بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قرى الجولان السورية المدمرة  >> شهادات حية ... >>
شهاد المواطن محمد جمعة عيسى من قرية البطيحة
  22/04/2012

 شهاد محمد جمعة عيسى


أنا من مواليد 1945. لا أتذكر فلسطين البتة. لكني كنت أسمع من والدي أن العلاقات بين سكان فلسطين وسكان الجولان كانت جيدة جداً. كانت هناك حركة تجارية بين الجانبين ومصالح وثيقة بين المواطنين في فلسطين وسوريا. سكن الكثير من الفلسطينيين في الجولان. هم جاؤوا إلينا لأننا الأقرب إلى فلسطين، وتشاركنا معاً في المصير نفسه.
معظم الفلسطينيين في الجولان من منطقة الغوير القريبة من طبرية، ومن نواحي الحولة. في
البطيحة سكن نحو مئة عائلة فلسطينية، واندمج أفرادها بالمجتمع سريعاً، فنحن من البيئة نفسها. عملوا في الزراعة وتربية المواشي وزراعة الحبوب وشيدوا بيوتاً من الحجر والطين. سبقنا الفلسطينيون في التعليم، بل نحن تعلمنا في مدارسهم. فوكالة الغوث (الأونروا) أنشأت مدارس للفلسطينيين، ولم يكن لدينا مدارس كافية، فاستفاد أبناؤنا من هذه المدارس. أنا نفسي تعلمت في مدرسة اليازور وهي تابعة لوكالة الغوث.
عمل الفلسطينيون، في البداية، في الأرض. والأرض كانت تحت تصرف المالكين. وهؤلاء أعطوا الكثير من الأراضي للاجئين من فلسطين للعمل عليها بنظام المرابعة. نحن أبناء البلد لم نمتلك أرضاً إلا عندما صدر قانون الإصلاح الزراعي بعد قيام الوحدة المصرية ـ السورية عام 1958. وحتى سنة 1966 لم تستكمل عملية تمليك الأراضي. وفي سنة 1967 نزحنا ولم يعد هناك مجال لتوزيع الأرض.
كان من كبار الملاكين فؤاد اليوسف وهو كردي حفيد عبد الرحمن اليوسف. وكان أبو يوسف اللوباني، وهو فلسطيني، من كبار مستثمري الأراضي. ومنذ وصوله راح يستأجر الأراضي من فؤاد اليوسف ويستثمرها. وثمة آخر اسمه عبد المجيد قوطرش، وهو كردي أيضاً. فؤاد اليوسف تملك الأراضي بوضع اليد. ولما جاء الإصلاح الزراعي اكتشفوا عدم وجود سندات تمليك لديه. عند ذلك استولت الدولة على الأراضي ووزعتها على الفلاحين. أما الفلسطينيون فلم يتملكوا أرضاً، لكن الدولة منحتهم أراضي للعمل فيها.
كنا نسبح في طبرية ونصطاد السمك. لم أذهب إلى مدينة طبرية بل إلى بحيرة طبرية. ويومياً كنا نذهب إلى البحيرة، وبيتي لا يبعد عن البحيرة أكثر من ألف متر. والأرض التي تفصلنا عن البحيرة كنا نزرعها نحن أهل البطيحة بالحمضيات والفاكهة والحبوب وجميع أنواع الخضار. وتوقفنا عن الذهاب إلى البحيرة عندما نشبت المعارك في تلك المنطقة في الستينيات. وما عاد في الإمكان الذهاب لاصطياد السمك. كنا نصطاد السمك ولنا الحرية الكاملة في الصيد في البحيرة ونزرع الأراضي أيضاً.
كانت أراضينا تمتد حتى الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية، وكنا نأخذ المياه ونسقي الأرض ولنا أكثر من سبع طواحين على المياه في منطقة الطواحين. وهذه المياه كنا نجرها من نهر الشريعة أي نهر الأردن. حتى أن منطقة البطيحة كلها كانت ترتوي من قناة اسمها «قناة العفريتية» وطولها أكثر من 20 كيلومتراً. وفي إحدى المرات أرادت إسرائيل تحويل نهر الشريعة إلى منطقة النقب فحدث إطلاق نار واشتباكات. وكانت إسرائيل هي البادئة دائماً.
لم تكن ثمة منظمات فدائية إلا بعد الستينيات. كانوا قلة واسمهم «المجاهدون». وأذكر من هؤلاء المجاهدين حسين علينا وقد لجأ إلى البطيحة من فلسطين وكان مجاهداً في حرب 1948. لم نسمع عن فتح إلا بعد سنة 1965. لكن لم يكن لها أي نشاط في تلك الفترة. بعد نزوحنا إلى دمشق في سنة 1967 تعرفت إلى منظمات المقاومة كالجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية وغيرهما. لكن، في البطيحة، لم يكن هناك نشاط فدائي واسع قبل العام 1967.
في 5 حزيران/يونيو 1967 حصل قصف عنيف على قرى الجولان. بدأ الإسرائيليون يقصفون المعسكرات السورية في الجولان، ثم راح القصف يطاول المنازل وتجمعات المدنيين. وخافت العائلات على أبنائها فبدأوا النزوح. في البداية خرج الناس إلى المرتفعات مخلفين وراءهم منازلهم، ولجأوا إلى الأحراج والمغاور وبساتين الزيتون. نام الجميع في العراء حتى اليوم الثاني. وفي اليوم الثاني وبسبب الحرب النفسية التي بثتها القوات الإسرائيلية، ولعدم وجود الوعي بضرورة التشبث بالأرض، سارت الجموع نحو حوران هرباً من أوامر الجيش الإسرائيلي التي كانت الإذاعة الإسرائيلية تبثها مثل: «إرفع الراية البيضاء».
كان إخواننا الفلسطينيون يحدثوننا عن مذبحة دير ياسين والمذابح الأخرى التي جرت في فلسطين. وكان الجيش الإسرائيلي، في مخيلتنا، جيشاً لا يتورع عن ارتكاب المجازر. ولهذا خرج الأهالي إلى الأحراج مؤقتاً لأنهم ظنوا أنهم سيعودون في الليل. لكنهم خرجوا ولم يعودوا البتة وبقيت حاجياتهم داخل بيوتهم. هناك بعض المواطنين في منطقة «الديابات» أو «الدردارة» تشبثوا بمنازلهم ولم يغادروا، لكن الإسرائيليين أجبروهم على الرحيل إلى خارج القنيطرة. وبعض سكان البطيحة ظلوا في أراضيهم، فاعتقلهم الجيش الإسرائيلي، وأعدم جميع من كان يملك بنادق 36 النصف آلية وهي عائدة للجيش الشعبي.
قبل الجولان كانت القضية الفلسطينية. فإذا عاد الجولان إلى السيادة السورية ولم تحل القضية الفلسطينية، فلن يكون هناك سلام أبداً. وحتى لو جرى توقيع السلام فأنا أتوقع ألا يكون سلاماً أبدياً، فلا بد من تحرير فلسطين، وهذه مهمة أجيال المستقبل. أما أن يتحقق سلام دائم قابل للحياة فهذا أمر لا أتوقعه.

 ـ محمد جمعة عيسى من مواليد قرية البطيحة المشرفة على بحيرة طبرية.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات