إلى علاقاته السابقة، وأصبح أكثر حرصا، لكنه تمسك أكثر بقناعاته حول أفضل الظروف لعبور خط وقف إطلاق النار، وهنا أنا أتخيل إنها المرة الأولى والأخيرة التي خانه فيها هذا الحس، وهذا الشعور، وهذه القناعة، بسبب انه استشهد اثر تعرضه إلى لغم ارضي، وليس بسبب إطلاق النار عليه، فتحول "صديقه"، الطقس العاصف والمظلم، إلى عدوه، فخانه هذه المرة".
استشهد خالد الذكر نزيه ابو زيد،وهو يحمل في داخله ذات الشجاعة والجسارة التي عرفها فيه كل من عرفه يوما، لم يكن يخاف الموت، ولكنها بقيت تلك التساؤلات، تداهم أصدقائه وأهله، كلما مرت في الذاكرة صورا لحياة نزيه ابو زيد. ماذا كان يشعر ما بين إصابته وموته؟؟ وهل اجتاحه هذا الخوف للحظة واحدة حين انفجر فيه ذاك اللغم، وماذا كان يقول عبر صوته الأليم بعد إصابته؟؟ وهل كان ينتظر حريته وحرية بلده، ام هي تلك الحرية التي كانت في الانتظار... ما زال صوت إطلاق الرصاص، على الشريط الشائك تعيد الى ذاكرة سلمان فخرالدين، والى والدته واهله واصدقائه، ردة فعل لن يفهمها ويدركها سواهم هم انفسهم، لما تركه نزيه في نفوسهم وذكرياتهم من بصمات وصور وحكايات.
يحتل الشهداء في الجولان مرتبة عالية من درجات القداسة والخشوع والإجلال، فهم سواسية، جمعتهم تضحياتهم ودمائهم العطرة، وهذا الوطن المقدس، لكنه يمتاز عن الآخرين بأنه بدأ حياته السياسية والنضالية ولم يكمل ربيعه الخامس عشر بعد، وانخرط في العمل السري، بأشد ظروفه الخطرة، واعتقل ولم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وجدد نشاطه النضالي بحماس وانضباط وقناعة اكبر بعد الإفراج عنه، واستشهد قبل أن يبلغ العشرين من عمره. لم تسجل أخطاء عليه، ولكنه سجل علينا نحن أخطاءنا، وغفر لنا الأشياء التي لم نغفرها نحن".
السلبية الوحيدة التي استطيع أن أقولها، يضيف سلمان: "هي زيادة الايجابيات في داخله وفي مسلكياته. فهو حاز على القيمة المضافة من الإيجاب، عايشته عن قرب لثلاثة سنوات ولم أر فيه سوى الأمور التي تزيد في صالحه وايجابياته، ربما لانعدام السلبيات فيه وهذا أمر وارد، لكن استشهاده وبراءته ومسيرة حياته كلها خلت من المساوئ تجاه الناس، وهذا أمر جعل كل الناس تحبه. نحن بشر في حياتنا الطبيعية نغفر للميت كل مساوئه وأخطائه، ونتركها لأنفسنا فقط. لكن لدى نزيه لم يتح له الموت ليسجل أخطاءه. كنت اعتقد إنني لن استطيع تعبئة الفراغ الذي تركه نزيه في نفسي، ولكن طبيعة الحياة تفرض قيودها وشروطها.
استشهد نزيه هاني أبو زيد في ليل السابع والعشرين من شهر كانون الأول من العام 1976، بعد أن داس على لغم ارضي زرعته قوات الاحتلال الإسرائيلي، بعد اتفاقية فصل القوات في العام 1974 بين سوريا وإسرائيل، وهو يؤدي واجبه الوطني. استشهد جراء أصابة بالغة في رجله، ولم يلفظ أنفاسه الأخيرة الا عند الصباح، كان سكان الحارة الشرقية يسمعون صراخه منذ ساعات الليل الأولى، ولم تتدخل قوات الجيش الإسرائيلي لإنقاذ حياته، وانما تركت دماء جسده الطاهرة تنزف منه حتى توقفت دورته الدموية عن تجديد نفسها. وفقط بعد استشهاده دخل الجيش الإسرائيلي، لسحب جثمانه من حقول الألغام التي زرعتها قواته في المنطقة التي تعتبر جزء من الأراضي المنزوعة السلاح التي تشرف عليها القوات التابعة للأمم المتحدة العاملة في الجولان، وبقي جثمانه الطاهر محتجزا تحت مسؤولية قوات الاحتلال طيلة أربعة أيام، إلى ان تم تسليمه الى أهله ووري الثرى في الأول من كانون الثاني من العام 1977.( مقتطفات من ذكريات  سلمان فخرالدين حول الشهيد .منشورة في موقع الجولان: نزيه ابو زيد تراجيديا وبطولة.. إعداد أيمن أبو جبل )

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات