بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> عن الجولان >>
هل يمكن القطع مع الجمود حول مسألة الجولان؟
  10/04/2007

هل يمكن القطع مع الجمود حول مسألة الجولان؟

ما زال الشك هو الحالة المسيطرة في دمشق حول إمكانية إعادة دفع المفاوضات مع إسرائيل، ومع أن الفرصة التي وفرتها حرب لبنان الأخيرة لم تغلق بعد فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت يعيش وضعية هشة، إذ إنه لا يتمتع إلا بـ2% من الدعم الشعبي لحكومته وهو يواجه في هذه الحالة وضعاً كارثياً، واستمرار حياته السياسية تظل غير مؤكدة بالنظر إلى الأزمات التي يواجهها ولاسيما تلك التي تولدت عن حرب لبنان إضافة إلى مجموعة من الفضائح القانونية الأخرى.
ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن ضعف أولمرت هذا سوف يدفعه بصورة قطعية إلى مواجهة عسكرية جديدة مع حزب اللـه أو سورية، إذ إن إمكانية أن يصبح أولمرت قائداً وبطلاً عبر قعقعة السلاح قد ولت وأصبحت وراءه. فالجمهور الإسرائيلي، الذي مازال متأثراً بالصدمة والمرارة التي عاشها في الصيف الماضي، سوف لن يتبع قيادته بصورة عمياء في أي مغامرة أخرى. ولكن قد يشكل حدثاً كبيراً، كأسر جنود إسرائيليين من قبل حزب اللـه مثلاً، فرصة استفزازية كبيرة سوف تتبعها دون أدنى شك ردة فعل حماسية يمكن لأولمرت أن يستغلها ليدخل في مغامرة جديدة. ولكن في غياب أي استفزاز من هذا القبيل فإنه من المستبعد أن تحدث أحداث دراماتيكية.
على العكس من ذلك تماماً فإن إخفاق الخيارات التي اعتمدها أولمرت (الانسحابات الأحادية، الحرب ضد حزب اللـه، ومحاولة تهميش حماس) سوف تدفعه بالتأكيد إلى محاولة طرق أبواب أخرى لم يطرقها من قبل: باب المفاوضات مع دمشق. ذلك أن مشواره السياسي الهش في مواجهة أزمات متزايدة سوف يدفعه إلى إعادة البحث في خيارات أخرى تعيد الحياة لفراغ سياسي وهو إعادة إحياء فكرة السلام من جديد.
الجميع يعتقد أن الإدارة الأميركية لن تشجع هذا الخيار، هذا ربما يكون صحيحاً ولكن هذا الاعتقاد يخفي وراءه سوء تقدير، إذ من الخطأ التخيل أنه لا يوجد خيار حر ومستقل لإسرائيل خاصة إذا ما تعلق الأمر بخيار حيوي وملتصق تماماً بالمصالح الإسرائيلية الحقيقية.
من الناحية التاريخية يظل من الصعوبة العثور على أمثلة حقيقية تبرهن على ما ذهبنا إليه، ولكن أيضاً يجب أن نلاحظ أن «فيتو» إدارة بوش على الحكومة الإسرائيلية لا معنى له في العمق دون الموافقة المسبقة لأولمرت عليه! بمعنى إذا رأت حكومة أولمرت أن هناك مصالح سياسية وإستراتيجية يمكن أن تجنيها إسرائيل من التفاوض مع سورية فإنه سيصبح من الصعوبة للإدارة الأميركية أن تعارض ذلك. في سياق ذلك هناك اعتقاد في دمشق مفاده أن الطريق إلى إسرائيل يمر حتما عبر واشنطن، في حين ربما يكون العكس أقرب إلى الصحة.
بطبيعة الحال، فإن الجمهور الإسرائيلي الآن يعد أكثر اعتراضاً على إعادة الجولان كما كان عليه الحال قبل سنوات حتى وإن بدت هناك بوادر لإطلاق مسار المفاوضات من جديد. ولكن تظل هذه الفكرة مقبولة أكثر داخل بعض النخب وهنا لا نذكر فقط تلك النخبة المكونة من مسؤولين سابقين أو من مجموعات يسارية ولكن أيضاً تجد هذه الفكرة طريقها إلى أوساط المسؤولين في وزارة الدفاع والاستخبارات في إسرائيل.
إن مثل هذه التطورات تستحق في الحد الأدنى نوعاً من التنشيط، إذ إن حالة المنطقة تشهد انهيارات دراماتيكية يصبح معها الانتظار مهمة مؤذية، وفي سياق هذا المشهد أصبحت سورية في قلب العاصفة على الرغم مما يحدث من أزمات في فلسطين ولبنان والعراق قد يعطيها مبرراً عقلانياً لموقفها. فاستقرار سورية أصبح مهدداً بالديناميكية المتفاعلة في المحيط الإقليمي وخاصة ما يتعلق بالنمو المتزايد لظاهرة السلفية الجهادية وازدياد التوتر الإثني والطائفي، وبالتالي يمكن لاتفاقية سلام أن تسلح سورية لمواجهة كل هذه التحديات المحيطة.
و لكن ماذا يمكن لسورية أن تقدمه لإعادة إطلاق المحادثات مع إسرائيل؟ سوف يكون من غير المجدي انتظار أن تقدم تنازلات كبيرة كتلك التي تضعها إسرائيل بصورة شروط مسبقة (طرد أعضاء حماس، قطع العلاقة مع حزب الله، الابتعاد عن إيران) فسورية ترفض التفريط في أوراق تعتقد أنها أوراق مهمة في أي عملية تفاوض مفترضة، كما أنه من الوهم الاعتقاد بأن دمشق يمكنها أن تقدم على «سياسة جريئة» في مجال العلاقات العامة عبر ما يسمى «إجراءات بناء الثقة» كالخطوات الرمزية التي أقدم عليها السادات. إن مبادرات من هذا النوع سوف يكون لها تأثير أكيد على الجمهور الإسرائيلي، غير أن تأثيرها قد يكون زائلاً ولن تجبر حكومة أولمرت على تغيير اتجاهها. ذلك أن الثمن المطلوب دفعه، ولاسيما على مستوى السياسة الداخلية، يبدو أنه سيكون مرتفعاً إزاء نتائج غير محققة.
إن هذه الحدود لا تبرر بالمقابل اللامبالاة وعدم الحركة، فمن مصلحة سورية أن تقوم بإقناع العالم الخارجي بأنها ترغب حقيقة في السلام، ذلك أن تكرار الرغبة في أن السلام «خيار إستراتيجي» لا تكفي بحد ذاتها. فعلى دمشق إذاً أن تطور رسالة أكثر وضوحاً وأكثر فاعلية في هذا السياق، وفي البداية يجب على سورية أن تأخذ بجدية مزاعم وذرائع الجهة المقابلة: مطلب العودة إلى حدود 1967 هل يمكن وصفه بأنه شرط مسبق سوري؟ أولوية دمشق هل هي بالفعل الجولان أم لبنان؟ هل تهتم سورية حقيقة بنتائج المفاوضات أم بمسار العملية التفاوضية بحد ذاته باعتباره يشكل مدخلاً لتسهيل التقارب مع واشنطن؟ وأخيراً، هل يمكن لأي ترتيبات نهائية في مسألة النزاع الإسرائيلي السوري أن تؤثر على موقف سورية الإقليمي وبصورة خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع حزب الله وحماس وإيران؟
كل هذه التساؤلات تظل حاضرة ومحددة في النقاشات الدائرة في إسرائيل والغرب وهي تساؤلات تبقى دون أجوبة عبر خطاب رسمي يستند إلى تلك العبارة المكررة بصورة دائمة «السلام خيار إستراتيجي». وبصورة متناقضة تماماً، فإن للمسؤولين السوريين مواقف وردوداً قوية لمواجهة تلك التساؤلات، وهذا ما تمت مناقشته في تقرير جديد لمجموعة الأزمات الدولية (متاح على الانترنيت على الموقع التالي: www. crisisgroup.org). ولكن المشكلة في فهم المواقف السورية تجبر العالم الخارجي ليس فقط على بذل جهود للقدوم إلى دمشق ولكن أيضاً العمل على «اقتلاع» تلك الأجوبة من المحاورين السوريين.
إذا أرادت سورية أن تقنع الآخرين فيجب عليها أولاً أن تعمل على تطوير مقترحها وتوضيحه وإغنائه أكثر، فمن الملاحظ هنا أن سورية لم تستثمر أي جهد، هذا إذا استثنينا المشاركة السورية الأخيرة اللافتة في مؤتمر مدريد +15 وهو حدث أقيم في ذكرى مؤتمر مدريد التاريخي الذي عقد عام 1991، وكثيراً ما يتردد المسؤولون السوريون في اتخاذ أدنى مبادرات العلاقات العامة حتى وإن لم تكن موجهة مباشرة إلى الرأي العام الإسرائيلي ومن الواضح أن هذه الحالة تبقى نتيجة لغياب سياسة اتصالات وعلاقات عامة التي تمكن الناطقين باسم الحكومة المحددين من هامش واسع للتعبير عما يمكن التعبير عنه.
بكل تأكيد، فإن سورية يمكنها أن تنتظر حتى يتحول العالم من حولها، وفي هذا السياق فإنها تقوم بما يمكن القيام به من أجل بناء سياسة بقاء، ولكن من المفيد التذكير بأن العالم حول سورية يتغير بطريقة قد يضع مسألة سياسة البقاء معضلة أو تحدياً يزداد تعقيداً وصعوبة.

 بيتر هارلينغ ممثل مجموعة الأزمات الدولية بدمشق

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات