بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> عن الجولان >>
 سميح شقير فنان يدافع عن الحياة ويغني كي لا يموت
  06/12/2007
 

سميح شقير في ضي القناديل فنان يدافع عن الحياة.. ويغني كي لا يموت


على مدار حلقتين، استضافت الإعلامية الرائعة هيام منور في برنامجها الجميل في التلفزيون العربي السوري "ضي القناديل"، الفنان العربي السوري، ابن الجولان، صديق فلسطين، والأحرار أجمعين، الفنان الإنسان: سميح شقير.
سميح شقير، الذي غدا جزءاً من ذاكرتنا، لا يمكن أن نذكر أسماء الشيخ إمام، وأحمد فؤاد نجم، ومارسيل خليفة، وأحمد قعبور إلا ونضع اسمه معها، لا بجانبها، ولا يمكن أن نسمع أغانيه إلا ونزداد يقيناً، أن هذا الفنان المرهف، النحيل، الحزين إلى درجة الجمال، الذي لا يملك في الدنيا إلا هاجس الحرية له حنجرة تغني باسم حناجرنا، وله صوت دخل بيوتنا محترَماً، وبقي محترماً، فاتخذته أوجاعنا وأحلامنا رفيقاً لها، بكل محبة واحترام. ‏
لم يولد سميح شقير و«في فمه ملعقة من ذهب»، طفولته ندر فيها الفرح، «الألعاب فيها قليلة، المشاوير قليلة، والحلوى قليلة». ربما لهذا يكمن الحزن في أعماق عينيه، في ملامحه، وفي قلب ضحكته التي يضحكها مثل طفل، من القلب، ربما لهذا أراد التعويض عن قلة المشاوير بالخيال والشعر والغناء، وأراد التعويض عن "مرارة" طفل بلا حلوى من خلال نوستالجيا مغايرة، تجاه المستقبل لا تجاه الماضي، حنين إلى «حلاوة» أيام قادمة!
سميح شقير الذي لم تلاقِ موهبته وخطواته الأولى التشجيع من الأهل، بل الخصومة والجفاء، صار له أهل كبروا شيئاً فشيئاً، موزعين هنا وهناك، أغدقوا عليه الحب حتى صاروا يعدون بالآلاف والملايين: في البداية ثلة من الرفاق والأصدقاء في «غرفة صغيرة وحنونة»، جمهور أوسع على مسرح في الجزائر عام 1982، ثم حفلة وحفلات في وطنه سورية، في المخيمات الفلسطينية، جمهور عربي واسع في بلدان عربية عديدة، جمهور على الأسلاك الشائكة في الجولان يغني له ويغني معه، وجمهور فلسطيني في فلسطين المحتلة متعطش إلى الحرية وأغاني الحرية تَجمًّع في «قصر الثقافة» في رام الله يقابله سميح في «استوديو» خاص في بيروت ويتصل هو والجمهور بوساطة الدارة التلفزيونية، شاشة كبيرة هنا، وشاشة كبيرة هناك، لم يلاحظوا أن التكنولوجيا والاحتلال يفصلهم، تحايلوا بالتكنولوجيا على الاحتلال وشعروا أنهم معا ًرغم عسف المحتلين، اندمجوا معاً، تساموا على الحدود والقيود بالأغاني، ولم يشعر سميح بالوقت، ظن أنه غنّى خمس دقائق، لكنه غنّى ساعتين! ‏
ها هو سميح شقير، فنان كبير له جمهور كبير، كبير حقاً، لم «تحتضنه» محطات الموضة الفضائية، أو محطات «العولمة» الضحلة، ولم «تتبناه» شركة إنتاج فنية لتطلقه بسرعة صاروخية إلى الفضاء ليهوي سريعاً في الركاكة.. والنسيان، لقد شق طريقه بمكابدة وعصامية، ونال مكانته في قلوب الناس عن جدارة واستحقاق. ‏
لا تأسَ على ما فات يا سميح، وليس في مسيرتك ما يستدعي الندم. ها هم محبوك معك، معك حبيبتك صوفي «التي وجدتها.. وجدتها» والتي فتحت لك نوافذ وقدمت لك «قراءة كونية إضافية»، معك الوردتان الواعدتان «ناتالي»و «آنّا»، ومعك جمهور واسع محب، أحب كلماتك وموسيقاك وصوتك وشجنك، فنان أصيل، ملتزم بالحرية، يحفظ أغانيك الكثيرون، نقتني أشرطتك في البيوت وفي الذاكرة، نستعين بها على طرد الأسى والخوف من الأيام ولا «نخاف»! منها على أطفالنا، نسهر وإياك في برنامج ناضج تعده وتقدمه بمحبة ونضج إعلامية رقيقة وعميقة هي هيام منور، يخرجه بعناية عدنان أبو سرية، ويفتتحه وينهيه صوت «العندليب»، يشعل لنا ويطفىء «ضي القناديل»، فسحة للتأمل والخيال، راحة للروح قبل الخلود إلى النوم.. أو الخلود في الخلود. ‏
أود أن أبوح لك يا سميح بأمور شخصية إنسانية، وأنت مع الإنسان: ‏
بعد أن نجحنا للمرة الثانية في أن ينام ولدانا الصغيران «دالية» و«عمر» قبل أن تبدأ الحلقة الثانية من «ضي القناديل» ونسهر معك، أخبرتني زوجتي أنها نسخت كثيراً أشرطتك الأولى «بيدي القيثارة»، «لمن أغني»، و«حناجركم»، نسختها كثيراً ووزعتها بالمجان على أهلها وأصدقائها في سورية ولبنان وروسيا وفلسطين، وقالت لي مازحة إنها عندما تلتقيك ستقول لك بأنك مدين لها بخمسة آلاف ليرة.. بدل نسخ الأشرطة! ‏
بكت زوجتي عندما غنيتَ «رِجع الخَيْ»، وتواصل دمعها عندما طلبت منك هيام منور أن تغني «يا زهر الرمان.. آن أوانك آن» التي بكيتَ طويلاً حين ألفّْتَها، لأنها تحكي قصة قريتك التي مسحها الطغيان الصهيوني عن الأرض، أرض الجولان. ‏
أما أنا فقد حافظت بصعوبة على رباطة جأشي، وشعرت بالارتياح لأن هيام منور لم تطلب منك أغنية «يا سجاني»، فأنا أسير سابق لا تستدعي أغاني السجن لدي قسوة القضبان ولؤم الجلاد فحسب بل والرفاق الذين رحلوا أو يرحلون، ها نحن الأسرى الحاليين والسابقين ننقص واحداً.. واحداً، وترحل أمهاتنا اللواتي طاردن وراءنا وانتظرننا طويلاً، واحدة وراء الأخرى. وارتحتُ أكثر لأن هيام منور لم تطلب منك أغنية «السفينة»، فقد تاهت سفينة الفلسطينيين بسبب رجال السفينة، وصار لنا نكبة جديدة أقسى من نكبة بغداد، نكبة أضافت إلى ظلام الاحتلال ظلاماً أشد، هي نكبة غزة! ‏
كان مؤثراً ما رواه سميح عندما جاءته مجموعة من الشباب الفلسطيني بعد حفلة كبيرة في مخيم اليرموك قبل سنوات طويلة خلت، قائلين له أنهم من الضفة الغربية وأنهم يشكرونه لأنه يغني أغانٍ يغنونها هناك، دون أن يعرفوا أنه هو صاحب هذه الأغاني! ‏
هي ضريبة الإبداع والمبدع، فرحته وحسرته في آن، تُعرف أعماله وآثاره مع أنه يمكن نسيان أو إغفال اسمه. وقد يغني المغني في صالة أو ملعب أو ساحة أو ميدان كبير فَيُفرِحُ المئات والآلاف، لكنه يبكي وحيدا في جوف الليل حين تنام الدنيا ويعود إلى ميدان قلبه.. يرحل المغني وتبقى الأغنية. ‏
ولأنك غنيت: «لو رحل صوتي، ما بترحل حناجركم»، لديك «مخزون استراتيجي من الأمل»، وتقول «أخذتُ عن الأشجار أن أعيش واقفاً، وأعتقد بأنني لن أموت إلا واقفاً».. ‏
لأنك تغني: «لمن أغني في عصر الذرة والنيترون /في هذا الزمن المجنون/ للأطفال المحروقين أغني /للفقراء رماد هذا العالم/ أنا لا أغني طرباً.. أنا لا أغني/ أغني قبل أن أتمزق قهراً /وأغني هارباً ومن التابوت/ وأغني كي لا أموت».. ‏
لأن ذلك كذلك، لا أملك يا سميح إلا أن أحييك ببضع كلمات، أجدها أجمل من كلمات كونفوشيوس الذي قال: «لا تسلني عن قوانينهم، بل سلني عن موسيقاهم»، وأجمل من كلمات شكسبير الذي قال: «الموسيقا غذاء الحب»، كلمات قالها أديب وشاعر من فلسطين المحتلة عام 48، قرأتها عام 1970وراء القضبان في سجن عسقلان، كلمات المبدع أنطوان شماس الذي ألف رواية بالعبرية سماها «أرابيسك»، كلمات هزتني قبل 30 سنة وسترافقني إلى القبر، هي: ‏
قُلْ لعازفِ الجيتارْ، في بوابةِ الخليلْ ‏
كلُّ بيوت المدينة، ستنهارْ ‏
إذا توقفْ


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات