بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> بأقلام الضيوف >>
فذلكات المثقفين اليساريين حول الثورة السورية
  11/09/2013


فذلكات المثقفين اليساريين حول الثورة السورية




سليم البيك





أردتُ فعلاً الاطلاع أكثر على مواقف لمثقّفين يساريين عرب من الضربة التي تنتظرها سوريا، أو ليس مواقفهم بل تبريرهم للموقف المتوقّع بناءً على تأييدهم الأوّلي لنظام الأسد ومنذ الأيام الأولى للثورة. ساعدتني على ذلك الطلّات الطارئة هذه الأيام للأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني خالد حدادة وذلك في مقابلات متتالية على كل من ‘إن بي إن’ و’المنار’ و’الاتجاه’، ثم نائبه السابق والكاتب في جريدة ‘الأخبار’ سعدالله مزرعاني في مقابلة على ‘الاتجاه’. لكني ولحسن حظي، ومنذ الدقائق العشرة الأولى منها جميعها، أدركتُ أن ما سأسمعه لن يزيد عن كونه ‘علاك مصدّي’ مُعاد تدويره على مسامع الكثير، فأحجمت.
الوحيد الذي استطعت سماع مقابلة معه هذه الأيام، وهو من أظنّه يسارياً، نائب رئيس تحرير جريدة ‘الأخبار’ (المؤيدة بشدّة للنظام السوري وحزب الله) الرفيق/الزميل بيار أبي صعب. قال الكلام ذاته الذي كان يمكن أن نسمعه من الرفيقين أعلاه، إلا أنه خالٍ من رتابة وزناخة القيادات الحزبية وخطاباتها. وما يهمني في هذه الزاوية هو الخطاب الذي يطرحه مثقفون ‘يساريون’ في المسألة السورية، وليست هذه الأسماء إلا أمثلة أستعين بها.
في برنامج ‘آخر طبعة’ على قناة ‘الميادين’ قبل أيام سألت المذيعةُ بيار أبي صعب عن ‘موقف المثقفين مما يحدث في الأزمة السورية’، فردّد ضيفها ما سمعناه ونسمعه من أي يساري كلاسيكي يُطرح عليه السؤال ذاته، ولنخرج بدايةً من المسألة الشخصية لأن الأجوبة هي التي تهمّنا، وهي ما يمكن تعميمها على كثير من ‘الرفاق’، فلنترك أبي صعب بحاله ولنأخذ بعض ما أجاب به: ‘إن قطر والسعودية تحاربان من أجل التقدم والديمقراطية في سوريا، ففهم المثقفون أن هذا (يقصد الحراك الشعبي) فخ’. أفهم إذن أن موقف المثقف يُترك لمواقف دول كقطر والسعودية تعمل وفق مصالحها الخاصة، كأي دولة أخرى أوّلها روسيا وإيران؟ أي أن هذا النموذج من المثقف اليساري الذي تعب على بناء عقل يتكئ عليه لبناء آراء ومواقف، يتّخذ مواقفه بشكل أوتوماتيكي مسبق يكون بالضرورة وفقط بناء على ما يخالف مصالح هذه الدولة أو تلك، مهما كانت؟ ثم تستدركُ الإجابةُ نفْسَها (تماماً كأي إجابة مُعبأة بالفهلوة اليسارية): ‘كثير من المثقفين مع التغير مع الديمقراطية’، ثم تعود الإجابة بنا بعد الاستدراك والتذكير الضروريين، إلى صلب الموضوع: ‘لكن في هذه اللحظة لم يعد هذا هو النقاشô هذه ضربة استعمارية للمنطقة فالمثقف يكون مع عاصمة الأمويين ضد من سيقصفونها لكن هذا لا يعني أنه انسحب من موقفه مع العدالة في سوريا، وانتقاداته للنظام السوري لأنه يُنتقَد ويُعارَض’.
هي إذن حلقة من الموقف والموقف المضاد الآتي على شكل استدراك يكون قلقاً، يؤكد فيه القائل، لذاته قبل أن يكون للمشاهد، أنه فعلاً (وحياة ستالين الذي لن يموت) مع العدالة والديمقراطية ومطالب الشعوب والخ. أما الضربة القاضية في الإجابة فكانت الإقرار بأن النظام السوري يمكن معارضته ويمكن نقده، أي إنْ بحثنا جيداً سنجد ما يمكن أن ننتقد النظام عليه وما يمكن أن نعارضه لأجله (كتّر خيرك والله).
من بين كل ما سمعت لفتتني عبارة قد تلخّص الموقف الثابت الذي اتخذه الكثير من المثقفين ‘اليساريين’ منذ كتب أطفال درعا ‘سوريا حرة’ و’يسقط الأسد’ إلى تاريخ نشر هذه الأسطر، عبارة استطاعوا تطويعها مع مختلف مراحل الثورة فصاروا يستخدمونها كأنهم تلفّظوا بها للمرة الأولى، ودون أن ينتبهوا.
عبارة ‘الفذلكة’ هي ‘لكن في هذه اللحظة لم يعد هذا هو النقاش’. حينما اندلعت الثورة سلمية واستمرّت بذلك لأشهر ‘انسحب لسان’ اليساريين الكلاسيكيين قلقين من ثورة شعب سلمية، فمهما كانوا ‘حربوقين’ لن يجدوا ما ‘يتفذلكونه’ في رفضها، كان ردّ من تسأله منهم عن موقفه أنْ انتظر لنرى ما سيحصل (كلّه أمل أن تظهر الجماعات الإسلامية التي يحضّر لها النظام). ثم بدأ بعض الجنود بالانشقاق وبدأنا نشهد مقاومة مسلّحة من قبل منشقّين ومن أهالي متطوّعين تواجه أجهزة الأمن والجيش النظاميين، هنا بدأ اليساري ‘الحربوق’ حين تسأله عن الثورة يقول ‘لكن في هذه اللحظة لم يعد هذا هو النقاش’ محوّلاً النقاش إلى تمرّد مسلّح وأنه مع الثورة السلمية (التي انسحب لسانه حين كانت). ثمّ بدأت الجماعات الإسلامية المتطرفة بالتشكّل في سوريا، فتسأله عن موقفه من الثورة فيقول ‘لكن في هذه اللحظة لم يعد هذا هو النقاش’ ويناقشك في الإرهاب الذي يتربّص بسوريا ويختصر الثورة كلّها بالمتطرفين ويستدرك أنه مع الثورة السلمية ومع الديمقراطية والعدالة في سوريا، السلمية التي اكتشف أنه معها بعد أن تسلّحت الثورة! ثم اليوم وبعد التهديد ‘والتهويش’ بضربة تكون امريكية أو أممية لا يهم، ضربة لمراكز عسكرية تابعة للنظام، تسأله عن موقفه من الثورة السورية فيعيد الإجابة ذاتها ويذكّرك بأنه مع الثورة السلمية والعدالة والديمقراطية للشعب السوري لكن في هذه اللحظة لم يعد هذا هو النقاش بْلا بْلا بْلا، نحن نتكلّم الآن عن استعمار وعدوان امريكي، ومهما كان لدينا من ملاحظات أو انتقادات على هذا النظام، وصدّقوني فيه ما يمكن أن ننتقده (فعلاً كتّر خيرك)، علينا أن لا نسمح لانتقاداتنا أن تبرّر لنا القصف والاستعمار الذي يتربّص بعاصمة الأمويين.
هل من كلام موزون أكثر من ذلك؟ هل من مقدرات عقلية على بناء المواقف النقدية والإقناع بها أكثر من ذلك؟ هل من أخلاقية ومصداقية أكثر من ذلك؟ هل من احترام لعقول المشاهدين أكثر من ذلك؟


ولإسلاميي نظام الأسد خطابهم


كان ذلك خطاب يساري يمكن القول بأنه كان لبقاً بالمقارنة مع ما سنراه هنا حيث أعرض لكم خطاباً ‘إسلامياً’ مؤيداً لنظام الأسد، نراه بوضوح في برنامج اسمه ‘أ ل. م’ تعرضه قناة ‘الميادين’ وهو من إعداد وتقديم الدكتور يحيى أبو زكريا.
‘أ ل م’ هو البرنامج الديني (الإسلامي) لقناة ‘الميادين’، وحسب التعريف به في موقع القناة، فإن من شأن البرنامج تفعيل النقاش الفكري (ركّزولي عليها) حول القضايا الإسلامية المعاصرة من موقع إسلامي معتدل (ركزولي عليها) كبديل عن الإسلام المتطرف، يناقش البرنامج قضايا سياسية ساخنة متصلة بالشأن الإسلامي ويقدم نظرة الإسلام إليها. حلو.
أذكّركم بأن البرنامج من إعداد أبو زكريا (الذي يشارك ضيوفه بالمداخلات كأنه أحد ضيوف نفسه، مخاطباً الكاميرا بشكل دعائي فج ومُتوقّع) أذكّركم بأن البرنامج يفعّل نقاشاً فكرياً، ومن موقع إسلامي معتدل، ويقدم نظرة الإسلام إلى القضايا السياسية.
شاهدتُ حلقة من برنامج كان أبو زكريا فعلاً الضيف فيه (دون الحاجة لاستضافة نفسه في برنامج يعدّه ويقدّمه)، وأين يا حزركم؟ على ‘الإخبارية السورية’ التي قدّمته باعتباره المفكر العربي والإعلامي المميز. شاهدت ما قاله أبو زكريا، وسأعرض بعضه حرفياً مستعيناً بنقاط تفادياً لذكر ألفاظ نابية.
ويا باراك أوباما يا حقيـ.. أمريكا، يا صعلو.. أمريكا، يا من تخلّيت عن شعبك (…). ال(…) سخّروك لكي تتوسّع في العالم العربي، هنا سوريا خفّف لهجتك، يا حقيـ.. أمريكا ليست سوريا تلك التي تُغزى، وعندما تتكلم عن سوريا لا أقول لك تتوضأ لأنك (…) ك(…) في دول النعاج ودول الخليج، لا أقول لك احترم نفسك. الجيش العربي السوري جيش شريف لا يؤذي الأطفال ولا يحارب بالكيميائي، الكيميائي مخصص للكيان الإسرائيلي ولأمريكا إذا وطأت أرض سوريا، والله سنبيدهم. وأنا هنا أتكلم باسم محور المقاومة وعندي إجازة في ذلك (!)، الجليل في شمال فلسطين يؤخذ من قبل المقاومة اللبنانية (المذيعة منتشية: نعمممم)، مضيق هرمز سيُغلق في إيران، وصواريخنا جاهزة والقيادة العسكرية في سوريا أُعطيت الأمر سلفاً إذا تمّ الاعتداء على سوريا سنبيد الكيان الصهيوني (يا ريت والله). أمريكا كذابة وبنت حرام. لا نريد لباراك أوباما هذا … أن ينتهي نهاية سوداوية، إذا جئتم سنبيدكم، إذا تدخلتم سنبيدكم، لنا مفاجآت. وبالمناسبة هي لهجة دافيد كاميرون ولهجة باراك أوباما وكلاهما أبناء (…) كلاهما أبناء (…) حقيقةً. دافيد كاميرون هذا يجب أن نبعثه إلى دولة الكاميرون في إفريقيا إلى قبيلة آكلة بشر يأكلونه وينهوننا من شرّه (هل تُنكّت يا أبا زكريا؟ أخبرنا كي نضحك). ونذكّرهم عندنا 10000 استشهادي ما شاء الله (ما شاء الله). صراحة لو عندي قنابل كيميائية لرميتها على الجامعة العربية، والله لو عندي كم قنبلة نووية أو كيميائية لرميتها، (الحقيقة أنك أشبه بنظامك في مسألة الكيميائي، وجيّد أنه لا يملك نووياً).
هذا إذن الخطاب الإسلامي المعاصر المعتدل البديل عن الإسلام المتطرّف (والبعيد كل البعد عن أي عنصرية صراحةً)، والذي يُعدّ برنامجاً له ويقدّمه لنا يحيى أبو زكريا نفسه، ومن خلاله تقدّم ‘الميادين’ رؤيتها للإسلام، القناة التي تخصّصت في ذمّ الجماعات الإسلامية المتطرّفة (وفيها كل أسباب الذم)، القناة التي اخترعت ‘جهاد المناكحة’ إعلامياً وروّجت له.
ألا يُعتبر ما قاله أبو زكرياً ضرباً من ‘جهاد مناكحة المَزاج’؟


لنتّفق على تأييد الضربة إذن


بعد كل التصريحات الانشطارية التي تقاذفتها على الشاشات وطرطشت الحيطان بها فرقةُ نُحاسيّات النظام السوري، والتي تتوعّد امريكا وإسرائيل إن تمّ ضرب النظام (الذي لم يرد على ضربات إسرائيل فكيف يرد على ضربات امريكا؟)، تلك التي تحكي عن ساعات معدودة تكفي لضرب تل أبيب، وساعات أخرى تكفي لتحرير القدس، إضافة إلى التصريحات الإكسترا-إيرانية التي تتوعّد بمحو إسرائيل عن الخارطة (بيعملوا معروف)، هذه الفرقة النحاسيّة التي بدأ بعضها بتمنّي أن تتجرأ امريكا على الضرب لتشرع في هزيمتها المطلقة في آخر حروبها في المنطقة، بعد كل تلك التصريحات لن أسألكم عن سبب الكتمان عن كل هذه القدرات الخارقة لسنين طويلة، طالما أنكم قادرون على تحرير فلسطين ولعن سنسفيل إسرائيل في ساعات، لكني أسألكم: ألا يوصلنا وعيدكم هذا الذي والله أتمنى تحقيقه من كل قلبي، ألا يوصلنا لنتيجة منطقية هي أن نؤيّد معاً، ولأسباب استراتيجية وقوميّة، الضربة؟ أن نستدرج امريكا لأن تُجن وتدقّ أول مسمار في نعشها بأوّل توماهوك تضربه على النظام السوري المتأهب للانقضاض عليها وعلى إسرائيل؟ طيّب ليش زعلانين؟


كاتب فلسطيني


 

 

شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات