بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> عن الجولان >>
الجولان في كتابات المبعوثين والرحّالة
  22/05/2006

الجولان في كتابات المبعوثين والرحّالة

عمر كوش

يمتد إقليم الجولان على مساحة تصل إلى 1860 كيلومتراً مربعاً في الزاوية الجنوبية الغربية من سوريا، يحدّه من الغرب فلسطين المحتلة، ومن الشرق وادي الرقاد الذي يصله بمحافظة درعا، ومن الشمال لبنان، ومن الجنوب الأردن. ويقع في منطقة الاستقرار الأولى فى سوريا، حيث تصل كميات الهطل المطري السنوي إلى نحو 1000 ملم. ويتموضع الجولان على أرض غنية بمياهها، مما يكسبه أهمية واضحة في المنطقة. ويبلغ ارتفاع أعلى نقطة في الجولان عن سطح البحر 2814 متراً فى جبل الشيخ، أما أخفض نقطة فتصل إلى 116 م تحت سطح البحر في منطقة الحمّة عند بحيرة طبريا، وهذا يخلق تنوعاً في المناخ، يتراوح بين البارد والمعتدل والحار، ويشكل ظرفاً مثالياً للزراعة على مدار العام، وللسياحة أيضاً، ولإقامة مشاريع صناعية ترتبط بالمنتوجات الزراعية.

وتعتبر مدينة القنيطرة، التي فصلت إدارياً عن مدينة دمشق عام 1966 لتصبح محافظة، أكبر مدن الجولان وعاصمته. وبلغ عدد سكان الجولان في ذلك العام أكثر من 147 ألف نسمة، بكثافة تتراوح بين 45 و75 نسمة في الكيلومتر المربع الواحد، قبل الاحتلال الإسرائيلي في 5 حزيران 1967.
ويحاول تيسير خلف في كتابه "استكشاف الجولان" عرض الصورة التي قدمها الرحالة والمستكشفون الأوروبيون لإقليم الجولان الحيوي، ووضعها في سياقها التاريخي العام، واستخلاص المعطيات الجغرافية والسكانية والطبيعية التي انطوت عليها كتاباتهم وأبحاثهم. وهو أمر يسهم في تكوين وعي تاريخي لجذور المطامع الأوروبية والصهيونية في هذا الإقليم السوري المحتل. ويتضمن كتابه تدقيقاً تاريخياً وجغرافياً عميقاً، يعبر عن نفسه في الاستعراض الشامل لمعظم الرحلات التي قام بها الرحالة والمستكشفون الأوروبيون إلى الجولان في القرن التاسع عشر، إضافة إلى تضمنه رسومات نادرة من الجولان في الفترة ذاتها.
ويقسم المؤلف الرحلات التي تناولت الجولان إلى أربعة أقسام:

الأول يشمل الرحلات التي أعدها المغامرون والجواسيس بهدف معرفة هذه البلاد المرشحة للاستعمار بعد حملة نابليون بونابرت على مصر وسوريا،

والثاني يشمل الرحلات التي أعدها رجال دين أنغليكان تمحورت أهدافهم حول إثبات صحة الجغرافيا الكتابية التوراتية؛

والقسم الثالث يشمل الرحلات التي أشرف عليها مهندسون وضباط عسكريون اهتموا بالخرائط والمعطيات الطوبوغرافية، ومهدوا بشكل أو بآخر للاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية لاحقاً؛

أما القسم الرابع فيشمل تلك المجلدات المزينة بالرسوم الشاعرية، والتي يغلب عليها الطابع السياحي الديني المسيحي.

ويبدأ الكتاب بالرحلة التي قام بها الدكتور "أولريخ كاسبر ستيزن" إلى الجولان في الشهر الأول من عام 1805، قبيل وفاة أحمد باشا الجزار. حيث ألهبت حملة نابليون على مصر مع نهاية القرن الثامن عشر، وما رافقها من اكتشافات أثرية وخرائط ومصورات، خيال الرحالة الأوروبيين، وأيقظت أحلامهم بالعودة إلى "الأراضي المقدسة"، بعد مضي ما يقارب خمسة قرون على نهاية الحروب الصليبية. وبدأ ستيزن جولاته الاستكشافية للجولان بالذهاب إلى جبل الشيخ (حرمون)، ومنابع الأردن وسائر مناطق الجولان الأخرى، منتحلاً شخصية طبيب يدعى موسى الحكيم. وسافر في عام 1807 من القدس إلى الخليل، ثم إلى مصر عبر صحراء سيناء، حيث أقام في القاهرة مدة عامين. وهناك اشترى لمتحف "غوتا" مجموعة من 1574 مخطوطة و3536 لقية أثرية.
ويعتبر المؤلف أن اكتشافات ستيزن ومفكراته ورسومه التخطيطية مثّلت وثيقة هامة، بل ومرجعاً لكل المستكشفين الذين أتوا من بعده. فقد أحدثت تقاريره حول الأراضي المقدسة، وخصوصاً الضفة الشرقية لنهر الأردن وطبرية والبحر الميت، إبهاراً في الأوساط الأكاديمية الأوروبية عموماً والإنكليزية خصوصاً. ففي عام 1809 وصل "يوهان لودفيغ بوركهارت"، السويسري الأصل والذي تعلم العربية في كامبردج، إلى حلب، واتخذ لنفسه اسم الشيخ إبراهيم بن عبد الله، التاجر المسلم، والرحالة الهندي الذي يحمل رسائل توصية من شركة الهند الشرقية للقنصل البريطاني في حلب. وعكف الشيخ إبراهيم على دراسة اللغة العربية حتى اتقنها ودراسة القرآن حتى صار يشرح لبعضهم ما استعصى فهمه من آيات الذكر الحكيم، ثم قام في عام 1810 برحلات طويلة في بلاد الشام، وخصوصاً الجولان، ثم وصل إلى القاهرة عام 1812 . وتوفي فيها عام 1817 ودفن على الطريقة الإسلامية حسب وصيته.

غير أن بوركهارت تغير كثيراً منذ أن بدأ رحلته عام 1809، إذ كانت غايته في البداية خدمة المشروع الاستعماري الإنكليزي. غير أنه في فترة لاحقة، وبعد أن تعرّف على الإسلام والعرب عن قرب وعاش بينهم، قرر ألا يتخلى عن حياد رجل العلم وإنصافه، فكتب عن الظواهر الإيجابية، وصوّر النواحي السلبية، كما هي، دون أحكام مسبقة. وغطت رحلاته إلى الجولان فترة تاريخية مهملة لم تتطرق إليها نصوص الرحالة العرب المسلمين، أو الوثائق العثمانية. وترك خلفه العديد من الكتب التي نشرت بعد وفاته، وهي: "رحلات في سوريا والأراضي المقدسة"، و"رحلات النوبة"، و"رحلات في بلاد العرب"، و"الأمثال العربية"... إلخ.
وشجعت أخبار رحلات بوركهارت، التي غطت ضفتي وادي الأردن الغربية والشرقية، رحالة ومستكشفين إنكليز آخرين على القدوم من جديد إلى الأراضي المقدسة، حيث قام ضابطان من البحرية البريطانية هما "تشارلز إربي" و"جيمس منغلر" برحلة استكشافية إلى ضفتي الأردن في طريقهما إلى مصر والنوبة، زارا خلالها الأراضي المقدسة، ومن ضمنها الجولان، وسجل لهما قصب السبق في اكتشاف بحيرة "فيالا" فيه. كما شجعت حالة الفوضى التي عصفت ببلاد الشام، نتيجة ضعف السلطنة العثمانية، النشاط التبشيري البروتستانتي، بعد أن توقف مع وفاة أحمد باشا الجزار. ومع دخول بلاد الشام تحت حكم محمد علي بدأ المستكشفون المبشرون بزيارة الجولان ودراسة آثاره مع عالم اللاهوت "إيلي سميث" والدكتور "إدوارد روبنسون" الذي سيكون له الأثر الكبير في تأسيس علم الآثار الكتابي، حيث لم تخرج بحوثه عن الإطار الكتابي (التوراتي) المغرق في لاهوتيته، فالتاريخ والآثار يجب عليها أن تخدم التبشير الأنغليكاني. ومع ذلك فإن المؤلف يرى أنه يمكن استخلاص الكثير من المعطيات الاجتماعية والسكانية الخاصة بشمال الجولان من بحوث روبنسون، ولا يمكن العثور عليها في أي مصدر آخر.

وعلى الطرف الأميركي، يمثل "سيلاه ميريل" الجيل الثاني من علماء الآثار التوراتيين الذين قصدوا الأراضي المقدسة بحثاً عن جغرافيا الكتاب المقدس، التي كانت تشغل رجال الدين الأنغليكان بشكل خاص. لكن المؤلف يعتبر أنه خلافاً لرجال الدين المتحمسين لإعادة اليهود إلى فلسطين وصولاً إلى "البهجة" الكبرى التي تسبق معركة "هارمجدون"، توصل ميريل إلى نتيجة معاكسة، أوصلته إليها معايشته الوثيقة للواقع بين عام 1882 و1886، حيث عمل قنصلاً للولايات المتحدة الأميركية في القدس، وأصبح من أشد المعارضين للاستيطان اليهودي الذي بدأ بالانتشار خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر.

آخر المستكشفين الذين يوردهم الكتاب هو "لورنس أوليفانت" المولود في أفريقيا عام 1829، لأبوين بروتستانتين متشددين. وعُرف بوضعه لخطة متكاملة للاستيطان اليهودي في جنوب سوريا، بما فيها فلسطين والجولان وشرق الأردن. وفي عام 1879 قام برحلة إلى سوريا، حيث جال الجولان ومنطقة شرق الأردن، ووضع كتابه "أرض جلعاد" الذي يشرح فيه أفكاره حول الموضوع، وحاول الحصول على دعم السلطنة العثمانية لخطته إلا أنه فشل. وفي عام 1882 عاد إلى فلسطين لمتابعة مشروعه الاستيطاني فيها.

إذاً، يرصد الكتاب عمليات استكشاف الجولان خلال قرن من الزمن، من خلال رحلات المستكشفين الغربيين الذين يعتبرون الجولان جزءاً من الأراضي المقدسة. وبالرغم من الجهود الكبيرة التي صرفت في دراسة المظاهر الطبيعية والسكانية والوقائع التاريخية والآثار، إلا أن هذا الإقليم السوري بقي أسير النظرة الاستشراقية التي تختزل تاريخه ببضع كلمات. ولم تؤكد الأبحاث التي تناولته الرواية الكتابية (التوراتية). لكن اليوم، وبعد مضي أكثر 38 سنة على احتلال الجولان، فإن أهالي الجولان تتملكهم الحيرة نتيجة العجز عن تحريره، سواء بالطرق العسكرية أم السياسية أم بكليهما، خلال العقود الطويلة الماضية. ويبدو أن مسألة استرجاع الجولان قد أرجئت إلى احتمالات تحولات مستقبلية خارجة عن أي سيطرة وطنية. وبالتالي تغيب، شيئاً فشيئاً، صورة إقليم الجولان عن الوعي الفردي والجمعي السوري أمام ضغط المشاكل الداخلية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية واليومية.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات