بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
أربعة كتّاب يتحدثون عن الوطن والهوية في الزمن السوري الجديد
  19/10/2016

أربعة كتّاب يتحدثون عن الوطن والهوية في الزمن السوري الجديد

 تقارير ولقاءات ثقافية جيرون

في زمن الفجيعة السورية، والحرب الأكثر تدميرًا ووحشية وحصدًا لأرواح الأبرياء في التاريخ المعاصر، وما سبّبته من كوارث وآلام إنسانية في هذا الزمن، يحق لنا أن نتحدث عن زمن سوري جديد، كما يحق لنا أن نسأل اليوم بعد خمس سنوات ونيف من المقتلة السورية الكبرى، عن نظرة الإنسان السوري ومفهومه إلى ثنائية الوطن والهوية، بعد مئات آلاف القتلى والمعتقلين ووسط جحافل المشرّدين والمهجرين قسرًا، ودمار أكثر من ثلث عمران البلد؛ ما جعل منها كومة أنقاض. ولإيماننا أن الكتّاب والمثقفين هم ضمير الأمة، والمتحدثون باسمها في كل زمان ومكان، طبعًا إن كانت بوصلتهم من بوصلة الشعوب الحرة، كشعبنا السوري الذي انتفض ضد عقود من الاستبداد والطغيان؛ مطالبًا بالحرية والكرامة، قلنا: لأن إيماننا كذلك، فقد تحدثت صحيفة “جيرون” مع أربعة من الكتّاب السوريين، ممن طالتهم نيران الاستبداد، وانحازوا منذ اللحظة الأولى لثورة شعبهم، فكان أن كشف كل من: هيفاء بيطار، وعبد الله مكسور، وسوسن جميل حسن، وجان دوست، عن مفهومهم الراهن للوطن والهوية في هذا التحقيق.



هيفاء بيطار
بيطار: الأمكنة أرواح والوطن هو نحن


انطلقنا في تحقيقنا من الحديث مع الكاتبة هيفاء بيطار، التي مازالت تصر على البقاء في مسقط رأسها في مدينة اللاذقية، والتي قالت: “وطني هو سورية، صحيح أنني -بحكم أحوال خاصة- أضطر كثيرًا للبقاء أشهرًا في باريس، لكنني أقضيها مُرغمة، شاعرة طوال الوقت أن روحي هناك تجول في أزقة وشوارع اللاذقية، كل أسرتي في فرنسا وأنا مصممة أن أعيش في اللاذقية، على الرغم من إدراكي منغصات العيش فيها، وانخفاض سقف الحرية فيها، لكنني أؤمن بأن الأمكنة أرواح، وحين أكون بعيدة عن اللاذقية أفكر فيها ككائن حي، كابنة أحبها جدًا، وهي بحاجة لي”. وتضيف صاحبة “وجوه من سورية”: “يتساءل أصدقائي هنا في باريس: هل يُعقل أن تضجري وتكوني غير سعيدة في باريس عاصمة النور والجمال؟! أقول لهم: باريس لا تخصني، لا تعنيني، أقدر جمالها وحضارتها، لكن كل ذلك ينزلق عليّ انزلاقًا، دون أن يمسني في العمق. أنا معنية بكل تفصيل في سورية، وأريد أن أمضي ما تبقى من حياتي فيها، الوطن هو نحن، هل يُعقل أن يترك كل السوريين سورية! لا أكون ذاتي إلا في اللاذقية، وهناك يمكنني أن أعاين عن كثب معاناة أحبائي السوريين، وأن أساعد -قدر استطاعتي- في الأعمال الخيرية، وخاصة في اللقاء الدوري مع شلة من الشبان والشابات السوريين الذين بقوا في الداخل، يقاومون الإحباط، كل أسبوعين نلتقي ونناقش كتابًا أو نحضر فيلمًا. الثقافة في مواجهة الموت والإحباط. وفي المقابل لا أحب أن ألوم الذين خرجوا وهربوا من الجحيم السوري، فلكل أسرة أوضاعها. أما أنا فأعشق سورية حتى نخاع عظمي، وسأمضي ما تبقى من عمري فيها مع أحبائي السوريين، مؤمنين أن فجرًا قريبًا من الحرية والكرامة لا بد مقبل”.

وتختم صاحبة “طفل التفاح” حديثها معنا، قائلة: “بالنسبة للهوية، فأنا سورية، وأظن أن حصول السوري على هوية بلد اللجوء لا يغير في الموضوع شيئًا؛ لأن الهوية هي الانتماء إلى وطن وشعب، وأعرف ذلك من شهادات واعترافات المئات من النازحين الذين هُجروا إلى دول الجوار، أو الدول الأوروبية والأميركية”.



عبد الله مكسور

مكسور: الوطن يسكن الذاكرة ومعها ينتقل

ومن مقر إقامته في بلجيكا، يرى الروائي الشاب عبد الله مكسور، صاحب “أيام في بابا عمرو”: “في أعقاب كل الحوادث، أرى أن المفهوم الكلاسيكي للوطن والهوية، لا يمكن أن يخدم التعايش السلمي العالمي، في عالم مليء بالاختلافات والتوترات والصراعات والطوائف والمذاهب، والاستغلال السيئ للهويات واﻷديان. والمفهوم المحدود للمواطنة والهوية، قد يجعل هنالك مواطن عالمي سيئ لغير أوطانه، وللهويات اﻷخرى، لذلك؛ مراجعة مفهوم المواطنة على أساس عالمي وكيف يمكن أن يصبح الشخص مواطنًا عالميًا صالحًا، هي أوجب من شحنه بمفهوم المواطنة الخاصة المتعصبة لنطاقه الجغرافي الضيق، خاصة وقد وُجد كثير ممن يوظفون مفهومي المواطنة والهوية على النطاق المحلي؛ لإنشاء العداء والصراعات مع بقية اﻷمم والهويات”. يتابع صاحب “عائد إلى حلب” حديثه لصحيفة “جيرون” قائلًا: “لذلك؛ حري بنا أن نتطلع إلى مفهوم جمعي شمولي أممي، من منطلق إنساني للهوية والمواطنة في زمن العولمة والانفتاح ومواجهة المخاطر العالمية نفسها، على مستويات التحديات الشمولية، كموضوع السلاح النووي وقضايا تلوث البيئة لا يمكن مواجهتها بمفهوم ضيق للهوية والمواطنة؛ فالمواطن العالمي الصالح هو الذي ينظر إلى كل البشر على أنهم شركاء له في هذه اﻷرض، كذلك كل الهويات وكل اﻷجناس”.

ويضيف صاحب “طريق الآلام”: “أنطلق إلى الآخر من ملامحي الخاصة، والتي هي بالضرورة نتجت من تمازج ثقافي تاريخي متعدد، وهذا التعدد هو الذي يجب ترسيخه في عالم، يحمل من التناقضات الشيء الكثير، وُلدت عربيًا ومن عروبتي أنطلق إلى فهم كل الأشياء، ومنها -أيضًا- أبني جسور التواصل مع الآخر المختلف، ليس لدي قلق في الهوية بالمطلق، والوطن عندي أكبر من شجر وحجر وبشر، هو المكان الجغرافي الذي يمنحك أساسيات الحياة ولا يخنقك، فلا تقضي فيه سنواتك الأولى، تتعلم الأبجدية، وتقضي فيه ما تبقى من العمر بتعلم فنون الصمت، ذاكرة الأوطان المتعددة اليوم متعبة؛ لأن الإنسان متعب، وهذا ما يمكن ملاحظته من عدم الاستقرار في هذا العالم، لا يوجد وطن ووطن بديل، الوطن يسكن الذاكرة، ومعها ينتقل كصور باقية، تضمن له الخلود مدى الحياة”.



سوسن جميل حسن
حسن: المستقبل لا يصنعه أسرى الهويات الضيقة


“ما أحدثته هذه السنوات العاصفة من تاريخ سورية هو تفكيك للمعاني”، بهذه الكلمات بدأت الروائية سوسن جميل حسن حديثها معنا من مقر إقامتها في ألمانيا، وأضافت: “والآن أصبحت الحاجة ملحة إلى إعادة تركيب المعاني بالشكل الضامن للحياة التي تنشدها الشعوب. معنى الهوية، معنى الدولة، معنى الوطن. فبعدما تكرّست هذه المعاني بصورها النمطية المنقوصة التي رسختها عقود من الاستبداد، وكانت سببًا رئيسًا من أسباب انقسام المجتمع ودافعًا للاصطفافات والاستقطابات السياسية؛ حتى على مستوى النخب بكل أنواعها، صار لا بدّ من إعادة البناء وتكريس صور بديلة، تؤسس لمجتمع قادر على العيش، والاشتراك في صياغة عقد جديد بينه وبين الدولة المأمولة، يقوم على أساس المواطنة بمعناها الشامل. أساسها الفرد الفاعل المنتج للثقافة والمشارك في البناء، الذي يعرف حقوقه وواجباته التي يحاسب عليها ويضمنها القانون”. وتتابع صاحبة “النباشون” قولها: “لم يتغير مفهومي عن الهوية، ولا عن الوطن، فقبل هذه المرحلة كانت الهوية -بالنسبة إليّ- هي ذاتي التي تتشكل، بينما أكبر وأكتسب خبراتي ومعارفي، وفق دوائر تتسع، انطلاقًا من أضيق جغرافيا، من أصغر بيئة أعيش فيها، من بيتي، من الحي الذي أسكن فيه، من مدرستي من مدينتي من وطني الكبير، حتى أبعد بقعة يمكنني التعرف فيها إلى أي شيء مختلف عمّا اكتسبته من خبرات، أو عشته من تجارب، أو ما يرفد مخزوني الثقافي. ومثلما كان هم الوطن يشغلني، بقي يشغلني، لكن الشواغل تغيرت مع الكشف الذي تعرض له واقعنا، وما أفرزت هذه المرحلة من معضلات يبدو أن الزمن قد جذّرها”.

تضيف “صاحبة “قميص الليل”: “أظن أن الهويات الضيقة، من طائفية أو مذهبية أو قومية، أو حتى طبقية، التي ساهمت في تدمير الوطن، صارت عند جزء لا بأس به من السوريين من الماضي بعد الفواتير الباهظة التي دفعوها، لكن لم تتبلور -بعدُ- الرؤية الواضحة عن المستقبل، أو عن البدائل، خاصة أن الحرب ما زالت تزداد شراسة والحالة السورية تزداد تعقيدًا. ما زلت أرى أن الوطن لا يمكن أن يتحقق في الواقع قبل أن يتكرّس كمفهوم، ويصبح الفرد فاعلًا ومساهمًا في إنتاج الثقافة والبناء، لا يمكن أن تُبنى الأوطان بلا معرفة أو انتماء، والانتماء لا يكون لبقعة جغرافية فحسب، بل انتماء إلى فضاء إنساني، بكل ما يمور به من نشاط وتفاعل ورغبة بالحياة، وتأسيس لها، وهذا يلزمه كثير من العمل، يلزمه -قبل كل شيء- نقد الذات، والبحث عن الأخطاء التي وقعت في الماضي؛ من أجل صوغ جديد للعلاقة به؛ من أجل البناء للمستقبل الذي حلمنا به، مستقبل لا يمكن أن يصنعه أفراد تأسرهم الهويات الضيقة، مسبقة الصنع، تفرضها العقائد والأيديولوجيات التي تصادر الحرية وتقضي على الفردية”.



جان دوست
دوست: الهويات حجج للقتلة


ونبقى بألمانيا التي يعيش فيها الروائي السوري الكردي، جان دوست، منذ العام 2000، ويحمل جنسيتها، والذي لم يخف أن مفهومه للوطن تغير كثيرًا. وقال: “الوطن ليس بقعة جغرافية سمعت صرخ الحياة الأولى وشهقتي حين ولدت. الوطن هو حيث أعيش حرًا. أنا وفق هذا التعريف لست سوريًا. إنني ألماني. لقد منحتني ألمانيا ما لم تمنحني إياه سورية “كوطن مستلب” خلال خمسة وثلاثين عامًا، هي المدة التي عشت فيها في ((وطني)). أما الهوية فإنني أعدّها حملًا ثقيلًا في هذا العصر، وأميل إلى رأي الروائي أمين معلوف في أن الهويات قاتلة. أو على الأقل هي حجج للقتلة. لقد بينت ذلك في روايتي “نواقيس روما”، فالهوية الحقيقية هي التي يكتسبها المرء بإرادته الحرة، لا ما ورثها عن أبويه كالدين والقومية”. وعن استشرافه كروائي لمستقبل بلده النازف منذ خمس سنوات ونيف، يقول صاحب “دم على المئذنة”: “مستقبل بلدي أصبح بيد من لا يقدرون الإنسان والإنسانية، لا أفهم ولا أستوعب -إلى الآن- كل هذا الحقد والكراهية! لقد شاهدت صورًا مروعة عن الحرب في سورية. لا أصدقها أبدًا، لكنها الحقيقة المرة. كيف يمكن لإنسان أن يصور نفسه أمام جثث ممزقة معلقة كالخراف؟ كيف يمكن لإنسان أن يقصف أهل بلده، وكيف لإنسان أن ينحر إنسانًا آخر قابضًا على شعره مفتخرًا بما يفعل؟ يبدو أننا أبناء بارُّون لتاريخنا المثقل بالعنف والقتل؛ فلقد روي أن السفاح أو خليفة عباسي آخر، لا أتذكر اسمه بالضبط، تناول هو وحاشيته وليمة النصر على سماط كبير، مدوه على جثث القتلى والجرحى من خصومهم! نحن أمام كارثة أخلاقية كبيرة. نسمي قتلى غيرنا بالفطائس! كنت جنديًا سوريًا في لبنان، وشاركت في معركة “تحرير بيروت، وقصر بعبدا” من ميشال عون وزمرته، وجرحت في الحرب، لكنني كنت أحب بيروت، وقلت فيها: إنني دخلتها بحذاء جندي، وقلب عاشق، فهل كان يحق للبناني أن ينعتني بـ “الفطيس” لمجرد أنني كنت في صفوف جند النظام؟ لقد كنت ضد الحرب، ولكنني انخرطت دون إرادتي فيها، وأؤنب نفسي إلى الآن كيف لم أهرب منها؟”.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات