بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> كتب عن الجولان >>
الجولان ما بعد سقوط بغداد مأزق الخيارات التفاوضية
  06/02/2006


يقوم موقع الجولان بنشر كتاب: هضبة الجولان طريق السلام.. طريق الحرب، للكاتب علي بدوان، على حلقات:

***** الحلقة الثانية*****

هضبة الجولان طريق السلام.. طريق الحرب

للكاتب: على بدوان

الفصل الأول:
الجولان ما بعد سقوط بغداد مأزق الخيارات التفاوضية

وضعت نتائج الحرب الأمريكية البريطانية والغزو الأنكلوسكسوني للعراق سوريا وفلسطين ولبنان ومجمل الخارطة العربية وعملية التسوية " المتوقفة " في الشرق الأوسط أمام نقطة انعطاف شديدة التعقيد والالتواء. فالحرب التي أرادها الغزاة من " قوات التحالف " لم تكن من أجل تخليص العراق من " أسلحة الدمار الشامل " كما تم الترويج مطولاً لهذا الادعاء (1)، ولم تكن من أجل إسقاط نظام بعينه واحلال " الحرية " لشعب العراق بقدر ما كانت تستهدف ماهو أبعد من العراق باتجاه تركيع المنطقة وتمرير حلول التسوية بين العرب ودولة الاحتلال الصهيوني على حساب الحقوق الوطنية والقومية للأمة العربية، في عصر تسميه الإدارة الأمريكية " عصر القوة الأمريكية الفائقة " وهي التسمية التي جاء بها ريتشارد بيرل المنسق والمخطط السياسي في وزارة الدفاع الأمريكية / البنتاغون الذي استقال في أوج الحملة العسكرية الأنكلوسكسونية على العراق.‏

وثبت بالمحصلة المنطقية بأن ماجرى في العراق لم يكن سوى حرب بkiبأنهابحرب استعمارية كلاسيكية بتقنيات قتالية فائقة التطور التكنولوجي وذات مضمون كوني، مصلحي، استراتيجي تتعدى المصالح الأمريكية في العراق نحو الدائرة الأوسع في المنطقة بأسرها، وتحمل معها كل شرور حروب القتل التي ودعتها البشرية في مختلف أصقاع الأرض بينما لازالت قائمة في فلسطين ويعمل الآن وفقها في العراق.‏

وما جعل من الحسابات الأمريكية تنقلب على رأسها بعد فترة وجيزة من سقوط بغداد بيد الاحتلال ظهر يوم 9/4/2003 أمرين اثنين :‏

1. أولهما صمود واستمرار الانتفاضة في فلسطين، وفشل حلول القوة التي جاء بها أرئيل شارون وطاقمه العسكري والأمني تحت غبار معارك العراق، وذلك على الرغم من الانكسار الذي حدث بعد زلزال سقوط بغداد والأثر السلبي المعنوي الذي تركه ليس على الفلسطينيين فقط بل وعلى العرب جميعاً.‏

كما في صمود سوريا وتماسكها أمام الموجات المتتالية من الضغوط الكبيرة السياسية والعسكرية، التي سلطت عليها من قبل الادارة الأمريكية والطرف الإسرائيلي، بهدف إركاعها وجرها نحو التسوية الأمريكية الإسرائيلية وعلى حساب حقوقها الوطنية في الجولان، وفشل واشنطن في استثمار نبش مسألة القوى الفلسطينية المتواجدة فوق أراضيها، فالمقاومة الفلسطينية تنطلق أساساً من الداخل الفلسطيني ووجودها في سوريا يقتصرعلى الجانب الإعلامي فقط.‏

وفي هذا الإطارعالجت القيادة السورية ذيول مرحلة مابعد سقوط بغداد بمزيد من التروي، جامعة بين السياسة الواقعية وما تحمله من مرونة وصلابة مبدئية. وعليه كررت سوريا، وفي سياق سياستها المتوازنة المشار إليها، موقفها المتمسك بعملية السلام وطالبت عبر وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في مؤتمره الصحفي دعوتها لـ " خارطة طريق " أمريكية للحل على المسارين السوري واللبناني / الإسرائيلي (2)، بدورها طالبت الدكتورة بثينة شعبان المتحدثة باسم الخارجية السورية والوزيرة اللاحقة في وزارة الأستاذ محمد ناجي عطري السورية بتحرك أمريكي فعال على المسار السوري / الإسرائيلي. ولكن من يتابع ملف المفاوضات السورية-الإسرائيلية يدرك بأن لاخارطة طريق ممكنة دون الإقرار الإسرائيلي الكامل قولاً وعملاً بمستوجبات سلام الشرعية الدولية، الأمر الذي أشار إليه الرئيس السوري بشار الأسد في حواره مع الصحافي الإيطالي الشهيرأنطونيو فيراري، حيث أكد بأن مرجعية عملية التسوية هي مرجعية مؤتمر مدريد وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن(3).‏

2. وثانيهما تمثل في عجز مايسمى بقوات التحالف الأمريكية البريطانية عن تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الأمني في العراق، وغرقها في أتون المجهول وأوحال بلاد الرافدين مع تنامي قوى المقاومة العراقية في عملياتها الفدائية اليومية ضد القوات الغازية خصوصاً في مثلث " الرمادي ـ بعقوبة ـ الفلوجة " وامتدادها التدريجي نحو مناطق شمال العراق في الموصل، والمناطق الشرقية والجنوبية وصولاً إلى الناصرية والبصرة، وما يسببه هذا الفعل المقاوم من تقيح متواصل في الملف العراقي، حيث بات مشكلة مستعصية أمام إدارة الرئيس جورج بوش الابن، خاصة وأن سلوك الجيش الأمريكي في العراق يولد الكراهية ويمهد لمقاومة عراقية شاملة. فضلاً عن حالة التخبط الأعمى التي تعيشها قوى معارضات الأمس العراقية ـ المستوردة ـ التي عاد معظمها إلى بغداد محمولاً على عربات المارينز والقوات الأمريكية، واصطدامها مع الحالة الشعبية العراقية الرافضة لها.‏

في هذا السياق، ومع السقوط الدراماتيكي لبغداد فان تماسك الموقف السوري في وجه ضغوط استحقاق ما بعد سقوط بغداد يؤشرعلى توافر إمكانية مراكمة الجهود في وجه محاولات فرض التسوية القسرية الإسرائيلية الصهيونية المذلة على أي من الأطراف العربية المعنية. ففي سوريا البلد الذي يعيش إرهاصات التحول والانفتاح على الجميع من قوى ومشارب سياسية وفكرية في إطار ائتلاف الجبهة الوطنية بعد خطاب القسم للرئيس الشاب بشار الأسد (4)، تشهد ساحتها المزيد من النقاشات والتوحد والإجماع الوطني حول القضايا المصيرية، بما في ذلك الاصرارعلى الوحدة الوطنية، وفي الانفتاح الديمقراطي وتوسيع هوامش الحرية والتعددية الحزبية والفكرية، وعلى ضرورة تحصين الجبهة الداخلية ومنع محاولات شرذمتها كما جرى في العراق حين استعانت قوات الاحتلال بالمعارضات اللامسؤولة والتي عادت تحت أسنة قوات الغزو.‏

ويمكن أن نلحظ الدلالات الفصيحة للبيان الذي أصدرته 120 شخصية سورية مقيمة في الخارج، وتنتمي إلى مختلف التيارات السياسية المعارضة أو المحسوبة على أحزاب تندرج تحت اسم " المعارضة "، وفيه تجمع الشخصيات إياها على رفض التهديدات الأمريكية والضغوط الموجهة إلى دمشق، وتدعو بذات الوقت إلى مزيد من الانفتاح الديمقراطي. وعليه فان الجبهة الداخلية في سوريا تعيش حالة مريحة جداً قياساً بحال العراق قبل الاحتلال، حيث كانت المعادلة مختلة في العراق، في ظل سوء النظام السابق من جانب وسوء المعارضات التي كانت تقيم في الخارج من جانب أخر، وهي المعادلة التي أدت إلى توفير العوامل والدوافع الهامة أمام قوات الاحتلال في غزوها للعراق، وتحشيدها بعض المواقف الدولية المؤيدة لها (5).‏

وفق هذه السياسة التي أشتقتها سوريا فان التعاطي الدولي والعربي معها على المستوى السياسي والتكتيكي العملياتي اليومي يتسم بالإيجابية العالية مع وجود قيادة سورية مسؤولة تسّير دفّة البلد بسياسة مدروسة الخطوات ومحسوبة بميزان الذهب الدقيق دون مغامرة بالمصالح العليا، فتدخل لجة المناورة وتخرج في الوقت المناسب دون المغامرة بالأوطان والشعب ومقدراته، ولنا أكثر من مثال حي وطازج يعزز القول المشار إليه. وعليه يمكن القول بأن تحولات ما بعد سقوط بغداد التي تواجهها سورية وحملة الضغوط المسلطة عليها لاتجد لها أرضية وأساساً في الحالتين العربية والدولية، ومن هنا فان انفراج المسار التفاوضي السوري / الإسرائيلي واقلاع قاطرة التسوية المتوقفة فوق هضبة الجولان منذ سنوات لن يكون كتحصيل حاصل ثمناً للهزيمة في بغداد كما كان مؤتمر مدريد عام 1991 ثمناً لكارثة العرب في حرب الخليج الثانية (6)، ولن تكون سوريا محاصرة كما كان العراق في حياة النظام السابق، حيث تحظى سوريا بالمزيد من التفهم والتأييد والإسناد العربي والدولي في معركتها لاستعادة حقوقها الوطنية والقومية واستعادة هضبة الجولان بشكل كامل إلى الوطن الأم.‏

بالمقابل، فان إسرائيل ومعها الولايات المتحدة بشكل أقل، تريان من جديد بأن على جميع الأطراف العربية أن تدفع ثمن هزيمة العرب في العراق وسقوط بغداد باعتبار أن ما حدث من نتائج مع انقشاع سحب المرحلة الأولى من حرب الخليج الثالثة " يمثّل هزيمة عربية صافية بالكامل "، وأن على سوريا والفلسطينيين تحديداً أن يخفضوا من سقف مطالبهم، وأن يغيروا من أسلوبهم التفاوضي استجابة للوضع الجديد، بالرغم مما تقوله المصادر الإسرائيلية الأمنية عن الانهيار الجزئي لخطر الجبهة الشرقية الذي كانت تصرخ منه إسرائيل دوماً (7).‏

وعلى هذا الأساس بنت إدارة الرئيس جورج بوش الابن بعد سقوط بغداد سياسة راهنة في التعاطي مع سوريا تقوم على تشديد الضغوط عليها، والتلويح من حين لآخر بإقرار مايسمى قانون " محاسبة سوريا " كما جاء في التقرير الذي قدمه جون بولتون لإحدى اللجان الفرعية المختصة في الكونغرس الأمريكي في أيلول / سبتمبر 2003 مدعوماً من تيار " المحافظين الجدد " واللوبي الصهيوني، متهماً فيه سوريا بأنها دولة " مارقة " وداعمة لـ " الإرهاب الدولي " وتعمل على تسهيل توفير الدعم اللوجستي لقوى المقاومة العراقية، فضلاً عن تطويرها لبرامج التسلح الكيماوي والبيولوجي، وعليه تم إقرار قانون " محاسبة سوريا " على مستوى مجلس النواب بأغلبية واسعة نسبياً، تجاوزت 396 عضواً مقابل أربعة أعضاء فقط، وتم أيضاَ إقرار القانون على مستوى مجلس الشيوخ بأغلبية 98 عضواً، بينما تبقى الأمر بيد الرئيس جورج بوش الابن لاقرار القانون وتحديد أشكال العقوبات الممكنة، أو تأجيل العمل به أو تجميده، ما يعني فرض الحصار والمقاطعة الاقتصادية الأمريكية لسوريا عليها في حال الأخذ بمفاعيله من الوجهة الأمريكية (8)، في الوقت الذي كرر فيه الرئيس بوش أثناء لقائه مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك ما أسماه " خيبة أمل الولايات المتحدة تجاه سوريا كونها لاتستجيب للمطالب الأمريكية " (9).‏

وعليه، يمكننا القول بأن إقرار مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين ما يسمى " قانون محاسبة سوريا " لم يكن بالحدث غير المتوقع في ظل تحولات مابعد مرحلة سقوط بغداد، والتردي المتواصل في العلاقات الدولية بعد أن وضعت الولايات المتحدة نفسها بديلاً عن مؤسسات الأمم المتحدة.‏

والحدث ربما يحمل شيئاً من الجديد على ضوء الدوران الراهن في مسار أحداث المنطقة على محيط الدائرة المغلقة، مع تفاقم الوضع في الشرق الأوسط، في فلسطين والعراق، والمناخات المكفهرة في ظل استمرار عنف الاحتلال داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وضياع خطة " خارطة الطريق الأمريكية " العتيدة في متاهات ومسارب النفق المظلم من التردي اليومي الحاصل في فلسطين والعراق.‏

إن" قانون محاسبة سوريا " قانون وضعي يفسر ويضع الرؤية الأمريكية لقضايا الشرق الأوسط على سكة المصالح الأمريكية أولاً والإسرائيلية ثانياً دون الحد الأدنى من منطق العدالة والتوازن بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح شعوب ودول المنطقة قاطبة. وتالياً يمكن القول بأن سوريا واقعة تحت منطق " العصا وربع الجزرة " ، فقد تعرضت ومازالت تتعرض لحملة ضغط كبيرة يديرها اللوبي المتصهين في إدارة الرئيس بوش الابن، وعلى يد تيار المحافظين الجدد، ممن يمكن الترميز اليهم فكرياً / أيديولوجياً، وبالمصطلح والتعبير السياسي باعتبارهم مجموعات " الصهيونية الأرثوذكسية " أو المجموعة اليمينية الشابة نسبياً المسيطرة على مصدر القرار في الكونغرس الأمريكي، وذات التوجهات المؤيدة للدولة الإسرائيلية الصهيونية على طول الخط.‏

والحملة الموصوفة للمحافظين الجدد وإسرائيل على سوريا تتعدى حال البلد السوري السائر على طريق تطوير اقتصاده ورفع منسوب التنمية، إلى دفع البلد نحو تقديم تنازلات معينة، ولإجبار سوريا على وقف دعمها حتى المعنوي والسياسي للقوى الفلسطينية واللبنانية، حيث تجددت النغمة الأمريكية مع انفلات الوضع في العراق، والصعوبات الكبيرة التي تواجهها القوات الأمريكية على المستويين الميداني العسكري البحت، وعلى المستوى الأمني. فضلاً عن انسداد الأفق السياسي لمرحلة ما بعد المجلس الانتقالي الفسيفسائي الهزيل في العراق.‏

أما دمشق، فإنها تعتبر على لسان نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام بأن إقرار مشروع مايسمى بقانون " محاسبة سوريا " لايعدو كونه مسألة إعلامية، وأن الضغوط الأمريكية لن تفيد في تغيير مواقف سوريا بشأن ملفي العراق وعملية السلام (10). وكرر خدام مرة ثانية قوله في لقاء مع الإعلاميين والمراسلين المعتمدين بدمشق بأن " قانون المحاسبة لايعني سوريا " فهو " قانون أمريكي وليس بذي شأن لجهة الأثر على سوريا " (11)، ومع أن المواقف المعلنة لدمشق بشأن " قانون المحاسبة " تعبوية بالدرجة الأولى، وعلى أهمية هذا الجانب، إلا أنه من المفترض أن يلحظ بأن مشروع القانون بما يحمله من تعريف «عدائي» لسورية، يعكس بمعايير اللغة الجيو-سياسية خطة التصور الأميركية أو فرضياتها الاستراتيجية تجاه سوريا. والمفترض أن يتم البحث في مايسمى بالمبدأ الاستراتيجي لهذه الفرضيات ليس في مواد القانون نفسه، ولا في «فرصة السماح» التي أعطتها واشنطن لارضاخ دمشق، بل في موقع دمشق في مفهوم استراتيجية التحويل «الديمقراطي» التي أعلن بوش مبادئها في خطاب السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني 2003.‏

وبكل الحالات، إن من يتابع ملف المفاوضات على المسار السوري – الإسرائيلي يدرك حجم التعقيدات الهائلة التي تكتنف هذا المسار، وتعترض وتقف أمام إمكانية إحداث اختراقات جوهرية في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل بالرغم عن ما تردد أكثر من مرة عن تفاهم واتفاق سوري / إسرائيلي على أكثر من 80 % من عناصر القضايا المطروحة أثناء فترة اسحق رابين في رئاسته للحكومة الإسرائيلية قبيل مقتله نهاية العام 1995 برصاصات متطرف يميني صهيوني (12)، مع استعصاء واضح دار ومازال حول مسألة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من أراضي المرتفعات السورية المحتلة طبقاً لمرجعية الشرعية الدولية، نتيجة خلافات جوهرية في تحديد خط الرابع من حزيران / يونيو لعام 1967. فضلاً عن أن المشاكل التي تكتنف هذا المسار التفاوضي لا تقتصر على تلك المتعلقة بالطرفين حصراً، بل إنها تتداخل مع قضايا الحلول والمفاوضات على باقي المسارات، والدور الإقليمي اللاحق لسوريا واسرائيل على حد سواء، بل وتتجاوز ذلك لتشمل تركيبة صياغة المنطقة بأكملها(13).‏

عودة إلى الوراء قليلاً، فعلى قواعد محددة بتوجهات ثلاث رئيسية، انطلقت حكومة اسحق رابين – شيمون بيريس ومن بعدها حكومة بنيامين نتنياهو في إدارة العملية السياسية التفاوضية مع كل من سوريا ولبنان، وقدمتها بصيغة اقتراحات ثلاث تتناقض مع المرجعية الدولية وقراراتها ذات الصلة، وتقفز عن متطلبات واستحقاقات السلام الشامل، وتنقلت في فحواها من تكتيك : " طبيعة السلام وعمقه يحدد عمق الانسحاب ومداه " الذي يعني هنا بلغة فاقعة، صريحة، وواضحة : معاهدة سلام ثنائية سورية ولبنانية / إسرائيلية، والتطبيع الكامل للعلاقات المشتركة، وافتتاح السفارات وتبادل الاعتراف الدبلوماسي، إضافة إلى سريان مفعول الحدود الاقتصادية المفتوحة، وحرية تنقل رأس المال والأفراد، والسياحة المشتركة، فضلاًعن التطبيع والعلاقات الدبلوماسية مع باقي البلاد العربية. كما تنقلت في جولات أخرى من تكتيك " انسحاب من الجولان " وليس " الانسحاب من الجولان " إلى " انسحاب في الجولان ". وعليه أقام إسحاق رابين حينها ضجة ولم يقعدها حول مفاوضات الترتيبات الأمنية بين الخبراء العسكريين التي عقدت في واشنطن أثناء فترة اسحق رابين العام‏

1995، زاعماً أن سوريا تماطل وتخرق ما يتفق عليه الخبراء العسكريين الذين التقوا في اجتماعات واشنطن حيث مثل الطرف السوري العماد حكمت الشهابي رئيس الأركان العامة للجيش السوري في حينه، ومثل الوفد الإسرائيلي الجنرال آمنون ليفيكين شاحاك ثم الجنرال أيهود باراك وزيري الحرب المتعاقبين زمن اسحق رابين. وتبين بأن هذه القنابل الدخانية التي كان يطلقها رابين كانت بغرض التعميه والتمويه على شيء أخر، فقد كانت أعمق بكثير من الجدولة الشكلية لمفاوضات الخبراء. فرابين كان يريد إبقاء ملف عمق الانسحاب معلقاً إذا ارتبط بحدود 4 حزيران / يونيو 1967 والاندفاع بالسرعة الممكنة للانتهاء من الملفات الأخرى : الترتيبات الأمنية المتبادلة، الجداول الزمنية للانسحاب الإسرائيلي من أراض في الهضبة، عمق السلام ومضمونه، حدود مفتوحة وعلاقات دبلوماسية وتجارية كاملة.‏

وبوضوح تام، يمكن القول بأن استراتيجية وتكتيك حكومة رابين التفاوضي قام على قاعدة التفاوض على كل شيء من الترتيبات الأمنية المتبادلة إلى عمق السلام بشرط ترك مسألة عمق الانسحاب الإسرائيلي من الهضبة، معلقة، غامضة، حماّلة اوجه. وكرر سلفه من حزب العمل أيهود باراك ذات التكتيك بالرغم من الوديعة التي كانت قد قدمت من قبل رابين للإدارة الأمريكية بشأن الانسحاب الكامل حتى حدود 4 حزيران/ يونيو1967.‏

إن الاستراتيجية التفاوضية لحزب العمل الإسرائيلي نجحت مع بعض الأطراف العربية في أوسلو ووادي عربه، وأصبحت إسرائيل لاهثة تطمح بتحقيق اختراق على المسار السوري على ذات القاعدة التي حصدت من خلالها مكاسب جمة من الأطراف العربية، القاعدة التي تقرر لإسرائيل : " اكبر حجم من المكاسب مع بقاء مصير الأرض العربية والفلسطينية المحتلة مجهولاً ".‏

ومن جديد بعد اسحق رابين كررت حكومة أيهود باراك الائتلافية التي جاءت بعد حكومة بنيامين نتنياهو ذات التوجهات العمالية ـ نسبة لحزب العمل الإسرائيلي ـ كما اتضح في جولتي مفاوضات شبردزتاون التي راوحت بصدد المسار السوري / الإسرائيلي مكانها وخيبت آمال المراهنين على تنازلات " مؤلمة " من قبل سورية تمس سيادتها وأمنها الوطني. فالمفاوضات السورية / الإسرائيلية بجولاتها الماراتونية التي قطعت أزماناً متباعدة راوحت في محصلتها النهائية عند حدود الخيارات الثلاث التالية التي قدمها الطرف الإسرائيلي وقوبلت بالرفض السوري بالرغم من تدخل وضغوط الطرف الأمريكي (14) :‏

* الانسحاب إلى الحدود الانتدابية بين فلسطين وسوريا الحالية ـ أي إلى خط تعديل " نيوكمبوليه " أو مايعرف بحدود آذار / مارس 1923 التي رسمها الاستعماران الفرنسي والبريطاني بين كل من سوريا الحالية ـ ليست سوريا الطبيعية ـ وفلسطين وفق خرائط سايكس / بيكو وتعديلاتها اللاحقة، كما هي الحال في اتفاقات كامب ديفيد الأولى يين مصر والدولة العبرية، ما يعني انسحاباً " في الجولان " وليس " من الجولان "، وبذا فان إسرائيل سعت في هذه الصيغة إلى تقديم نفسها باعتبارها " الوريث الشرعي الوحيد لفلسطين الانتدابية " الأمر الذي يوفر لها إمكانية ضم أجزاء واسعة من هضبة الجولان، وتحديداً المناطق المسماة بـ " الجولان الفلسطيني " بما فيها مدينة الحمة وكامل الشاطىء الشرقي لبحيرة طبريا، وهي المناطق الغنية والنافعة من أرض الجولان. وتستند إسرائيل في دعواها السابقة إلى اتفاقيات كامب ديفيد الأولى الموقعة مع مصر كمثال حي، عندما انسحبت القوات الإسرائيلية إلى الخط الدولي بين فلسطين الانتدابية والدولة العبرية تاركة قطاع غزة تحت سيطرتها، وأكثر من ذلك كانت الدولة العبرية قد احتفظت بشريط طويل من الأراضي المصرية من رفح حتى مثلث أم الرشراش / ايلات، كانت قد سيطرت عليه اثرعملية عوبدا عام 1949 التي قادها في حينها الضابط اسحق رابين، ويمتد المثلث المذكور من رفح حتى أم الرشراش / إيلات / بمساحة تساوي 1,5 من مساحة هضبة الجولان السورية المحتلة. وترتبط هذه المنطقة بأم الرشراش الأردنية في قرية الصيادين قاطعة مساحات من الشريط المحاذي والمجاور لصحراء النقب مع صحراء سيناء ـ مثلث رأس النقب – إيلات – رفح ـ (15).‏

* مبادلة أرض بأرض ، وتأجير أجزاء من الأرض ، بما في ذلك ضمان تدفق مياه الجولان إلى الدولة العبرية، وفي هذا تقدم إسرائيل نموذج اتفاق وادي عربة مع الأردن في 1/11/1994، حيث تم تأجير أراض وضم بعضها وإلحاقها بمستوطنة كيبوتس أشدود يعقوب بمساحة تمتد على 120 كيلو متراً مربعاً في الغور الشمالي، منها 7,5 كيلومتراً مربعاً في منطقة الباقورة عند ملتقى نهري الأردن واليرموك ذات المخزون الجوفي الكبير من الماء العذب، حيث نصت المادة الثالثة من البندين الثامن والتاسع من نصوص معاهدة وادي عربة على استبعاد تطبيق التشريعات الأردنية بشأن المتصرفين بالأرض المستأجرة أو مستخدميها، كما في السماح بدخول قوات الاحتلال إليها بشكل دائم. وعليه فان الطرف الإسرائيلي اقترح على سوريا ترسيم حدود جديدة ليست هي حدود 4 حزيران / يونيو 1967 وليست أيضاً هي حدود آذار /مارس 1923، بل حدود جديدة تضمن لإسرائيل المياه والأمن والسيطرة على الجولان الفلسطيني والمناطق الحيوية من الهضبة السورية المحتلة، وبحيث تمنع الوصول السوري إلى أي من أجزاء شريط بحيرة طبريا، وبالتالي تفقد سوريا حقها الطبيعي في التشاطؤ مع بحيرة طبريا والاستفادة من ثرواته المائية والسمكية، وتبعد السيادة السورية عن السيطرة على منابع المياه عند أقدام جبل حرمون / الشيخ الجنوبية الغربية أقصى شمالي الهضبة (16).‏

* الاقتراح الثالث وهو الأسوأ ، حيث ينطلق من اعتبار أن أرض الجولان " أرض متنازع عليها " يجرى التفاوض بشأنها مع سوريا. تحت شعار الضرورات الأمنية والمائية والاستراتيجية للدولة العبرية. كما جاء في اتفاق أوسلو في 13/9/1993 حيث اعتبرت أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة أراضٍ متنازع عليها ـ مع ملاحظة أن ما جرى في اوسلو ما زال اتفاقا ولم يصل إلى معاهدة ـ . واستتبعت حكومة بنيامين نتنياهو هذا الموقف بقرار اتخذ في الكنيست الإسرائيلي يجعل الانسحاب من الجولان منوطاً بموافقة أكثر من ثمانين عضواً من أعضاء الكنيست البالغ عددهم 120 عضواً (17).‏

إن مقدمات ما تمت المصادقة عليه بالكنيست أيام حكومة بنيامين نتنياهو وائتلاف الليكود لم يأت من فراغ، بل شكل استمراراً وتلبية لنداء الأغلبية اليمينية وأحزاب الكتل التوراتية المتطرفة داخل الدولة العبرية، يساندها صقور العمل ويسار الوسط في الخارطة الحزبية الإسرائيلية وفي طليعتها أحزاب اليمين القومي الإسرائيلي ممثلة بتكتل الليكود وحزب الاتحاد الوطني الديني/ المفدال، وحزب شاس / للمتدينين الشرقيين، وقاسمها الشكلي المشترك أيديولوجي بالدرجة الأولى، مع استغلال الليكود هذا الأمر من اجل إضعاف الحكومة وزعزعة حزب العمل.‏

فقرار " تحصين الجولان " المتخذ في آب / أغسطس 1997 وهو القرار ذاته الذي تمت تزكيته مرة جديدة بالكنيست في اذار / مارس 2000 حيث ربط الانسحاب الكامل من الجولان بموافقة 65% من الناخبين الاسرائيلين أدى إلى وضع المسار التفاوضي السوري / الإسرائيلي أمام إثقال جديد بالتعقيدات الهائلة ما برحت تترك آثارها من مفاوضات شبرزدتاون ومجمل العملية التفاوضية بين الجانبين السوري والإسرائيلي والى الآن، حيث التهييج الهستيري داخل المجتمع الإسرائيلي على يد أحزاب اليمين وصقور العمل ويسار الوسط ضد الانسحاب من الجولان. وتوج هذا بالتظاهرة التي نظمها معارضو الانسحاب في مطلع العام 2000 بمشاركة اكثر من 150 ألف شخص، وتشكيل جبهة المعارضة للانسحاب من الجولان من أحزاب وقوى سياسية ممثلة في الكنيست وفي حكومة أيهود باراك في حينها، فضلاً عن مجلس مستوطنات الجولان بالرغم من أن 23,3% من مستوطني الهضبة أعطوا أصواتهم لقائمة إسرائيل واحدة التي تزعمها حزب العمل في الانتخابات البرلمانية التي جاءت بايهود باراك.‏

إن المعارضة الأصلب والأصعب للنـزول والانسحاب الإسرائيلي من الجولان تتمثل في معارضة الأحزاب الدينية وعلى رأسها حزب شاس (18)، وأحزاب المهاجرين الروس " إسرائيل بعليا " و" إسرائيل بيتنا " وهي معارضة اقتصادية مصلحية توسعية قبل أن تكون معارضة سياسية أوأيديولوجية توراتية(19).‏

بالمحصلة يمكن القول : بالاقتراحات التفاوضية السابقة أعلاه ونتائجها قادت حكومات رابين – بيريس – نتنياهو – ومن بعدها حكومة أيهود باراك المفاوضات مع سوريا وتنقلت من تكتيك إلى تكتيك يمثل بمضمونه فحوى نماذج تفاوضية سابقة وقعت مع كل من مصر، الطرف الفلسطيني، الأردن : كامب ديفيد – أوسلو - وادي عربة على الترتيب. بينما تمحور الموقف السوري على المضامين التي تؤسس لسلام الشرعية الدولية، بالإصرار على الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى خطوط الرابع من حزيران لعام 1967عملاً بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وبورقة الدعوة إلى مؤتمر مدريد، وتفكيك المستعمرات التهويدية ورحيل المستوطنين. ورفض الصيغ التي تواتر الحديث الإعلامي بشأنها، من نمط الانسحاب إلى خط 4 حزيران / يونيو لعام 1967 مقابل اخضاع بحيرة طبريا لتحكيم دولي على غرار مسألة طابا المصرية ـ التي حلت على يد لجنة تحكيم دولية عملت على امتداد أكثر من عشر سنوات ـ أو خيار الانسحاب إلى الخط ذاته على أساس الاستفادة والسيطرة الإسرائيلية على مياه الجولان مقابل تعويض سوريا بزيادة منسوب المياه التي تصلها من تركيا عبر نهري الفرات ودجلة (20).‏

كما في رفض المقاربة مع النماذج التفاوضية السابقة بين بعض البلدان العربية واسرائيل في : كامب ديفيد – أوسلو – وادي عربة، ما يعني رفض صيغة الحدود الدولية الانتدابية باعتبار أن هذه الصيغة منافية للقانون الدولي وتكرس الدولة العبرية كوريث شرعي لفلسطين الانتدابية نقيضا للواقع التاريخي من جانب، وللقرار الدولي الرقم 181 الذي حدد مساحة وحدود الدولة العبرية بسكانها اليهود والعرب / دولة مختلطة، ودولة عربية فلسطينية على الجزء الآخر من فلسطين التاريخية من جانب أخر. وفي هذا السياق يمكن القول بأن تقديم رابين وديعة للإدارة الأمريكية بالانسحاب إلى خطوط 4 حزيران / يونيو 1967 جاء نتيجة الموقف المتماسك للنهج التفاوضي لسوريا، وانسجاماً مع الموقف السوري الداعي لمفاوضات الشرعية الدولية، إلا أن الوقائع أثبتت بأن هذه الوديعة لم تكن كذلك بل خديعة جاءت في سياق التكتيك الإسرائيلي. ولكن من المفارقات العجيبة أن تؤكد مصادر إسرائيلية وجود وثيقة أمريكية خطية يعود تاريخها إلى العام 1975 عندما كان اسحق رابين رئيساً للوزراء أيضاً زمن الرئيس الأمريكي جيرالد فورد حيث تؤكد الوثيقة على أن الولايات المتحدة لن تنسف الموقف الإسرائيلي المطالب بالبقاء فوق هضبة الجولان حتى لو ألتقت سوريا وإسرائيل على طاولة المفاوضات (21).‏

وفي هذا السياق أيضاً يمكن التعرض قليلاً لمقدمات ماعرف باسم " مفاوضات شبردزتاون " التي عقدت قرب ولاية وست فرجينيا في الولايات المتحدة، وما نتج عنها باعتبارها محطة مفصلية حدثت في اطار المفاوضات على المسار السوري / الإسرائيلي. فمع مجيء بنيامين نتنياهو إلى سدة السلطة ورئاسة الوزارة في إسرائيل في أيار/مايو1996 بدأت من جديد الاستعصاءات تظهر على المسار السوري – الإسرائيلي. فنتنياهو رفض منذ البداية العودة إلى المفاوضات عند النقطة التي توقفت أثناء مفاوضات المسار السوري – الإسرائيلي زمن حزب العمل. واستتبع نتنياهو هذا الرفض بإصراره على رفض الحديث حول حدود الرابع من حزيران / يونيو لعام 1967، ومازال موقف أرييل شارون الذي صعد إلى رئاسة الحكومة في انتخابات شباط / فبراير 2001 يراوح عند هذه المواقف (22)، حيث كان قد كرر القول مراراً منذ العام 1977 أثناء المخاضات التي أوصلت الى اتفاقية كامب ديفيد الأولى، بأن " الجولان جزء لايتجزأ من إسرائيل، ولاتوجد أية توصية بإعادته كلياً أو جزئياً إلى سوريا " (23).‏

ومع ذلك لم يكن ليتوقف مكوك المفاوضات عبر الرسل الأمريكية من خلال جولات وزير الخارجية الأمريكية وارن كريستوفر، ووزيرة الخارجية التي تلته في الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت، والمنسق السياسي الأمريكي في الشرق الأوسط آنذاك دنيس روس، وفي كل مرحلة لاحت فيها فرص التفاوض الإيجابي والبناء مع سوريا كانت الأمور تعود من جديد إلى نقطة الصفر بالرغم من أن نتنياهو بعث برسائل شفوية تضمنت استعداده لتقديم تنازلات ملموسة في الجولان، لكنه بذات الوقت لم يعترف بأي التـزام توصلت إليه الحكومة العمالية مع سوريا.‏

المحاور التي عمل فيها بنيامين نتنياهو اتسعت مع الخدمات التي قدمتها بريطانيا وفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي من خلال جولات المنسق الأوربي ميخيل ميغيل موراتينوس الذي قدم وثيقة مبادئ باسم المجموعة الأوربية، ولم يفلح في ترتيب لقاء مشترك سوري – إسرائيلي للتفاوض انطلاقاً منها. ومن المؤكد أن الطرف الإسرائيلي كان معنياً بإفشال جهود موراتينوس وأية جهود أخرى خارج إطار الوساطة والدورالأمريكي، باستثناء جهود اليهودي الأمريكي رون لاودر الذي لعب دوراً من خلال زياراته المتواصلة في المنطقة. وكل ما توصل إليه يتمثل بموافقة نتنياهو على انسحاب كبير من الجولان السورية المحتلة باستثناء مناطق المياه والشريط القريب من مستوطنات الهضبة المجاورة لخطوط الهدنة (24).‏

وفي السابع من كانون أول / ديسمبر 1999 أعلنت سوريا وأبلغت الرئيس الأمريكي في حينها بيل كلينتون عن استعدادها لمعاودة مباحثات السلام مع إسرائيل حيث كانت وزيرة الخارجية الأمريكية زمن الرئيس كلينتون مادلين أولبرايت قد أتمت مباحثاتها في المنطقة، وتركزت على تحقيق هدف رئيس معلن لتحريك قطار التسوية على المسار السوري / الإسرائيلي المتوقف منذ فترة طويلة فوق مرتفعات الجولان. لكن قبل ذلك يلاحظ بان المفاوضات لم تستأنف إلا بعد نشر قصة ما اصبح يعرف " وديعة رابين " على صفحات الحياة اللندنية في تشرين الثاني / نوفمبر 1999، وانطلاق الصحف الإسرائيلية في نفي أو تأكيد " الوديعة " (25).‏

وبعد أيام قليلة من إعلان النية بشكل رسمي لمعاودة العملية التفاوضية عقدت الجلسة الأولى في واشنطن وانتقلت إلى شبرزدتاون قرب فرجينيا الغربية بأجواء قيل عنها إعلامياً حسب وسائل وأجهزة الإعلام بأنها أجواء جدية، وبأعمال تفاوضية تسير بالاتجاه المنشود في التوصل إلى أشياء ملموسة.‏

في 10/1/2000 بدأت الجولة الثانية بأجواء إيجابية لم تلبث أن تبدلت بعد أقل من يومين إلى وضع آخر بعد اتضاح الهوة الكبيرة بين الموقفين تجاه استحقاق الانسحاب إلى خط الرابع من حزيران / يونيو 1967، بالرغم من حال التفاؤل التي أثيرت على نطاق واسع (26).‏

الإدارة الأمريكية وباعتبارها في قلب الحدث قدمت من خلال الرئيس كلينتون وثيقة عمل أعدها الخبراء واللجان المختصة من الجانب الأمريكي وسلمت من قبل كلينتون إلى كل من أيهود باراك، فاروق الشرع أثناء اللقاء المشترك الذي جمعهما مع الرئيس كلينتون في حديقة البيت الأبيض نهاية العام 1999. والوثيقة تلخص القضايا التي يجب أن تتخذ القرارات بشأنها، خصوصاً القضايا الخلافية. وتعتبر الوثيقة كأسلوب إجرائي اعتادت الإدارة الأمريكية على اتباعه عند تعاطيها مع مختلف قضايا وبؤر الصراع في العالم / حدث الأمر ذاته في البوسنة قبل التوصل إلى اتفاق دايتون / وذلك لتركيز المناقشات الجوهرية والمساعدة على ردم الهوات الموجودة. كما تضمنت الوثيقة الأمريكية تقويما أمريكياً بما حصل بالمفاوضات الثنائية منذ مطلع عام 1996، ونتائج الاتصالات التي لم تتوقف عبر الإدارة الأمريكية.‏

الوثيقة الأمريكية لاقت ملاحظات سورية وإسرائيلية ليست باليسيرة، وعندما قامت حكومة باراك بنشر الوثيقة الأمريكية بتعديلاتها الإسرائيلية على صفحات بعض المطبوعات الإسرائيلية، اندلعت حرب الوثائق حيث قامت سوريا بنشر النص الحرفي للصيغة السورية وفق التعديلات التي أجريت على الوثيقة الأمريكية، واتضح بأن نشر الصيغة السورية كان ضرورة لا بد منها أمام الصيغة الإسرائيلية التي سربت إسرائيليا ونشرت عبر وسائل الإعلام العالمية، وقدمت الموقف وكأن الطرف السوري قد قبل بالتنازلات مقابل موافقة الدولة العبرية على العودة إلى طاولة المفاوضات (27).‏

تمحورت الخلافات والتباينات السورية / الإسرائيلية على ورقة / وثيقة العمل الأمريكية بالنقاط التالية (28) :‏

* الحدود : فالتعديلات السورية تتحدث عن الانسحاب الكامل إلى خط الرابع من حزيران لعام 1967 استناداً إلى مبادىء الحق والقانون والشرعية الدولية، وإزالة الاحتلال بكافة مظاهره وما ينتقص من الانسحاب الشامل. كما اعتبرت سوريا في تعديلاتها بأن الانسحاب الكامل أمر غير خاضع للتفاوض مبدئياً في حين أبدت استعدادها لابداء المرونة في بعض المسائل، وربطت التقدم في مناقشة القضايا الباقية رهناً بتحقيق التقدم بمسألة الانسحاب الشامل، بينما الموقف الإسرائيلي في الورقة المعدلة يبدو غائماً حين يدعو إلى إنشاء لجنة حدود مشتركة منطلقاً من القول بأن خط الرابع من حزيران / يونيو 1967 لايمثل خط حدود بل خط قوات تمركزت على امتداده عشية الحرب، وضمان العيش بسلام ضمن حدود " آمنة ومعترف بها " وعلى أساس تعديلات على خطوط الانتداب البريطاني لعام 1923 التي تفصل بين سوريا الحالية وفلسطين. وبالنتيجة فان الموقف الإسرائيلي يقرر بأن " عمق الانسحاب يتحدد على انطلاقاً من عمق التطبيع "، وأن مدايات الانسحاب الإسرائيلي ستصل في أحسن حالاتها بإعادة 98% من الجولان إلى سوريا مع الاحتفاظ بشريط عرضه 500 متر بمحاذاة بحيرة طبريا، وشريط عرضه 800 متر بمحاذاة نهر الأردن (29).‏

* إلغاء المقاطعة : أشارت التعديلات الإسرائيلية لضرورة إلغاء الطرفين للمقاطعة بكافة أشكالها خصوصاً الاقتصادية منها، بينما لم تشر سورية إلى هذا الموضوع باعتباره موضوعاً مبكراً وسابقاً لأوانه، ولايمكن الحديث بشأنه قبل إقرار وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الهضبة السورية المحتلة.‏

* الإنذار المبكر في جبل الشيخ : أشارت التعديلات السورية إلى محطة إنذار مبكر مؤقته لمدة خمس سنوات، تشغل من قبل الأمريكيين والفرنسيين وجهات دولية مختلفة ودون أي تواجد إسرائيلي، بينما أشار الموقف الإسرائيلي في تعديلاته إلى نشر أجهزة ووسائط الإنذار المبكر، بما في ذلك محطة إنذار مبكر في جبل الشيخ وبوجود إسرائيلي فاعل إلى جانب الطرف الأمريكي فقط.‏

* الإجراءات الأمنية : تحدثت سوريا عن اتخاذ الإجراءات الضرورية لعدم انطلاق أي أعمال من سوريا، وربطت هذا الأمر بضرورة التوازي والتكافؤ ودون انتقاص من السيادة الوطنية لسوريا، وربطت وبشكل ملفت مجموع الإجراءات الأمنية بإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين. بينما تحدثت التعديلات الإسرائيلية عن التعهد بالامتناع من التعاون مع أي طرف ثالث في عمل معاد ذي طبيعة عسكرية، ولم تشر هذه التعديلات إلى قضية اللاجئين الفلسطينيين حيث أكثر من نصف مليون لاجىء فلسطيني فوق الأراضي السورية منذ العام 1948 (30). وتحدثت الورقة الإسرائيلية عن الامتناع عن عمليات التنظيم وإثارة التحريض، وضرورة اتخاذ إجراءات فاعلة بمنعها ـ والمقصود في هذا اللاجئيين الفلسطينيين المقيمين في سوريا منذ عام النكبة ـ .‏

* طبيعة العلاقات : تحدثت التعديلات السورية على الورقة الأمريكية عن علاقات دبلوماسية واقتصادية وتجارية وعلاقات سياحية. بينما دعت التعديلات الإسرائيلية إلى علاقات دبلوماسية واقتصادية وتجارية مع تعاون في مجالات : النقل، الطيران، المرافىء، سكك الحديد، الاتصالات السلكية واللاسلكية … الخ.‏

* المياه : تحدثت التعديلات السورية عن حل المسالة المائية استناداً إلى مبادىء القانون الدولي، كما وتشكيل لجنة فنية مشتركة تحت إشراف الأمم المتحدة. بينما طلبت إسرائيل استمرار سيطرتها على كامل المياه في المناطق التي ستجلوعنها، مع منع تلويث بحيرة طبريا ونهر الأردن الأعلى. كما في تشكيل لجنة مياه مشتركة ومجلس إداري مشترك من الطرفين.‏

* الملاحق : أرفقت التعديلات السورية ملاحق تضمنت : الحدود ، الخرائط ، المنطقة منـزوعة السلاح، صنوف الأسلحة، المراقبة الفضائية، المياه، ملحق اللجنة الفنية لإدارة المياه. بينما أرفقت إسرائيل تسعة ملاحق : خريطة الحدود المقترحة، اللجنة الحدودية، عدد القوات على جانبي الخط وعند الطرفين، التسلح، عمل محطة الإنذار، لجنة التنسيق الأمنية، لجنة المياه.‏

وبذا فالوثيقة الأمريكية لمعاهدة السلام بين سورية وإسرائيل لم تكن أكثر من مشروع مطروح للمناقشة على طاولة المفاوضات، ولكن هذا لا يحول دون إبراز أهمية هذه الوثيقة بقدر ما ترسم الإطار العام للاتفاق اللاحق ، وبقدر ماتشير إلى نقاط الاتفاق والخلاف معاً.‏

إن صيغة التعديلات السورية لهذه الوثيقة الأمريكية، والإضافات التي تضمنتها تشكل الضمانات الأساسية التي تحاول سوريا من خلالها أن ترسي حقوقها دون أي تنازل، خاصة مع الدور الإسرائيلي الطموح لتهميش موقع سوريا الإقليمي بعد إنجاز التسوية وتقزيم دورها. فالاشتراطات الإسرائيلية الثقيلة على مسار التسوية مع سوريا يراد منها استيعاب الأخيرة استراتيجياً وتحجيم إن لم نقل تحطيم دورها الإقليمي، بينما يدرك صناع القرار والموقف في سوريا بأن لا فصل بين استعادة الأرض والدور الإقليمي، وعودة كيلومترات مربعة من الأرض تفصل بين خط 4 حزيران / يونيو 1967 وخط 1923 لا يقايض بها خسارة مئات الكيلومترات من مستقبل سوريا ودورها اللاحق على المستويين العربي والاقليمي.‏

ويلحظ بأن الصيغة السورية حرصت على تظهير كلمة الانسحاب إلى خط 4/6/1967، واستخدام عبارة علاقات حسن الجوار بدلاً من علاقات التعاون أو الصداقة أو تطوير العلاقات. وأشارت الصيغة السورية إلى ضرورة اللجوء عند حل النـزاعات إلى التحكيم الدولي ومحكمة العدل الدولية. كما حرصت على أن تكون الترتيبات الأمنية متساوية ومتقابلة ومتبادلة ومتكافئة. وتجنبت الإشارة إلى التدفق الحر بين البضائع والخدمات، وأوردت فقرة أخرى لها مغزى آخر " اتخاذ التدابير التي تسهل حركة البضائع والأشخاص وفق القوانين والأنظمة النافذة " (31).‏

ومع الموقف السوري الذي أعلن عن تأجيل الجولة الثالثة في حينها / وهو ما أفضى إلى كونه إعلاناً غير رسمي عن تجميد المفاوضات مرة أخرى إلى أن تقدم إسرائيل التعهد المطلوب والخطي تجاه مسالة الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى خط الرابع من حزيران / 1967. فان وقف و/ أو تجميد العملية التفاوضية يعتبر تفاوضاً بحد ذاته ويظهر السياسة السورية بموقفها الصريح الهادف إلى تنفيذ خيارها الاستراتيجي الكامل في المرحلة الراهنة لتحرير كل الأراضي السورية المحتلة عام 1967 حتى خط الرابع من حزيران وفق منطوق قرارت الشرعية الدولية التي تشكل في الراهن وبالأفق المرئي خطوط التسوية المتوازنة والحلول الوسط أمام معادلات القوة والتداخلات الإقليمية والدولية في صراع الشرق الأوسط بين شعوب ودول المنطقة والدولة العبرية الكولونيالية التوسعية.‏

إن التفاعلات والتحولات السياسية ومارافقها من حروب دموية متتالية على لبنان قبل الانسحاب الاسرائيلي في أيار / مايو 2000 انعكس على مسار الجبهتين السورية واللبنانية، وأدى إلى تعقد المفاوضات والدوران حول الذات بدلاً من التقدم إلى الأمام لاستكمال الـعشرين بالمئة الباقية على جدول أعمال المفاوضات السورية – الإسرائيلية . ووزير خارجية سوريا الأستاذ فاروق الشرع كان قد أعلن أكثر من مرة بأن 80% من قضايا التسوية الثنائية السورية – الإسرائيلية تم حلها منذ حكومتي رابين – بيريس بين أعوام 1992 – 1996، واستئناف المفاوضات مع حكومة أيهود باراك هو الذي أعطى الرئيس الأمريكي كلينتون للإعلان عن حل 90% من القضايا بين سوريا وإسرائيل بمفاوضات شبردزتاون وخطوات اللجان الأربع المتوازية : الترتيبات الأمنية، علاقات السلم العادية، المياه، الحدود.‏

بكل الحالات يعتبر الموقف السوري أكثر تماسكاً وإسناداً من ناحية القانون الدولي منه إلى الموقف الإسرائيلي . فإسرائيل تفاوض سوريا حول مسألة الحدود معتبرة نفسها الوريث الشرعي لفلسطين الانتدابية، وفي هذا الاعتبار مخالفة وتناقض واضح مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. فالدولة العبرية هي الدولة الوحيدة في العالم التي قامت بقرار، هو قرار التقسيم ـ 181 لعام 1947 ـ وهذا القرار التشريعي الدولي وحده رسّم حدود إسرائيل، لكن الدولة العبرية تجاوزته وزحفت قواتها من المناطق المخصصة لها على مساحة 52 % من أراضي فلسطين التاريخية إلى مساحة تقارب من 75 %، واستكملت ذلك باحتلال أراضي الضفة والقطاع والقدس كاملة، عدا عن طرد مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من المناطق المخصصة للدولة العبرية، علماً بأن قرار التقسيم الدولي الرقم 181 أشار وأكد على بقائهم على ارض وطنهم التاريخي. وبالمحصلة تم تعطيل الشق الآخر من القرار الدولي، وهو الشق الذي يدعو لقيام دولة عربية فلسطينية على الجزء الآخر من أرض فلسطين التاريخية. لذا فان ادعاء إسرائيل بكونها الوريث الشرعي لفلسطين الانتدابية يفتقر إلى المشروعية والمرجعية وفق القانون الدولي، ويبطل ادعاءها بحقها في السيادة على المساحة الفاصلة بين فلسطين الانتدابية وخط الرابع من حزيران / يونيو لعام 1967على طول الحدود مع سوريا. فضلاً عن ذلك فان ترسيم سايكس - بيكو نال اعترافاً من عصبة الأمم المتحدة عام 1934، وبالضرورة هذا لا يكسب الترسيم صفة شرعية على المستوى الدولي. فالصفة الشرعية تكتسب من الأمم المتحدة وهيئاتها باعتبارها الجهة الدولية الوحيدة المقررة عالمياً وفي القانون الدولي اليوم. كما أن حدود سايكس – بيكوعندما وضعت جاءت تلبية لمصالح استعمارية متبادلة بريطانيا وفرنسا ولم تكن هناك أصلاً دولة اسمها إسرائيل، بل ولم تكن نسبة اليهود على أرض فلسطين تتجاوز 9.35% من نسبة السكان، وتالياً لا تكتسب الدولة العبرية الإسرائيلية حقوقاً بأثر رجعي لا تمت له بأي حال من الأحوال بصلة (32).‏

وفي الوقت الراهن، وتحديداً بعد صعود أرئيل شارون في شباط / فبراير 2001 إلى موقع القرار الأول في الدولة العبرية فان مجرى التسوية اصطدم من جديد أمام العوائق الهائلة، ودخلت المنطقة وعملية السلام إلى مزالق الانهيار الكبير، فغاب المساران السوري واللبناني كلياً عن اهتمامات الإدارة الأمريكية، وأصبح المسار الفلسطيني تحت يد القمع الفاشي الشاروني الإسرائيلي وتحديداً في ظل الانتفاضة الباسلة القائمة على أرض فلسطين والتي انطلقت شراراتها في 28/9/2000 بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد 2 في تموز/ يوليو 2000. وفي هذا السياق فان سوريا العربية تعرضت ومازالت تتعرض لحملة ضغط كبيرة يديرها اللوبي المتصهين في إدارة الرئيس بوش الابن، وحملة إسرائيلية صهيونية لدفعها نحو تقديم تنازلات معينة، ولإجبارها على وقف دعمها حتى المعنوي والسياسي للقوى الفلسطينية واللبنانية، وتجددت النغمة الأمريكية التي تواترت عبر التصريحات الإعلامية خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكية كولن باول إلى دمشق والمنطقة في أيار / مايو 2003 والموجهة ضد سوريا بشأن الوجود الإعلامي والسياسي لعدد من فصائل وقوى المقاومة الفلسطينية فوق الأرض السورية، وارتفع منسوب الضغوط الأمريكية المشار إليها مع زيارة مدير المخابرات المركزية الأمريكية / سي أي ايه / جورج تينيت إلى دمشق نهاية حزيران / يونيو 2003 ودعوته العاصمة السورية لاتخاذ خطوات إضافية ضد القوى والفصائل الفلسطينية.‏

ومع أنها ـ أي الضغوط الأمريكية ـ ليست بالأمر الجديد، فقد سبق وأنتقدت الإدارات الأمريكية المختلفة الوجود الإعلامي والسياسي الفلسطيني بين تجمعات اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فوق الأرض السورية منذ عام النكبة. ومع أن الوجود المادي للقوى الفلسطينية في سوريا يقتصر فقط على الوجود الإعلامي والسياسي والاجتماعي داخل التجمعات الفلسطينية، كجزء من التعبير عن طموح المجتمع الفلسطيني اللاجئ وتمسكه بحقه في العودة إلى أرض فلسطين طبقاً لقرارات الشرعية الدولية، خاصة منها القرار 194 إلا أن الإدارات الأمريكية تجاهلت هذا الأمر بطريقة فجة، معتبرة بأن اللاجئين الفلسطينيين ليسوا سوى كتلة جامدة مانعة لاشعور وطني لديها، ولاتحمل مشروعاً محقاً في العودة، وعلى هذا الأساس فان الإدارات الأمريكية تعاطت مع حلول قضية اللاجئين على أساس التوطين أو التهجير.‏

من جانب آخر، لم يكن التطور المتمثل بالغارة الإسرائيلية على قاعدة فدائية فلسطينية مهجورة كانت تعود للجبهة الشعبية / القيادة العامة التي يتزعمها أحمد جبريل فجر 6/10/2003 بمعزل عن جملة الضغوط وعمليات الابتزاز الأمريكية المذكورة أعلاه، والتي تعرضت وتتعرض لها سورية منذ فترة ليست بالقصيرة. فالضربة كانت قصفاً جوياً بالقرب من العاصمة السورية دمشق هو الأول من نوعه منذ العام 1974، ونشراً جديداً للحرائق في المنطقة خارج الأراضي الفلسطينية واللبنانية، وان كان العنوان المستهدف وفق المصادر الأمنية والعسكرية الإسرائيلية عنواناً فلسطينياً (33).‏

وضبطاً، هي المرة الأولى ـ منذ فصل القوات على الجبهة السورية العام 1974 ـ التي تتعرض فيها منشآت فلسطينية مدنية كانت أم فدائية عسكرية داخل الأراضي السورية للقصف الجوي الإسرائيلي، بعد أن كانت عدة قواعد فدائية فلسطينية تتبع لحركة فتح، والجبهة الشعبية / القيادة العامة، ومنظمة الصاعقة تقع في مناطق ريف دمشق في بلدات : الهامة، وعين السخنة، ومعربا، وقاعدة حركة فتح البحرية في طرطوس، قد تعرضت للغارات الإسرائيلية الواسعة آخر مرة عامي 1972/ 1974.‏

فالغارة الإسرائيلية على سوريا في منطقة عين الصاحب الواقعة في محافظة ريف دمشق بالقرب من بلدة صيدنايا الشهيرة، والتي وقعت فجر يوم الخامس من أكتوبر / تشرين ثاني2003، شكلت بكل تأكيد تطوراً بالغ الخطورة في ظل فقدان وانعدام الرؤية والهيجان الهستيري لحكومة شارون، التي تعمل على تصدير أزماتها مع فشلها الأول في تحقيق الأمن الموعود للمجتمع الصهيوني، وفشلها الثاني مع استخدامها لغة القوة لكبح النزوع الوطني المقاوم للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومؤشراً يدلل على غياب الحدود الدنيا من التوازن السياسي عند الإدارة الأمريكية في تقرير المواقف بشأن دوامة عنف الاحتلال وسياساته الدموية المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ضد شعب أعزل.‏

كما أعادت الغارة إياها تجديد طرح الأسئلة المحيرة والمتعلقة بمصير خطة " خارطة الطريق " الأمريكية المتوقفة دون سكة على المسار الفلسطيني، بل ومجمل مصيرعملية التسوية المأزومة والمختلة أصلا على مختلف مسارتها، والتي يبدو أنها تناثرت أشلاءً مبعثرة مابين جنين وعين الصاحب.‏

بالمقابل، فان لدى الطرف السوري العديد من أوراق القوة، التي يستطيع أن يشحذها دوماً في وجه الضغوط العسكرية الإسرائيلية، الأمر الذي أشار له وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، قائلاً بأن سوريا سترد بقصف المستوطنات الإسرائيلية القائمة فوق هضبة الجولان إذا ما شنت إسرائيل هجوما جديد على الأراضي السورية. وفي مقابلتة مع صحيفة صنداي تلغراف قال الشرع " إذا ما تعرضنا لهجوم جديد فان شعبنا لن يتحمله ويتعين علينا تنفيذ أرادته" واضاف " في أيدينا أوراق عدة لم نلعبها، ولا تنسوا أن هناك كثيرا من المستوطنات في الجولان، لا أبالغ لكني أصف أموراً يمكن أن تحصل ".‏

وفي هذا السياق وبعد حروب واشنطن الكونية من أفغانستان إلى العراق، أطلقت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش خطتها العتيدة للمسار الفلسطيني / الإسرائيلي والمعروفة باسم خطة " خارطة الطريق "، فجاء التعاطي السوري معها بلغة دبلوماسية هادئة ومريحة، راعت تطورات مرحلة مابعد سوط بغداد وانفلات السياسة الأمريكية بانحيازها إلى الدولة الصهيونية، فراوح الموقف الرسمي السوري عند حدود الترحيب بالجهود الأمريكية لتحريك عملية التسوية في المنطقة، واعتبارها ضرروة لابد منها، فقد كرر وزير الخارجية السوري فاروق الشرع دعوته لـخطة " خارطة طريق " أمريكية ثانية للحل على المسارين السوري واللبناني / الإسرائيلي (34). في الوقت الذي تعاطت فيه العاصمة السورية بطريقة متوازنة مع مسائل الشأن الفلسطيني خصوصاً موضوع ماسمي بـ " الهدنة " فاستقبلت أحد قياديي حركة فتح في الضفة الغربية أحمد غنيم المكلف من مروان البرغوثي مسؤول اللجنة الحركية الذي أعد مسودة الاتفاق / الهدنة من داخل المعتقل في سجن الرملة الصهيوني (35)، وعقدا جلسات عمل مع زعيمي حماس والجهاد الإسلامي خالد مشعل ورمضان شلح وباقي القوى الفلسطينية في العاصمة السورية / دمشق (36)، حيث أدت في نهايتها إلى تنشيط النقاشات في قطاع غزة والتوصل إلى إعلان الهدنة المشروطة لمدة ثلاثة أشهر من قبل كتائب الأقصى وحركتي حماس والجهاد الإسلامي وذلك يوم 29/6/2003، وقالت دمشق على لسان الوزير فاروق الشرع بأنها " تبارك مايتوصل إليه الفلسطينيون "، وهذا الموقف يعكس بالتأكيد مدى التعاطي البراغماتي العملي السوري مع المعطيات الجديدة القائمة على الأرض مابعد تحولات زلزال العراق (37).‏

ولكن هذا الحيز المتاح من البراغماتية في السياسة السورية الراهنة يقع في مجال دونه الحيدان عن البوصلة التي تؤشر على اتجاهات السياسة السورية في كل مرحلة من مراحل مايجري في المنطقة.‏

(1) ـ أسقط هذا الادعاء الظروف الغامضة في مقتل مفتش وخبير أسلحة التدمير الشامل البريطاني ديفيد كيلي في ظروف مازالت غامضة في آب / أغسطس 2003، واللغط اللاحق الذي قام داخل الحكومة البريطانية وداخل المخابرات المركزية الأمريكية حول مدى صحة المعلومات بشأن أسلحة الدمار الشامل في العراق. ويمكن العودة إلى تصريحلت كبير مفتشي الأسلحة هانز بليكس لصحيفة الحياة يوم 19/9/2003 وتأكيده بأن واشنطن ولندن ضخمتا المعلومات، وأن الحرب على العراق لم يكن لها مبرر. فضلاً عن اعتراف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بأن الفريق الدولي المستقل التابع للأمم المتحدة والمؤلف من 1400 خبير لم يجد ما يثبت امتلاك العراق سلاح التدمير الشامل.‏

(2) ـ مؤتمر صحافي مشترك : فاروق الشرع وزير الخارجية السوري مع وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر/ دمشق يوم 23/6/2003.‏

(3) ـ تصريحات الرئيس بشار الأسد للصحفي الإيطالي الشهير أنطونيو فيراري ـ صحيفة كوريير ديلا سيرا الايطالية ـ والمنشورة على صفحات جريدة تشرين السورية ـ عدد يوم 30/9/2003 ـ ص3.‏

(4) – يتشكل ائتلاف الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا من أحزاب : حزب البعث العربي الاشتراكي ، حزب الوحدويين الاشتراكيين ، حركة الاشتراكيين العرب (عبد الغني قنوت) ، حركة الاشتراكيين العرب (غسان عثمان) ، الحزب الشيوعي السوري (بكداش) ، الحزب الشيوعي السوري (فيصل) ، حزب الاتحاد الاشتراكي العربي ، الحزب الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي (فضل الله ناصر الدين)، حركة الاشتراكيين العرب (أحمد الأحمد).‏

(5) ـ للاطلاع على بيان الشخصيات السورية الـ 120، يمكن العودة إلى صحيفة الحياة اللندنية ـ عدد يوم 23/4/2003 .‏

(6) ـ أثناء التحضير لانطلاق مؤتمر مدريد كرر وزير الخارجية الأمريكية السابق جيمس بيكر قوله بأن ماحدث في حرب الخليج الثانية، ويقصد حرب تحرير الكويت، يعتبر هزيمة عربية بالكامل، وأنّ على العرب أن يدفعوا ثمن الهزيمة.‏

(7) ـ أنظر : التقرير الاستراتيجي لمركز جافي الإسرائيلي ـ 23/9/2003 ـ نصوص منشورة على صفحات المطبوعات السياسية العبرية.‏

(8) ـ تعبير المحافظين الجدد وجد طريقه في المصطلح والتعبير السياسي في إشارة إلى ما أصبح يعرف بـ " الصهيونية المسيحية " أو المجموعة اليمينية الشابة نسبياً المسيطرة على قرارات الكونغرس الأمريكي، وذات التوجهات المؤيدة للدولة الإسرائيلية الصهيونية على طول الخط.‏

(9) صحيفة الحياة اللندنية ـ عدد يوم 27/9/2003.‏

(10) ـ صحيفة الحياة اللندنية ـ عدد يوم 20/9/2003.‏

(11) ـ أنظر : صحيفة البعث السورية ـ عدد يوم 18/11/2003 ـ الصفحة الأولى.‏

(12) ـ قتل رئيس الحكومة الإسرائيلية اسحق رابين في 4 تشرين الثاني / نوفمبر 1995 في ساحة / ميدان ملوك إسرائيل برصاص متطرف يميني صهيوني من أصول سفارديه شرقية يمنية هو إيغال عامير في حادث اغتيال هو الأول من نوعه في تاريخ الدولة العبرية.‏

(13) ـ في المرحلة الأولى من المفاوضات التي تلت افتتاح مؤتمر مدريد في 1/10/1991 والى حين مفاوضات شبردزتاون مثّل الطرف السوري المرحوم موفق العلاف وشارك بها بشكل رئيسي السفير السوري في واشنطن آنذاك وليد المعلم، فيما مثل الطرف الإسرائيلي ايتمار رابينوفيتش وهومستشرق إسرائيلي مختص بالشؤون السورية، ومن أعضاء الوفد الإسرائيلي البارزين اليهودي السوري الأصل يوسي هداس أو يوسف عدس كما هو أسمه العربي عند ولادته في حلب شمال سوريا.‏

(14) ـ لمزيد من التفاصيل يمكن العودة إلى كتاب : قضايا هضبة الجولان / الشرعية الدولية أم تربيع الدائرة ـ علي بدوان ـ دار الميزان بدمشق / 2001 م ـ الفصل الأول.‏

(15) – لمزيد من التفاصيل، أنظر: صحيفة الشرق الأوسط اللندنية ـ دراسة بقلم علي بدوان – مثلث ايلات – رأس النقب – رفح ـ عدد يوم 28/2/1998.‏

(16) _ رفضت سوريا بشدة مبدأ مبادلة " أرض بأرض"، أو " تأجير أرض "، وقال في حينها الرئيس الراحل حافظ الأسد أكثر من مرة جملته الشهيرة " الأرض عرض "، وأشارت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت في مذكراتها المعنونة بـ " السيدة وزيرة الخارجية " والمنشورة في مقاطع منها على صفحات الحياة اللندنية ـ عدد يوم الأحد 26/10/2003 ـ إلى أن الأرض تشكل بالنسبة للرئيس حافظ الأسد مسألة شرف وكبرياء.‏

(17) – قطار التسوية يتوقف فوق هضبة الجولان – علي بدوان – صحيفة الرأي العام الكويتية – عدد يوم 2/9/1997.‏

(18) ـ الحزب الثالث في إسرائيل من حيث عدد أعضائه في الكنيست الحالية السادسة عشرة ـ وهو حزب المتدينيين من اليهود السفارديم الشرقيين ، وزعيمه الروحي الحاخام عوفاديا يوسف.‏

(19) - خارطة القوى الإسرائيلية المعارضة للانسحاب من الجولان – صحيفة النهار البيروتية ـ عدد يوم 13/1/2000.‏

(20) _ انظر : رفض سوري لصيغتين جديدتين – صحيفة المستقبل البيروتية ـ عدد يوم 1/3/2000.‏

(21) ـ نشرة رصد إذاعة إسرائيل 23ـ24/12/1981.‏

(22) ـ استطاع أرئيل شارون عبر فوزه بالانتخابات المذكورة تشكيل حكومة ائتلافية إسرائيلية جديدة من 23 وزيراً بأغلبية ائتلافية مريحة وصلت إلى 68 عضو كنيست من أصل 120 عضواً بعيداً عن ابتزاز أحزاب اليمين الصغيرة.‏

(23) ـ أنظر كتاب : الجولان سجل أحداث .. إصدار الوكالة العربية السورية للأنباء/ سانا ـ 1982 ـ ص255.‏

(24) – صحيفة معاريف الإسرائيلية – عدد يوم 31/12/ 1999.‏

(25) ـ نشرت صحيفة الحياة اللندنية ما أصبح يعرف بقصة " وديعة رابين " في تشرين الثاني / أكتوبر 1999، بقلم الكاتب البريطاني المعروف باتريك سيل. وتشير وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت في مذكراتها المعنونة بـ " السيدة وزيرة الخارجية " والمنشورة في مقاطع منها على صفحات الحياة اللندنية ـ عدد يوم الأحد 26/10/2003 ـ إلى تأكيد الرئيس حافظ الأسد وجود " وديعة رابين " عام 1995 المتضمنة إعادة كل الجولان إلى وطنه الأم سوريا. وأشارت أولبرايت إلى قول الرئيس الأسد أمامها عام 1997 " لا أحد ولا أي طفل في سوريا سيوافق على السلام مع أي طرف يحتفظ ولو بشبر واحد من أرضنا ، ففي أي مكان في العالم ينظر إلى أي شخص يتنازل عن أرضه كخائن ".‏

(26) ـ أنظر الفصل الأخير، الملحق الأول، خط الانسحاب الإسرائيلي المقترح في مفاوضات شبيردزتاون.‏

(27) ـ يمكن العودة للنص الكامل للوثيقة الأمريكية على صفحات كتاب : الجولان السوري بين الحق والأطماع الصهيونية ـ مركز زايد للتنسيق والمتابعة ـ دولة الإمارات العربية المتحدة ـ ص51.‏

(28) ـ أنظر : ملاحظات على وثيقة العمل الأمريكية – السورية – الإسرائيلية ـ عصام خليفة ـ صحيفة النهار البيروتية ـ عدد يوم 26/1/2000.‏

(29) ـ أنظر: وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت في مذكراتها المعنونة بـ " السيدة وزيرة الخارجية " والمنشورة في مقاطع منها على صفحات الحياة اللندنية ـ عدد يوم الأحد 26/10/2003‏

(30) ـ يعود اللاجئون الفلسطينيون في سوريا بأصولهم إلى مناطق: شمال فلسطين /الجليل الأعلى والأوسط والغربي، الساحل الشمالي، الغور الشمالي ـ والأغلبية الساحقة تنتمي إلى منطقتي صفد وحيفا، أي إلى اقضية ومدن وقرى : عكا 8 بالمئة، صفد والحولة / عرب الغوارنة / 38 بالمئة، الناصرة 5 بالمئة، يافا 5 بالمئة، حيفا 22 بالمئة، طبريا 16 بالمئة، بيسان 2 بالمئة، وجزء قليل منهم يعود إلى مناطق وسط فلسطين: اللد والرملة والمثلث وطولكرم، وجنين، والقدس، وغزة ويعادل 4 بالمئة. وذلك وفق الأرقام المستخلصة من عينة المادة الخام في سجلات مؤسسة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بتاريخ 31/12/1998 ومن سجلات وكالة الاونروا التي تم الحصول عليها من المكتب الإقليمي للوكالة بدمشق، ووفق مصادرعديدة وبالعمل الاستبياني الشفهي لعينات من التجمعات الفلسطينية فوق الأراضي السورية ومن مختلف المخيمات.‏

(31) ـ نص التعديلات السورية على الورقة الأمريكية – صحيفة السفير البيروتية ـ عدد يوم 15/1/2000 كذلك صحيفة الحياة اللندنية ـ عدد يوم 16/1/2000 كذلك الوثيقة الأمريكية / صحيفة الحياة اللندنية ـ عدد يوم 11/1/2000.‏

(32) _ انظر : صحيفة الشرق الأوسط اللندنية – حقائق وأرقام في ذكرى النكبة – عدد يوم /5/1998، حيث تم استخلاص النسبة من الجداول المنشورة.‏

(33) ـ وقعت الغارة الإسرائيلية على موقع عين الصاحب داخل الأراضي السورية بعد يوم واحد من العملية الفدائية التي نفذتها الشهيدة هنادي جرادات بتفجير مطعم مكسيم في حيفا ظهر يوم 4/10/2003 الأمر الذي أوقع تسع عشر قتيلاً إسرائيليا وأعداد مضاعفة من الجرحى، وأعلنت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين مسؤوليتها عن العملية في بيان رسمي لها.‏

(34) – تصريحات وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في مؤتمره الصحفي مع وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر بدمشق يوم 23/6/2003.‏

(35) - أنظر صحيفة الحياة اللندنية ـ عدد يوم 30/6/2003 حيث أطلق على مروان البرغوثي لقب مهندس " الانتفاضة والهدنة " بعد دوره الملحوظ من سجن الرملة في التوصل لاعلان الهدنة من قبل الأطراف الفلسطينية المؤثرة، مع أن الهدنة لم تطل وأنهارت مع الخروقات الإسرائيلية وسياسة الاغتيالات.‏

(36) - صحيفة الحياة اللندنية ـ عدد يوم 26/6/2003 ـ ص5. ويمكن العودة إلى نصي الهدنة ، النص الأول وفق حركتي حماس والجهاد ، والنص الثاني وفق كتائب الأقصى والمنشورين على صفحات جريدة البيان الإماراتية / والسفير البيروتية ـ عدد يوم 30/6/2003.‏

(37) - صحيفة الحياة اللندنية ـ عدد يوم 29/6/2003 ـ ص4.‏


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات