بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> عن الجولان >>
الجولان في الحراكات الإسرائيلية
  31/12/2007
 

الجولان في الحراكات الإسرائيلية

 بقلم : علي بدوان

قبل فترة قصيرة، كتب الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي افرايم عنبار في بحث استراتيجي عنوانه «كيف أخفقت إسرائيل في لبنان في صيف 2006»، يقول «إن إسرائيل أخفقت في حربها الأخيرة في لبنان ويرد ذلك الإخفاق إلى عدد من الأسباب
هي : فشل الاستعداد، وإدارة إستراتيجية غير مناسبة زمن الحرب، ونصب أهداف غير واقعية، وتجاهل الموقف الاسنادي السوري لحزب الله، مع استمرار الخمود في المسار التفاوضي السوري ـ الإسرائيلي».
كما كتب الخبير الاستراتيجي يفتاح شبير، في مقالة إستراتيجية عنوانها «ازدياد جيش سوريا قوة «يقول «إن الجيش السوري قد أخذ في المدة الأخيرة يزيد قوته في مجالات كثيرة، وخاصة بعد تجديد وإعادة إحياء العلاقات العسكرية مع روسيا، في ظل استمرار المراوحة بعملية السلام بين سوريا وإسرائيل».
أما الخبير الاستراتيجي الدكتور داني بركوفيتش، فكتب في مقالة إستراتيجية عنوانها «الحروب ـ لا تحدث إلا في الصيف»؟
يقول «إن القيادة الإسرائيلية تتابع بيقظة واهتمام وحذر ما يحدث في سوريا في المدة الأخيرة، وهوامش الأمن لدولة إسرائيل ضيقة وقد تكون الأخطاء باهظة الثمن جداً»، وفي مساحة الالتقاء المشتركة يجمع الخبراء الصهاينة الثلاثة على ضرورات الانسحاب الإسرائيلي من الجولان كشرط لابد منه لتوفير السلام لإسرائيل»، وينادون بإحياء المسار التفاوضي الإسرائيلي السوري في انابوليس والتقاط الفرصة المعروضة.
المقدمة أعلاه، كافية لامعان النظر والتحليل بمدى ما تشكله وما تحمله مسألة التسوية المنهارة والمتوقفة فوق هضبة الجولان منذ سنوات طويلة على الجانب الإسرائيلي، والحراكات الداخلية الناشبة داخل إسرائيل على خلفية الانقسام الداخلي بشأن التسوية مع سوريا واستحقاقاتها المطلوبة.
فمنذ فترة ليست بالقصيرة، وتحديداً بعد انتهاء جولات الحرب العدوانية الدموية الإسرائيلية ضد لبنان صيف العام الماضي، بدأت تتعالى الأصوات الإسرائيلية الحكومية والعسكرية والأمنية، تتحدث عن واقع التسوية المأزومة مع سوريا، بعد أن فقد الجيش الإسرائيلي «الهراوة الردعية» في حربه الأخيرة على لبنان، فدفعت إسرائيل ثمناً بشرياً ومعنوياً فادحاً.
وعن مدايات الاستعداد العسكري السوري لتوجيه ما أسماه البعض في إسرائيل (ضربة عسكرية قاسية) لإسرائيل، بل وحدا البعض من القادة الإسرائيليين للقول بأن إسرائيل ستبقى تعيش تحت كابوس الضربة القاتلة من جيش محترف، منادية بضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات.
وبالرغم من الضجيج الإعلامي الإسرائيلي بشأن الاستعداد العسكري السوري، انتقلت بعض الأوساط السياسية في تل أبيب للحديث المتفائل بشأن التسوية مع سوريا، مبشرة باحتمالات إقلاع قطار التسوية المتوقف فوق الهضبة السورية منذ عام 2000 عندما انهارت مفاوضات شيبرزداون مع الجانب السوري نتيجة الهوة الكبيرة بين الطرفين بشأن مبدأ الانسحاب الشامل والترتيبات الأمنية وغيرها من المواضيع التي باتت تشكل نقاط استعصاء كبيرة على مسار التسوية بين سوريا والدولة الصهيونية.
أضحت تعقيدات الانسحاب الإسرائيلي من الجولان مطروحة على جدول الأعمال لدى موقع القرار في إسرائيل، بين مؤيد لانسحاب جزئي وانسحاب شبه كامل وبين رافض لمبدأ الانسحاب، وارتفعت بذلك عقيرة أصوات التطرف التي تجاوب معها أولمرت لتغطية إخفاقاته وكسبها إلى صفوفه، فقد همس أيهود أولمرت لبعض رجالات الصحافة الإسرائيلية قبل فترةً قائلاً «هضبة الجولان دون سلام» أفضل من «السلام دون هضبة الجولان»، وأضاف «ستبقى الجولان في أيدينا إلى الأبد».
فالكلام أعلاه لأولمرت قيل بطريقة توحي بدرجة عالية من اللا مسؤولية، ويكذب الادعاءات السلامية الإسرائيلية والكلام المعسول الذي يصدر أحياناً عن تحالف حكومة (العمل + كاديما+.. ) بشأن المفاوضات مع سوريا.
خصوصاً عندما تتراكم المعلومات المتسربة والواردة من على طاولة أولمرت، والتي تشير إلى النوايا التي تؤكد عليها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وقادة الجيش الإسرائيلي الذين يتحدثون عن الحاجة إلى تغيير النظرية الاستخبارية العسكرية بالسرعة الممكنة بالنسبة إلى سوريا، وأن يتم تحديثها بخطوات استعدادية، وعملية فورية.
بما في ذلك زيادة كبيرة لعملية «نشر القوات «العسكرية، وإجراء التمارين والتدريبات العسكرية اللازمة على ضوء التجربة الإسرائيلية الأخيرة في لبنان. وعليه جاءت المناورات العسكرية الإسرائيلية الواسعة فوق أراضي هضبة الجولان.
كل المؤشرات الصادرة عن مواقع القرار الرسمي الإسرائيلي، تشي بالخيارات اللاسلمية الإسرائيلية تجاه سوريا. ولأول مرة بعد مرور سنوات طويلة، تعود إسرائيل لفحص الخيار العسكري الواسع كإمكانية واردة ضد سوريا، إن حرب لبنان وتداعياتها على الطرف الإسرائيلي، حرضت قطاعات من التجمع اليهودي على أرض فلسطين التاريخية، على إعمال العقل قليلاً، والتفكير مجدداً بمآلات الحروب والكوارث التي قامت عليها الدولة العبرية الصهيونية.
فسماء المنطقة بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان ملبدة بالغيوم الكثيفة، وأصوات متناقضة تنبعث من داخل الدولة العبرية الصهيونية، حاملة معها سيلاً من الأسئلة المصيرية على خلفية ما حدث وما سيحدث، وعن الدور السوري في الصمود اللبناني ودعم حزب الله.
ومن الزاوية المقابلة، إن حرب لبنان، أعطت دفقاً متزايداً من التفاؤل والشعور بالثبات وإمكانية الصمود لدى الطرف السوري، فالسوريون كونوا فكرة جديدة عن الجيش الإسرائيلي، باعتباره جيشاً سميناً تحولت دباباته الثقيلة من طراز الميركافا التي عبرت لبنان إلى أكوام من الحطب المشتعل، فهو جيش قليل الحركة، ويمكن وصفه ب«العتيق» غير المتجدد، إلا في قوة ضرباته الجوية، التي إذا تحملوها لبعض الوقت فإن نتيجة الحرب ستكون على غير ما يتوقعها قادة إسرائيل.
وعليه، لم تأت الوثيقة الإسرائيلية الجديدة غير الرسمية التي وقعها العشرات من الأكاديميين والكتاب والضباط الإسرائيليين والتي آتت بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان بفترة قصيرة من الزمن، والتي يدعون فيها رئيس الحكومة أيهود أولمرت للشروع في مفاوضات مباشرة مع كل من سوريا والفلسطينيين بما فيهم حركة حماس من فراغ، ولم تأت كصاعقة في سماء صافية. فقد جاءت في مسار حراكات متواصلة لم تهدأ داخل الدولة العبرية، وبعد النتائج الإسرائيلية والحصاد المر من الحرب الأخيرة على لبنان.
فالوثيقة تؤشر في جانب منها على استحالة بقاء الجمود الستاتيكي مسيطراً على الناس والمجتمع اليهودي داخل فلسطين المحتلة عام 1948، فهو مجتمع ـ أو تجمع بشري يخضع بالضرورة لعوامل التغيير اليومية، خصوصاً وأنها عوامل تجر وراءها طبيعة الأشياء، فالخطأ التاريخي للسياسات العربية كان ومازال يكمن نسبياً في النظرة إلى التجمع اليهودي على أرض فلسطين المحتلة عام 1948 باعتباره كتلة ستاتيكية مانعة جامعة من الأعلى إلى الأسفل، لا حراك بها، ولا تخضع لعوامل التغيير.
وما يعطي الوثيقة الإسرائيلية غير الرسمية المشار إليها أهمية، احتواؤها على أسماء هامة من فعاليات الدولة الإسرائيلية، كالحائز على جائزة نوبل العالمية البروفيسور اهرون شخنوفر، والكُتّاب: أ. يهوشع، عاموس عوز، ايلي عمير، يهوديت كتسير، يوكي براندس، والجنرالات ابراهام ادان، جنرال المخابرات العسكرية سابقاً شلومو غازيت، شلومو (تشيتش) لاهط، عاموس لبيدوت، العاد بيلد، فضلاً عن (47) بروفسوراً وأكاديمياً كبيراً، وكذا شخصية من رجال الأعمال.
إن الوثيقة الموقعة من بعض الفعاليات الإسرائيلية والداعية لفتح دائرة المفاوضات مع سوريا والنزول من هضبة الجولان، وتنفيذ خارطة الطريق على المسار الفلسطيني، لا تعني البتة المراهنة على عوامل التغيير الداخلي في إسرائيل، ولا تعني البتة بأننا أمام نقطة انعطاف جذرية في المجتمع الإسرائيلي، ولا يعني أبداً أن نجلس على مقاعد المتفرجين بانتظار عوامل التغيير الذاتي في إسرائيل.
فعوامل التغيير تحتاج بالضرورة إلى البيئة المناسبة والى شروط التغيير الناجمة عن الوسط العام، فكما أدت الانتفاضة والنضال الفلسطيني لتوليد تفاعلات هائلة داخل إسرائيل دفعتها للاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، فإن مواصلة الجهد العربي ومراكمة القوى تعدان العامل الأساس في توليد التفاعلات داخل إسرائيل.
بالرغم من الموقف الأميركي المنزاح نحو الرؤية الإسرائيلية، وسيل التحريضات الأخيرة التي غذى بها الرئيس جورج بوش الابن، نزعات المستوطنين والمتطرفين في إسرائيل الذين لا يريدون النزول من هضبة الجولان والانسحاب منها لقاء السلام مع سوريا.
ومع هذا، تعد العريضة إياها بادرة أولية لما يلوح، كمحاولة متجددة من حركات «الوسط واليسار السياسي الصهيوني» في إسرائيل، لتقديم بديل للجمود السياسي المسيطر في المنطقة بعد أن اصطدمت التسوية الإسرائيلية مع سوريا ومع الجانب الفلسطيني، بجدران الجنون الدموي الإسرائيلي المنفلت، وتطرف عتاة اليمين وجنوح الأقطاب القيادية ل«اليسار الصهيوني» نحو مواقع اليمين بشقيه العقائدي والتوراتي.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات