بحث في الموقع :
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  المعرفة >> شخصيات ورموز عربية >>
سيرة صوفية للشيخ الداعية محمد أبو هلال في وادي التيم القرن السابع عشر
  31/01/2010

قرى جبل الشيخ (حرمون) من معاقل دعوة الموحدين الدروز
سيرة صوفية للشيخ الداعية محمد أبو هلال في وادي التيم القرن السابع عشر





... وفي كوكبا - أبو عرب. السنديانة أمام المقام في كوكبا. (سعيد معلاوي)

بعدما كثرت التفسيرات والاجتهادات حول أحد المتصوفين من أهل التوحيد في أرض الجبل المقدس (حرمون أو جبل الشيخ) الشيخ الفاضل محمد أبو هلال، كان لا بد لنا من الاضاءة على سيرته التي بدأت في العام 1577م واستمرت 63 عاماً.
الجانب الروحي والايماني من سيرته لا يزال متداولاً، ونعتمد هنا في روايته على جانب مما جاء في كتب الباحث منير سعيد مهنا من راشيا الوادي، الذي وثَّق في الكثير من الاحيان هذه السيرة بالكثير من الادلة والاشارات الصادرة عن اهل الدين والتقوى.
اسم المتصوف محمد وكنيته ابو هلال ولقبه "الشيخ الفاضل". يذكر تلميذه وكاتب سيرته الشيخ ابو علي عبد الملك ان وفاة الشيخ الفاضل كانت ليلة جمعة في 22 من شهر شعبان العام 1050 للهجرة، (1640م) وله من العمر 63 سنة. وبذلك يتحدد تاريخ ولادته السنة 989 للهجرة (1577م). اما مكان ولادته فكان في احدى حارات قرية كوكبا ابو عرب في منطقة راشيا الوادي تدعى الشعيري. نشأ الشيخ الفاضل يتيم الاب، وارثاً عن اهله بعض الماشية التي كانت مصدر معيشته مع امه. ولما لم يكن في قريته مرشد يعلمه اصول الكتابة اصطنع لنفسه لوحاً كان يحمله في تجواله مع قطيعه سائلا من يلتقيهم من اهل العلم والمعرفة ان يدونوا له الحروف ويعلموه شيئاً من الكتابة، فاتقن الخط وتعلم القراءة ببداهة لافتة تدل الى فطنة وشغف بالعلم مذ كان طفلا.

كرامة ربانية


بعد طفولته الاولى في كوكبا انتقل الشيخ الفاضل الى بلدة راشيا الوادي للعمل فيها مع والدته في تربية دود القز والزراعة في رعاية الشيخ ابو عبادي محمد من آل زاكي، وقد امضى في راشيا فترة لم يحددها احد بدقة، بعد وفاة الشيخ ابو عبادي غرقاً في نهر الليطاني، فعاد محمد ابو هلال الى حارة الشيعري في كوكبا، وقد زادته هذه الحادثة ايماناً وورعاً ورغبة في الاقبال على دراسة التوحيد وحفظ المعلوم الشريف، متابعاً حياته الدينية المتجردة للعبادة والعمل، فاذا ما أنجز عمله اليومي عاد الى كهف مقابل لحارته في منطقة تدعى الشقيف (وتعني بالسريانية الصخر العظيم) للعبادة بعيداً من عيون الناس وطلباً للخلوة مع الذات المتأملة في عظمة الخالق.
ولما علم بعض شبان القرية بأمر الشيخ ابو هلال تشجعوا لمجاراته في العبادة وتوافدوا اليه يمضون معه وقتاً فوق ذلك المنحدر القريب من غابة السنديان التي لم يبق منها اليوم سوى شجرتين معمرتين الى جانب مقام اقيم له في المكان.
وقد أكرم الله عبده الزاهد الخاشع بأن سخر لغذائه خلية من النحل كانت تقيم في اعلى سقف الكهف تقطر عسلا في جرن حجري صغير داخله، فما ان يدخل الشيخ ابو هلال الكهف حتى يمتلىء الجرن بالعسل الذي يكفيه ومن معه.
تلك الكرامة الربانية اعتبرها اهل القرية منحة دالة الى المكانة الروحانية للشيخ ابو هلال، وتوافدوا الى الكهف ليشاهدوا قدرة الله بعدما شاع الخبر بينهم.
انتقاله الى دمشق
بعد مدة امضاها الشيخ الفاضل في قريته كوكبا، كان قراره الذهاب الى دمشق لتحصيل العلوم الدينية، كما فعل من قبله الامير السيد عبدالله التنوخي، والذي كان يعتبره الشيخ مرجعاً في شرح امور عقيدة التوحيد ومسلكها.
في دمشق قرأ الشيخ الفاضل على شيخ كبير المقام في تجويد القرآن الكريم والفقه والنحو والاحاديث النبوية الشريفة، فبلغ في تحصيل تلك العلوم مبلغاً كافياً فاق فيه أقرانه وجعله موضع احترام وتقدير عند معلمه الشيخ. وقد رغب من شدة اعجابه بشخصيته وذكائه ان لا يقتصر في تعليمه على العلوم الدينية فقط بل ان ينهل من العلم في كل شأن.
استقر الشيخ الفاضل قرابة سنة ونيف في بلدة عين عطا، وفيها تعرف الى الشيخ ابي جابر ناصر الدين كبول من قرية عرنة السورية، والى الشيخ ابي صافي محمد من آل ابو ترابي من قرية عين حرشا المجاورة لمكان اقامته، واخذوا يتعبدون معاً مع نفر من المشايخ الراغبين في التعمق في معرفة المسلك التوحيدي والافادة من علوم الشيخ الفاضل وسعة اطلاعه، فكان مرجعهم سلوكاً ومعرفة. اشتهر مسلك الشيخ الفاضل بين الناس فاصبح مقصداً لكل الموحدين، يراجعونه في شؤونهم وامورهم الدينية طالبين مشورته، سائلينه النصح والارشاد كي يكونوا على الطريق القويم، فقام بينهم مقام المرشد يهديهم بمعرفته ويفتي باحكامه، من دون ان تشغله ملاقاة الناس وامورهم عما آلفه من عادة الانفراد في رؤوس الجبال وبطون الاودية، واللجوء إلى الكهوف طلباً للخلوة والانفراد بالذات الهائمة بالخشوع لله العلي القدير.
تنقل الشيخ بين قرى عدة منها شويا في منطقة حاصبيا (وما زال فيها كهف معروف باسمه) حتى وافته المنية في بلدة شبعا، ونقل جثمانه بعد ذلك الى عين عطا، حيث دفن في مقام يزوره الموحدون الدروز حتى اليوم. ومن وصاياه عندما دنا اجله قوله: "مطلوبي ان لا تدفنوني إلاّ في حقل ينحرث حتى لا يعرف لي قبر ابداً... لا تنعوني الى أحد، وبلغوا عن لساني ان لا يرثيني أحد ببيت شعر".
تاريخ دعوة التوحيد
ان دعوة التوحيد التي ظهرت في مصر في القرن العاشر للميلاد مع الخليفة الفاطمي الحاكم بامر الله والدعاة الخمسة الذين قاموا بنشرها، انما كانت وجهتهم تلك المناطق التي عرفها التاريخ بأنها موطن الانشاء المؤمن بالحقائق الروحية الكبرى. ولما كان جبل حرمون من تلك الارض التي عرفت الحقائق التوحيدية الكبرى فقد تطلع اليها الدعاة في نشر دعوتهم التوحيدية لما كان من علاقة تاريخية تربط بين مصر - هيكسوس واخناتون وبين حرمون ووالديه (وادي التيم ومعناه وادي العباد). وقد لاقت الدعوة التوحيدية قبولاً لافتاً في أرض حرمون، ليس في سفحه الغربي وحسب، حيث "معظم القرى المحيطة بحرمون يؤمن أهلها بالعقيدة التوحيدية"، بل ايضاً في سفحه الشرقي (منطقة الجولان وقرى وبلدات بقاسم، عرنة، رخلة، قلعة جندل، اشرفية صحنايا... وغيرها). ومع انكفاء الدعوة وإنغلاقها نتيجة حوادث مأسوية واضطهاد من آمن بها، لاقت دعوة التوحيد في الارض الجبلية لحرمون مكاناً آمناً لتستمر وتبقى، بعيداً من السلطة الحاكمة آنذاك، وما مارسته من تعميم لرؤيتها التبريرية لمفهوم الخلافة وفتح باب الاجتهاد في التأويل والتفسير. فكان الموحدون على مدار ألف عام محافظين على اسلامهم الذي عرفوه في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله ولم يغيروا. الحادثة التي أدت الى تسمية جبل الشيخ باسمه.
تركت الدعوة التوحيدية في وادي التيم مواقع وتواريخ عدة، واسماء أولياء اتخذوا من منطقة حرمون مكاناً لعبادتهم، وأقيمت لهم مزارات دينية، ومنهم الشيخ الفاضل محمد أبو هلال، الذي كان من أئمة الموحدين في عصره، وكان من مسلكه في العبادة والزهد. ولصدق عبادته ومسلكه علا شأنه بين اخوانه، وأصبح مرجعهم ومرشدهم في أمور الدين، ومعاملات الحياة اليومية. وكان في زمنه معاصراً للامير فخر الدين المعني الثاني الذي ناهض بسياسته والي دمشق الكجك أحمد باشا. وقد حاول الكجك الانتقام من اتباع الامير فخر الدين فشن حملة عسكرية العام 1633 على منطقة وادي التيم مستهدفاً فرض الجزية على أهلها وإخضاعهم من خلال اعتقال إمامهم "الشيخ الفاضل" علّهم يستسلمون لسلطته، فما كان من الشيخ الفاضل الاّ الدعوة لاخوانه الموحدين بعدم الاكتراث لأمر الكجك ومظالمه. فقرر الكجك عندها اعتقاله، فكان ان اعتصم الشيخ الفاضل في منطقة عاليه، على احدى تلال حرمون في مغارة حصينه تدعى مغارة رخصة حتى اليوم.
ومن يومها عرف المكان بجبل الشيخ. ولا يزال المكان الذي كان يبحث فيه الجنود عن الشيخ يعرف باسم "عريض الدالي".


سعيد معلاوي / النهار


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات