بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الأثار في الجولان >>
 الآثار في الجولان والانتهاكات الإسرائيلية
  07/12/2010


 الآثار في الجولان والانتهاكات الإسرائيلية

الجزء الأول:

الاعتبارات الصهيونية الناظمة للتنقيب عن الآثار في الجولان

موقع الجولان / د. عزالدين سطاس


تعتبر منطقة الجولان، أكثر المناطق، التي تناولتها الدراسات والحفريات الإسرائيلية، بعد مدينة القدس ومحيطها، وقد انطلق هذا النشاط المكثف من اعتبارات أيديولوجية، وتاريخية، وسياسية وجغرافية، يمكن اختصارها في عبارة "كنا هنا"، وعبر عنها الكاتب الإسرائيلي ميخا ليفني، بقوله: استطعنا أن نبني جسرًا قويًا، بيننا وبين أجدادنا، الذين عاشوا هنا، قبل ألفي عام في جملا، وقبل ١٥٠٠ / عامًا في كاتسرين وأقمنا علاقة نفسية عميقة، ومتشعبة تجاه المنطقة".لقد اعتمدت الصهيونية وإسرائيل على ما ورد في الرواية الدينية اليهودية، من أسماء المواقع
والمناطق، والأحداث التاريخية، فقد ورد اسم الباشان ٥٩ مرة في التوراة، كما ذكرت أشجار سنديان الباشان وغاباتها خمس مرات في الكتب الأخرى، وكذلك ورد سكان هذه المنطقة ست مرات، ويذكر أن الأدبيات الصهيونية والإسرائيلية تعتبر الجولان جزءًا من الباشان. واعتمدت على إدعاء بوجود يهودي في المنطقة، علمًا بأن المصادر الإسرائيلية ذاتها تعترف بأن هذا الوجود، جاء نتيجة غزو للمنطقة، أو نتيجة هرب من غزو، أو حكم جائر، وأنه لم يدم طوي ً لا، ولم ينتشر إلا في نطاق ضيق، لم يتجاوز إطار الجالية، ولم يلعب أي دور يذكر في تاريخ المنطقة وتطورها. لقد كانت منطقة الجولان باستمرار، في إطار الدويلات والممالك العربية، التي قامت في المنطقة، ولا سيما ممالك دمشق، وتمكن سكانها العرب من إنجاز الثورة الصناعية الأولى، وتطويرها عبر مختلف العصور، وخير شاهد على هذا التطور والتقدم الاقتصادي والاجتماعي اللافت للنظر، هو ما خلفه قدماء العرب في الجولان من الأوابد والآثار. أيضًا، اعتمدت على بعض الرموز، التي وجدت في المواقع الأثرية، على شكل نقوش بديعة، تمثل بعض حيوانات البيئة ونباتاتها، كالسمكة، والنسر، والأفعى، والأسود، والعنب، وهي رموز عامة، استمدت مادتها من البيئة المحلية، لا من خصوصية ثقافية، يمكن حصرها بهذا الشعب أو ذاك.
لقد خلد الإنسان القديم، في مختلف أنحاء العالم، بعض الحيوانات والنباتات، التي تميزت عن غيرها، بصفات حظيت باهتمام الإنسان، حتى أن العديد من شعوب العالم، تولي أهمية خاصة حتى
اليوم، لبعض الحيوانات والنباتات، وتتخذ منها رموزًا، ودون أن يعني هذا خصوصية ثقافية، لهذا الشعب أو ذاك، حيثما وجد هذا الرمز، فالسمكة قاسم مشترك لدى جميع الشعوب البحرية، والعنب يعتبر قاسمًا مشتركًا، لدى جميع الشعوب، التي تنبت الكرمة في أراضيها بكثرة، والأسود رمز القوة قاسم مشترك لدى جميع الشعوب التي عاشت في أراضيها، ولا تعني الورقة التي تزين العلم الكندي،بأن هذا النبات خاص حيثما وجد، فقط بكندا أو الكنديين كما أن الذئب الذي يتخذه الشيشان رمزًا لهم، لا يعني أن الذئب حيثما وجد خاص فقط بهم. إن الاهتمام بهذه الرموز، يجسد وجود هذه الحيوانات والنباتات في البيئة المحلية، كما يجسد اهتمام الإنسان بها لاعتبارات مادية أو روحية، وكذلك يجسد طبيعة الإنسان، ممثلة في التعبير عن المشاعر، وقد خلد أبناء الجولان العرب هذه الحيوانات والنباتات تعبيرًا عن كل هذا وذاك. وكذلك اعتمدت على بعض الرموز اليهودية، كالشمعدان، والقطع النقدية، والكتابات العبرية، وبقايا الكنس اليهودية، وهي رموز، حتى وإن افترضنا وجودها جد ً لا فإنها لا تعني في أي حال من الأحوال، بأن أرض الجولان يهودية ولا تعطي لإسرائيل أي حق، في أي شبر من أراضي الجولان. إن وجود صليب معقوف على صخرة في أنغولا، لا يعني أن أنغولا أرض ألمانية، كما أن وجود كتابة كيريلية على صخرة في شمالي القفقاس، لا يعني بأن هذه المنطقة أرض روسية، وكذلك لا يمكن اعتبار القطب الجنوبي أرضًا أمريكية، لمجرد العثور في أعماق جليده على قطعة دولار معدني.
لقد أوضح استعراض هذه الرموز زيف الادعاءات الإسرائيلية، وأكد بأن إسرائيل زورت العديد من الآثار المكتشفة في الجولان، وفق مخطط مدروس، استهدف دعم المقولات الصهيونية بوثائق مادية، يمكن أن توظف في تسويغ احتلالها للمنطقة، وتبرير أطماعها التوسعية. تعترف المصادر الإسرائيلية بأن الشمعدانات المكتشفة ليست متطابقة، وأنها تختلف من موقع لآخر، فهناك شمعدانات ثلاثية، وأخرى خماسية، وسداسية، وسباعية، وحتى ثمانية، وقد طرح هذا الاختلاف تساؤلات كبيرة، لدى الأوساط الإسرائيلية نفسها، التي عجزت عن تفسير هذه الظاهرة، وعن تقديم إجابة مقنعة، حول هذه الإشكالية. إن هذا التباين ينفي الطابع الديني لهذه الشمعدانات، وبالتالي ينفي الخصوصية اليهودية عنها، إذ من المفروض أن تكون الشمعدانات موحدة في مسألة عدد الرؤوس، إذا كانت فع ً لا خاصة بعقيدة دينية واحدة، لأن المغزى في هذه الحالة يكمن حصرًا في عدد الرؤوس، ويؤكد أن هذه الشمعدانات ترمز لمسائل حياتية أخرى، وربما لمسائل روحية، لا علاقة لها باليهود واليهودية. أيضًا اعتمدت على قطع نقدية، ادعت الأوساط الإسرائيلية اكتشافها في الجولان، تنحصر في عدد قليل جدًا من القطع، باعتراف هذه الأوساط، في دلالة واضحة، إلى أنها بقايا حركة تجارية، عابرة لا أكثر ولا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تشكل مثل هذه القطع مادة وثائقية حاسمة، في مسألتي الملكية والحضور الفاعل، لقد تميزت النقود بالانتشار خارج حدودها الوطنية، منذ أن بدأ استخدامها في العالم. وكذلك، اعتمدت على نقوش تحمل كتابات عبرية، وأخرى آرامية ترد فيها أسماء يهودية، وذلك في إطار المحاولات الرامية إلى التأكيد على وجود يهودي في المنطقة، والسعي إلى الوصول إلى تبعات مثل هذا التأكيد، وتتميز هذه الكتابات، أيضًا باعتراف الأوساط الإسرائيلية، بقلة عددها، واقتصارها على جمل بسيطة، لا تحمل أي مضمون، أو مغزى سياسي، إنها مجرد جملة أو جملتين في كل نقش، تشير مضامينها إلى موضوع شخصي بحت.
إن وجود اسم عبري في جملة مبتورة، نقشت على صخرة، وجدت في موقع ما، لا يعطي للموقع هوية يهودية، فقد انتقلت الكثير من أسماء العلم، ولا تزال تنتقل حتى اليوم من لغة لأخرى، ولعل اللغة العبرية هي من أكثر اللغات في العالم، التي أخذت من غيرها من اللغات الأخرى، مفردات وأسماء علم، ولا سيما من اللغة العربية. ويلاحظ من استعراض الكنس المزعومة، بأنها تختلف في اتجاه واجهاتها، من موقع لآخر، إذ تتوزع هذه الواجهات على اتجاهات ثلاث، هي الشمال والجنوب والغرب. في التقليد الديني، يجب أن تأخذ الواجهة اتجاه القدس، وبما أن منطقة الجولان، تقع إلى الشمال من القدس، فإن الواجهات يجب أن تأخذ اتجاه الجنوب، فلماذا لم تأخذ هذه الكنس اتجاهًا واحدًا، تجسيدًا لوحدة الدين؟!.. ولماذا خالفت واجهات بعضها اتجاه الجنوب؟!. وإذا كانت احتمالات الخطأ واردة، بين اتجاهي الغرب والجنوب، بحكم التقارب، فإنه مما لا شك فيه، استحالة احتمال الخطأ، ما بين اتجاهي الشمال والجنوب، فهما على طرفي / ١٨٠ / درجة، وهناك في الجولان أكثر من معلم طبيعي، يشكل نقطة علام، في مسألة الاتجاهات. لكن ما هو السر في هذه الإشكالية؟! أهو الجهل في الاتجاهات؟! أم تعدد المواقع، التي يتوجه
نحوها اليهود في صلواتهم؟!. تأكيدًا، لا هذا ولا ذاك، فقد بنيت هذه الكنس بحسب الرواية الإسرائيلية، في العهد البيزنطي، أي في الفترة التي كانت فيها الشعوب على دراية كاملة بجميع الاتجاهات، ويتوجه اليهود في صلواتهم حكمًا نحو القدس، التي تقع دون أدنى شك إلى الجنوب من الجولان. ويكمن السر في أن الأوساط الإسرائيلية، سعت إلى إعطاء بعض بقايا الأبنية القديمة في الجولان طابعًا دينيًا، في إطار محاولاتها الرامية إلى إثبات ادعاءاتها بما يعرف بالحق التاريخي، ولجأت إلى ترميم بعض الأبنية، بهدف إعطائها شكل الكنس.
الانتهاكات الصهيونية والاسرائيلية لاثار الجولان  تتمثل هذه الانتهاكات، في عمليات الاستكشاف، والمسح الأركيولوجي، وعمليات الحفر والتنقيب، ونهب المواقع، وسرقة القطع الأثرية الثمينة، ونقلها إلى إسرائيل، وعمليات التزوير والتخريب، وقد شاركت في هذه الانتهاكات جهات رسمية بما فيها الجيش الإسرائيلي، وأخرى غير رسمية، ويمكن تقسيم الفترة التي جرت فيها هذه العمليات، وفق بداياتها الزمنية، إلى مرحلتين رئيستين، وذلك على النحو الآتي:
اولاً : مرحلة ما قبل قبل قيام اسرائيل، أي الانتهاكات الاسرائيلية

بدأت عمليات انتهاك آثار الجولان، قبل قيام إسرائيل بمدة طويلة، في دلالة واضحة إلى قدم الأطماع الصهيونية في هذه المنطقة، وطبيعتها العدوانية فقد أبدت صهيونية الأغيار اهتمامًا خاصًا
بمنطقة الجولان وآثارها، منذ أن تبلورت هذه الحركة، في أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونفذت المنظمات التابعة لها عمليات استكشاف عديدة، شملت فلسطين ولبنان والجولان وحوران والأردن، وقامت بعمليات مسح طبيعي وآثاري في هذه المناطق، بحثًا عن آثار يهودية، يمكن توظيفها، في مسألة تجسيد المشروع الصهيوني، وقد استكملت الصهيونية اليهودية، قبل قيام إسرائيل هذه العمليات للغاية نفسها، وفيما يلي بعض هذه النشاطات:
- في عام ١٨٦٩ قام الكابتن وارن، من صندوق استكشاف فلسطين، بزيارة قمة حرمون، وبحث في الموقع عن آثار يهودية.
- في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، وأوائل ثمانينياته، قام الصهيوني الإنكليزي لورانس أوليفانت بأكثر من زيارة للمنطقة، استكشف خلالها عدة مواقع، وأعد دراسة حول إمكانات المنطقة وآثارها، بهدف توطين يهود أوروبا الشرقية في الجولان.
- في النصف الأول من ثمانينات القرن التاسع عشر قام المهندس الألماني الأصل، جوتليب شوماخر بزيارتين للجولان، وأنجز خلالهما أول مسح أركيولوجي للجولان، وأعد دراسة جغرافية حول المنطقة، تناولت بشكل أساس المواقع الأثرية، والتركيب السكاني، وأنماط المعيشة والمياه، ويذكر أن شوماخر قدم إلى المنطقة، تحت غطاء مهمة كلف بها، لدراسة إمكانية بناء خط حديد دمشق- حيفا، واقترح في حينه أن يمر هذا الخط عبر وادي السمك، بدلاً من وادي اليرموك، لاعتبارات خاصة بالمشروع الصهيوني.
- في عام ١٩٠٥ نقب كل من الألمانيين كوهل ووانتسينغر في موقعي الدكة وأم القناطر بالجولان.
- في عام ١٩١٩ ، توجهت مجموعة من اليهود إلى أعلى قمة في الحرمون، ونقب أفرادها عن الآثار في المواقع، ورفعوا فيه علمًا يهوديًا.
- خلال عامي ١٩٢٩ و ١٩٣٠ استطلع ف. بار اون منطقة الجولان، ونقب في موقع باب الهوا، شمال غرب القنيطرة.
- في عام ١٩٣٢ ، قاد أ. ل. سوكنيك بعثة من باحثي الجامعة العبرية بالقدس، للتنقيب في موقع الحمة.
ثانياً: مرحلة ما بعد قيام اسرائيل واحتلال الجولارن في العام 1967 اي الانتهاكات الاسرائيلية.
يقول الكاتب الاسرائيلي مائير بن دوف:
"مع انتهاء حرب حزيران، تقرر هدم جميع القرى في الجولان، وبدأت أعمال التنقيب في بانياس، بعد الحرب بمدة قصيرة، لقد أخذت سلطة الآثار القديمة، وسلطة المحافظة على الطبيعة على عاتقها، مسؤولية تنفيذ عمليات الحفر والتنقيب في بانياس".
ما تقدم يؤكد دون أدنى شك، إن إسرائيل اتخذت قرارين عن سابق تصميم، منذ الأيام الأولى للاحتلال، بدلالة السرعة التي اتخذت فيها هذين القرارين، والإجراءات التي اتخذتها لاحقًا، في سياق
محاولات طمس الهوية العربية السورية للجولان، وضم هذه المنطقة إلى إسرائيل. ويتضمن القرار الأول تدمير القرى والبلدات والمدن القائمة في الجولان، ويتضمن الثاني التنقيب عن الآثار في
الجولان. ويتضح من استعراض النشاطات الإسرائيلية اللاحقة، بأن القرار الأول استهدف ما يلي:
- مسح مراكز العمران تأكيدًا على الطبيعة العدوانية، والنوايا المبيتة حول ضم الجولان.
- استخدام حجارة البناء المنحوتة في بناء المواقع والتحصينات العسكرية.
- التمهيد لتنفيذ القرار الثاني، حيث تقوم مراكز العمران في الجولان تقريبًا في المواقع الأثرية. وتعتبر جميع هذه الإجراءات والنشاطات انتهاكًا صارخًا للقوانين والأعراف الدولية، وقد شارك فيها المستوى الرسمي وغير الرسمي على حد سواء، ويمكن تقسيم هذه المرحلة، وفق المكان والزمان، إلى فترتين وذلك على النحو الآتي:
1. الانتهاكات التي نفذتها اسرائيل في المنطقة التي احتلتها في العام 1967
أ‌. عمليات البحث والتنقيب الرسمية :

نفذت إسرائيل عمليات استكشاف للمواقع الأثرية في المنطقة، وأجرت عمليات مسح أركيولوجي،ونقبت في جميع المواقع الأثرية، وفيما يلي شهادات واعترافات إسرائيلية، تؤكد بعض هذه الانتهاكات:
جاء في كراس للباحث تسفي معوز ما يلي:
." - "استؤنفت عمليات التنقيب عن الآثار، بعد احتلال الجولان في حزيران
- " جرت دراسة أثرية وطبيعية في الجولان، من قبل مجموعة من الباحثين، منهم: شمريا جوتمان، وكلير افشتاين، واسحاقي جال، ودان اوركان، وتسفي ايلان، وشموئيل بارليف
." ص ٣
." - "منذ أيار من عام ١٩٧٨ قام تسفي معوز بأعمال تنقيب في موقع كنف
- " في عام ١٩٦٨ نقب شمريا جوتمان في موقع كتسرين، وفي عامي ١٩٧١ و ١٩٧٢ نقب داني اوركان في الموقع نفسه، وفي عامي ١٩٧٦ و ١٩٧٧ نقب مناشي بن آري في الموقع
. نفسه" ص ١٥
- "اكتشف تامير ايشل موقع العسلية في عام ١٩٧٦ ، ودرسه مناشي بن آري، وشموئيل بارليف، وحاييم بن دافيد وغيرهم، وجرت عمليات قياس الحطام المتبقي، ووصف التفاصيل الهندسية المعمارية في عام ١٩٨٧ " ص ١٧
- "خلال المسح الأثري في عام ١٩٦٨ ، عثر في موقع ضبيه على بناء قديم، وقام ضابط الدراسات الأثرية، بنقل الكتابات اليونانية من الموقع في عام ١٩٧٠ ، كما عثر في الموقع
" على بقايا عمران قديم في عام ١٠٧٥ ، وسجلت المعلومات الخاصة بالموقع في عام ١٩٧٨  ص ١٩
- "اكتشف اسحاق جال موقع عين نشوط، وقام كل من شموئيل بارليف، و م. هارتال بدراسة أولية للموقع في عام ١٩٧١ ، وبدأ موسم الحفريات الأول في الموقع بإدارة تسفي معوز في
. صيف وخريف عام ١٩٧٨ " ص ٢٢
وكتب مائير بن دوف يقول:
- في أعقاب حرب حزيران، فتح مجال واسع للأبحاث الأثرية… وتم استطلاع الجولان بصورة جذرية، وجرت فيه حفريات أثرية واسعة".
- "منذ نهاية حرب حزيران عام ١٩٦٧ ، توجه عالم الآثار الدكتور شمعون در مع طلابه عدة مرات إلى جبل حرمون، وأجرى حفريات في عدة مواقع… وقد توغل در حتى عمق ١٠
كم شمال بانياس.".
كما كتب يهودا هاريئيل يقول:
- "بدأت في عام ١٩٦٨ عمليات استكشاف طارئة في الجولان، برئاسة شمريا جوتمان… وأخذت الحفريات والأبحاث أبعادًا جديدة، مع تشكيل بعثة أرض "جيشور" بجنوبي
الجولان… وقد عملت هذه البعثة وفق مجموعات، واصلت عملها في عام ١٩٨٨ برئاسة كل من موشي كوخافي وفرحيا باك".
- - "عمل البروفسور كوخافي في موقع تل الخضر".
- " في عام ١٩٨٨ ، ولمدة أربعة أسابيع، نقب الدكتور رامي عريف، من معهد دراسات الجولان، في موقع البطيحه "بيت تسيدا".
- "منذ عام ١٩٧٦ ، يعمل شمريا جوتمان ومساعده دافيد فاغنر في عمليات التنقيب في موقع جملا = دير قروح".
وكذلك كتب ميراف نيشر يقول:
- " حتى أيلول من عام ١٩٧٧ ، جرت تسع عمليات حفر في موقع ليفئا= لاوي، وقد أشرف على هذا المشروع كل من البروفسورين موشي كوخافي، وفرحيا باك من جامعة تل أبيب".
وقد أوضح المسح الأركيولوجي، الذي تم في عام ١٩٦٨ ، وجود نحو / ٢٠٩ / مواقع أثرية في هذه المنطقة، تتوزع على مختلف أنحاء الجولان، أي بمعدل موقع أثري في كل / ٥,٦ / كم ٢، ولا يشمل هذا الرقم المئات من القبور القديمة، التي تعرف بقبور الدولمان. يؤكد ما تقدم النشاط الإسرائيلي، وتواصله منذ عام ١٩٦٨ ، والإصرار على انتهاك هذه الآثار، ونهبها، وتخريبها، كما يؤكد غنى المنطقة بالآثار، وقد أعرب الإسرائيليون عن دهشتهم من مستوى المحافظة على هذه الآثار قبل احتلال الجولان، عبر عنها الكاتب الإسرائيلي يهودا هاريئيل، إذ كتب
يقول: "إن الأمر المفاجئ، هو:  الدرجة التي تمت فيها المحافظة، على البقايا الأثرية في الجولان".
ب. عمليات النهب الرسمية
لا تتحدث المصادر الإسرائيلية عن مصير اللقيات الأثرية بشكل واضح ودقيق، وتفرض تعتيمًا على هذه المسألة الهامة، رغم الحديث عن النشاط المكثف لعمليات الاستكشاف والمسح والتنقيب،
والتأكيد على ضخامة هذه اللقيات، والاعتراف بأهمية المكتشفات وقيمتها، وتكتفي بالإشارة إلى وجود متحف في مستوطنة كاتسرين بوسط الجولان، يضم عشرات الآلاف من اللقيات الأثرية، غير أن الكاتب يهودا هاريئيل أكد أن بعض اللقيات تم نقلها إلى متحف إسرائيل، دون أن يحدد نوعية هذه اللقيات، وقيمتها، وأسباب نقلها. وتمتنع هذه المصادر عن الحديث بالتفصيل عن هذه الآثار واللقيات، باستثناء اللقيات التي تدعي بأنها يهودية، فإنها تتحدث عنها بالتفاصيل الدقيقة، في محاولة منها للإقناع بأنها يهودية.
ج. عمليات التخريب الرسمية
أكد دورون هاري من مدرسة الجولان الميدانية بأن الأبنية والقطع الأثرية الموجودة في الجولان، منذ آلاف السنين، ولا سيما العتبات والأعمدة، قد أصيبت بأضرار بالغة، نتيجة استخدام الدبابات، والقذائف الخارقة للدروع، والمواد الناسفة على اختلاف أنواعها، في المناورات والتدريبات، التي يجريها الجيش الإسرائيلي بشكل دائم في الجولان، ويذكر أن الجيش الإسرائيلي حول مناطق واسعة في الجولان، إلى حقول تدريب، ورمي لسلاحي المدرعات والطيران، رغم صغر مساحة الجولان، ورغم تأثير هذه العمليات على الآثار والبيئة في آن واحد.
د.الانتهاكات الغير رسمية  تتمثل هذه الانتهاكات في عمليات التنقيب العشوائي، وتخريب الأبنية الأثرية، ونهب اللقيات القيمة وسرقتها، من قبل الأفراد والمنظمات، فقد قامت الحركة الدينية /ك. ش. ت/ بتخريب الآثار في موقع قلعة الحصن= سوسيتا، بشكل قاس، واقتلعت الأعمدة، وحطمت الأقواس، وانتزعت التيجان، وخربت الأرضيات الفسيفسائية.
وفي التحقيق الصحفي، الذي أجراه كينث هاريس، مراسل صحيفة الأوبزرفرر اللندنية في أواخر عام ١٩٧٣ ، مع وزير الدفاع السابق موشي ديان، كشف هاريس النقاب عن العشرات من أثمن وأروع القطع الأثرية، التي نهبها ديان، من المواقع الأثرية في فلسطين والجولان، حتى اضطر يغآل آلون، الذي شغل آنذاك منصب نائب رئيس الوزراء، إلى فتح تحقيق في هذه الفضيحة.
وقد تحدثت الصحف الإسرائيلية عن هذه الفضيحة ومثيلاتها، وطالب متحف كاتسرين بإعادة الآثار المسروقة، التي تضم قاعدة عمود من البازلت الرخامي على رأسها تاج جميل، و لاشك في أن
ديان، لم يجمع هذه القطع القيمة بجهد فردي، فقد أشغل ديان منصبه، في تسخير عناصر الجيش الإسرائيلي، في عملية نهب هذه الآثار، تحت ستار الضرورات الأمنية، ويقال أن العديد من القطع
النادرة، انتهت بطرق مماثلة إلى قصور العديد من أثرياء أوروبا والولايات المتحدة.
ثانياً: الانتهاكات في المنطقة التي احتلتها اسرائيل في عام 1973
تعرف هذه المنطقة بالجيب، وتضم أجزاء من منطقتي وادي العجم والجدور، وقد قامت إسرائيل، عقب احتلال هذه المنطقة مباشرة، بعملية مسح أركيولوجي للمنطقة شملت / ٣٦ / موقعًا، منها على سبيل المثال مواقع جبا ودير ماكر وكفر ناسج، رغم قصر فترة الاحتلال، الأمر الذي يؤكد مدى الأطماع الإسرائيلية في آثار الجولان ومحيطه.
ثالثاً : الاطراف التي شاركت في الانتهاكات
يلاحظ من استعراض المعطيات الإسرائيلية كثرة عدد الجهات، التي شاركت في عمليات انتهاك الآثار العربية السورية، وتضم جميع الجهات العاملة في مجال الآثار، والسياحة، والبيئة، والجيش،
والجامعات، إضافة إلى بعض الجامعات الأجنبية، ولعل من أنشط هذه الجهات هي هيئة الآثار القديمة، وجمعية دراسات أرض إسرائيل وآثارها، وجامعات بار ايلان، وتل أبيب، وحيفا، والجامعة العبرية بالقدس، ومعهد دراسات الجولان. بشكل عام، تعود بدايات عمليات الاستكشاف، والتنقيب الأركيولوجي، في فلسطين ومحيطها العربي، إلى الجمعيات الأوروبية، ولا سيما صندوق استكشاف فلسطين، فقد قامت هذه الجمعيات، التي شكلتها صهيونية الأغيار، بنشاط مكثف، في بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في محاولة منها إثبات جغرافية الرواية الدينية اليهودية، تمهيدًا لتأسيس الحركة الصهيونية، وتوفير العامل التاريخي للمقولات الصهيونية، ولا سيما الآثار، التي يمكن أن تشكل وثائق مادية هامة، في مسألة الحق التاريخي"، وكانت هذه الجمعيات تهدف من خلال هذه النشاطات، إلى إقامة الكيان الصهيوني في حدود جغرافية الرواية الدينية اليهودية، بهدف حل المسألة اليهودية في أوروبا، أي التخلص منهم، وتوظيف الحركة الصهيونية وكيانها، في خدمة المصالح الاستعمارية في المنطقة العربية. وواصلت إسرائيل هذه المحاولات في فلسطين والمناطق العربية المحتلة، وقامت بعمليات التنقيب دون إشراف دولي، ودون إشراك جهات دولية، باستثناء بعض المواقع المعروفة سلفًا بأنها لا تضم آثارًا يهودية، حيث سمحت لبعض الجهات الدولية بالتنقيب فيها، أو المشاركة في عمليات التنقيب فيها، كما هو الحال مثلاً  في موقع بانياس، وذلك بهدف التغطية على نشاطاتها في المواقع الأخرى. وتدعي إسرائيل دائمًا وجود آثار يهودية، خارج حدود الأراضي التي تسيطر عليها، بهدف تسويغ سياسات التوسع والعدوان، فعلى سبيل المثال ادعت قبل احتلال الجولان، بأن موقع بلده خسفين، يضم آثارًا يهودية، وسارعت بعد احتلال الجولان، إلى التنقيب في الموقع، وحين فشلت في العثور على أي أثر يمكن أن يعتبر يهوديًا، زعمت وجود خطأ في التقدير، وقالت أن الموقع المقصود يقع في منطقة كناكر.
يؤكد الادعاء الإسرائيلي بوجود آثار يهودية، خارج الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، وتتأكد هذه الأطماع في جملة الخرائط، التي نشرتها الحركة الصهيونية، لما يسمى "أرض إسرائيل الكبرى" أو "أرض إسرائيل التاريخية"، كما تتأكد هذه الأطماع،في امتناع إسرائيل، رغم مرور خمسين عامًا على قيامها، عن وضع دستور، يحدد حدودها.
وتعتبر جميع النشاطات والإجراءات، التي قامت بها إسرائيل في منطقة الجولان، انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، إذ لا يسمح القانون الدولي، لأي قوة محتلة، بالتنقيب عن الآثار في الأراضي المحتلة، أو القيام بأي عمل، من شأنه أن يغير المعالم الطبيعية أو الآثارية. وختامًا، فشلت الصهيونية وإسرائيل في إثبات جغرافية الرواية الدينية اليهودية، فقد تناول عالم الآثار الإسرائيلي البروفسور زئيف هرتسوغ، من جامعة تل أبيب، هذه المسألة، في مقال له نشرته مؤخرًا صحيفة هآرتس، أكد فيه جملة حقائق، نعرضها على النحو الآتي:
- "توصل معظم خبراء الآثار الإسرائيليين، بعد / ٧٠ / عامًا من عمليات الحفر والتنقيب الأثرية المكثفة، إلى نتيجة قاطعة تقول: أبدًا لم تكن فترة المقرا قائمة".
- "تختمر ثورة في نظرة الباحثين إلى المقرا كمصدر تاريخي، في السنوات العشرين الأخيرة".
- "معظم الذين بحثوا عن إثباتات في أرض الواقع، تتلائم مع قصص التناخ، يتفقون اليوم، على أن مراحل تشكل شعب إسرائيل، تختلف تمامًا عن تلك الموصوفة في التناخ".
- "بات اليوم واضحًا للباحثين، بأن شعب إسرائيل، لم يتواجد في مصر، ولم يته في الصحراء، ولم يدخل إلى فلسطين من خلال حملة عسكرية، ولم يورثها لأسباط إسرائيل الأثني عشر".
- "وتزداد الصعوبة في قبول الحقيقة الآخذة بالاتضاح، وهي أن مملكة داود وسليمان، الموصوفة في المقرا، كدولة إقليمية عظمى، كانت على الأغلب، مملكة قبلية صغيرة".
- إن ما تقدم اعتراف إسرائيلي يؤكد زيف المقولات والادعاءات الصهيونية، في كل ما يتعلق بما يعرف "الحق التاريخي" و "أرض إسرائيل الكبرى أو التاريخية" وينسف الأسس
الأيديولوجية التي قامت عليها الحركة الصهيونية، ويؤكد الدوافع الاستعمارية التي كانت وراء المشروع الصهيوني، وسوف يثير تساؤلات جادة في الشارع الإسرائيلي، يمكن أن
يؤدي إلى تعميق الشرخ القائم فيه، ولا سيما إذا تمكن العرب من دفع هذه المسألة إلى المزيد من التفاعل. وقد أشار هرتسوغ إلى مدى خطورة هذه الحقائق، إذ قال: "يفضل المجتمع
الإسرائيلي أن يبعد عنه هذه الحقيقة المرعبة، من الصعب قبولها".
يتبع الجزء الثاني

 يمنع استخدام المادة أو إعادة نشرها دون ذكر المصدر" الاستاذ عزالدين سطاس"
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات