بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
رواية مذبحة الفلاسفة لتيسير خلف: تراجيديا الفلسفة والسياسة.. زنوبيا –
  07/10/2016

رواية مذبحة الفلاسفة لتيسير خلف: تراجيديا الفلسفة والسياسة.. زنوبيا – تدمر أنموذجاً

نبيل سليمان: الاتحاد الاماراتية


هل هي السمرة النقية، أم هو ليل العينين العميق أم هي الأسنان اللؤلؤية، أول ما يفتنك من هذه الطالبة في أكاديمية لونجنيوس الحمصي في أثينا؟ هذه الشابة تدرس الفلسفة والبلاغة باللغتين اليونانية واللاتينية – وإليهما كانت تجيد المصرية، بالإضافة إلى لغتها التدمرية، والتدمرية لغة آرامية – وتجادل الفلاسفة والسفسطائيين والرواقيين والمسيحيين واليهود، وبفضل شروحاتها سيصير أستاذها لونجنيوس معجباً بأفلوطين. وبعد حين ستضع كتاب (الغاية)، وفيه تناقش أطروحات أفلاطون في الفضائل الأربع: الحكمة/‏ العفة/‏ الشجاعة/‏ العدالة، وتضيف فضيلة الخيرية التي تراها ملازمة للإنسان السوي والفطرة السليمة. معارضةً نظرية المعلم أفلاطون في أن الإنسان ميال إلى الشر بالفطرة. عندما ينعقد لهذه الطالبة الشابة عقد الفلسفة والسياسة سوف تركز على أن الفرد هو المقصود بالتربية الأفلاطونية، وليس الجماعة – الجماهير. ولتحقيق الانسجام في الذات الفردية بين الروحي والجسدي، تجدد منطلق وأساس التربية المبتكرة في الموسيقا والرياضة. فالتعليم الموسيقي، فيما ترى، ضروري للنفس، لكنه غير كافٍ، لذلك لا بد من التربية الرياضية.
في نسب الفيلسوفة قال الرومان إنها من سلالة كليوباترة. لكنها تدمرية الأبوين، من قبيلة بني متبول، إحدى القبائل الأربع المؤسسة لمدينة تدمر.
إنها زنوبيا التي ستحضر مجلس الشيوخ في تدمر بصحبة والدها، وفيه تخطب: روما شمس غاربة ولن تقدم لنا شيئاً. لا بد من أن نعتمد على عقولنا ورماحنا. وكان أذينة بن خيران حاضراً فهمس لصاحبه: هذه هي امرأتي. ولقد تزوجا وتربعا على عرش تدمر إلى أن قتل أذينة سنة 268م. فغدت الفيلسوفة هي الحاكمة. وفي مدينتها التي سعت كي تكون (الفاضلة). جمعت الفلاسفة الذين سيُذبحون عندما ينتصر الإمبراطور الروماني أورليانوس على زنوبيا، ويسوقها أسيرة مع أبنائها إلى روما.

مقصلة الفلسفة

هكذا أعدم أورليانوس الفيلسوف لونجنيوس الحمصي الذي كان يخطط في تدمر لإحياء أكاديميات الإسكندرية ودمشق وأفاميا وأنطاكيا وجدارا، وكان يرى أن القوة شر مطلق. وفي مجلس له مع قصي الأفكل وزنوبيا قال الأول: إن العدل يحتاج إلى قوة لفرضه، وإن الحاكم حين يستشعر بقوته لا يعبأ بالعدل. فرأى لونجنيوس أن ذلك ما يؤكد أنه لا بد للحاكم من أن يكون فيلسوفاً كي يكبح جماح القوة. أما زنوبيا الفيلسوفة الحاكمة فختمت بالمشروع – الحكم: سوف ننشئ أكاديمية الفلسفة في كل مدينة ليس فيها أكاديمية. سيتعلم الأطفال مبادئ أفلوطين وأفلاطون وصحبهما.

لأب تدمري وأم حمصية ولد لونجنيوس. وفي الإسكندرية درس على يد معلمه ومعلم أفلوطين (أمونيوس). وقد كرسته أثينا أهم نقاد العصر، وشُبّه بمكتبة حيّة، كما شُبِّه بأرشيف يمشي على قدمين. ولأن اللغة التدمرية كانت تفتقر إلى العبارات الفلسفية والأدبية، فقد كان يستخدم اليونانية. وقد رأى هذا الفيلسوف أن القيم الإنسانية تنحط في الديكتاتورية، والظلم يعمم، والبديل هو الحاكم العادل الصالح الذي لا بد له كي يحقق العدل والصلاح أن يكون فيلسوفاً يحيط به الفلاسفة.

كان لونجنيوس يؤمن أن زنوبيا من الفلاسفة المبرزين في المعرفة وفي الجدل. وبعدما ورثت عرش زوجها صار لونجنيوس يرى أن أمر جمهورية أفلاطون بات وشيكاً. وقد راسل من تدمر الفلاسفة الأفلاطونيين، داعياً إياهم إلى الإقامة في تدمر وتحقيق حلم المعلم الأول.

لم يكن لونجنيوس ذبيحة أورليانوس الوحيدة. فقد سيق مع زنوبيا ومجلس الحكماء من تدمر إلى حمص في عربة الأسرى، مقيدين بالسلاسل في قفص حديدي. وفي معبد إله الشمس، أمام الحشود الحمصية، حكم على الفلاسفة بالموت: لونجنيوس، بوسانياس الدمشقي، جنتليانوس أميلسوس من أثريا، كيلكراتس من صور، فيليب السيثوبولِتي، نيكوماخوس الكراسي.. وهكذا صُلب الفلاسفة على صلبان كبيرة، فلحقوا بمن سبقهم من (شهداء) الفلسفة، كما لحق بهم من لحق، من الفيلسوفة الأولى في التاريخ هيباتيا إلى سقراط وفيثاغورس وماركوس أوريليوس وبوثيوس وتوماس مور ولافوازييه والحلاج والسهرودي و…

أما أفلوطين فقد نجا لأن المرض كان قد حمله من تدمر إلى أفاميا، حيث تحسنت صحته على ضفة نهر العاصي. وقد استأذن أفلوطين زنوبيا بفرض بعض قوانين المدينة الفاضلة على أفاميا، فأذنت، وحضرت التدشين، وكان القانون الأول هو ألا يكون لحكام المدينة ملكية خاصة، فتنازل الوالي زينو دوروس عن أملاكه، وحوّل قصره إلى مدرسة لتعليم الموسيقى للأطفال. وكان أفلوطين على يقين من أن قوانين إلغاء الملكية الخاصة، والعائلة، وإشراف الدولة على تربية الأطفال… من بين قوانين المدينة الفاضلة ستأتي تلقائياً بفضل التربية المديدة. وكان أفلوطين الذي ولد في صعيد مصر، قد ذاق مرارة السياسة، إذ تطوع في الجيش، وشارك في حملة الإمبراطور غرديانوس على الفرس، وشهد قتل قائد الحرس فيليبوس العربي للإمبراطور ومصالحته الفرس وعودته إلى روما حيث ينصب إمبراطوراً. كما شهد أفلوطين مصرع الإمبراطور الطبيب والسياسي والحكيم غالينوس نصير الفلاسفة، ومعه زثوس العربي الذي كان كفيل أفلوطين ومريده والمنفق عليه.

إثر ذلك لجأ أفلوطين إلى تدمر فاستقبلته زنوبيا عند بوابة حمص كما لم تستقبل أحداً. وكان له معها المجلس الذي يزدان بالفلاسفة، كما كان هو للتدمريين أشبه برسول. ولولا أن المرض أبعده، لدُقت عنقه كالآخرين، وقد أعلنت زنوبيا الحداد عليه سبعة أيام.

مذبحة الفلاسفة

بالكثير مما تقدم، وبالكثير مما سيلي، قامت جبلّة هذه الرواية الاستثنائيّة: (مذبحة الفلاسفة) للكاتب الفلسطيني تيسير خلف، الذي عُرف، بالإضافة إلى أنه روائي، بما حقق من الرحلات والمخطوطات.

هنا، ينبغي لنا أن نتذكر ندرة الروايات العربية التي انشغلت بالفلسفة، وأن ننوه بما تفرد في هذه الندرة من روايات اليمني حبيب عبدالرب سروري: (عرق الآلهة – 2008) و(تقرير الهدهد – 2012)، وحيث كانت المغامرة الكبرى هي تسريد الفلسفة والعلم، مما يتصل في الرواية الأخيرة، مثلاً، بشكل الزمان والمكان، وبالنظر الفلسفي الذي يحكم العلم.

أما تيسير خلف فقد جعل حنبل بن جرم اللات، في (مذبحة الفلاسفة) يروي بضمير المتكلم، بعد ثلاثين سنة من المذبحة التدمرية ما كان منذ البداية إلى النهاية، وهو أسير روما مع ملكته التي قاومت السجن بدايةً بوضع أطروحة فلسفية حول التربية الأفلاطونية، لكن الوساوس أنهكتها، فمرضت. وبعد سنة ونصف قضت وهي تنزف من أنفها وفمها، وبقي أبناؤها مع حنبل وبقية الحاشية ينتظرون حتى اغتيل أورليانوس، وحكم تاستس، فعفا عنهم. ومضى الابن وهب اللات القاصر مع إخوته إلى فلورنسا حيث كان لهم إرث من أبيهم وجدهم، بينما مضى حنبل إلى روما.

كان رئيس مجلس شيوخ تدمر يونا بن خيران قد بنى قصراً على نفقته قبل مئة وخمسين سنة تقديراً لما فعله لتدمر الإمبراطور هادريانوس الذي أراد للقصر أن يكون مدينة فاضلة، فيها نماذج مصغرة من أكاديمية أفلاطون ولوفيون أرسطو. وفي القصر أمضى الإمبراطور أعوامه الأخيرة، محاولاً تطبيق قوانين المدينة الفاضلة. لكن جنون الارتياب أصابه، فأعدم من أعدم من أصدقائه القدامى، وباتت روحه المعذبة تطوف ليلاً في القصر، وتظهر منتحبةً ومستعطفةً الآلهة. وقد سجن أورليانوس زنوبيا في القصر آملاً أن تحل روح هادريانوس فيها، فيتضاعف عذابها.

على هذا النحو يختار تيسير خلف اللحظات الأكثر تراجيدية، مما يلفع الحدث والشخصية والفضاء واللغة، مواجهاً بإبداعه التحدي الفني الأكبر الذي يقوم في تسريد الوثيقة والمعلومة التاريخية، وفي تسريد الفكرة والأطروحة الفلسفية. حيث تبكر الإشارة إلى نجيب محفوظ، وبخاصة روايته (أولاد حارتنا – 1959)، كما تذهب الإشارة إلى روايات شتى لحسن صقر والميلودي شغموم ويوسف زيدان، وبخاصة إلى رواية شاكر نوري (جحيم الراهب – 2014) حيث كان الشاغل الروائي هو اشتباك الفلسفة والدين، وما بين العقل النقدي والإيمان. أما حامد بن عقيل في روايته (الرواقي – 2010) فقد جعل للعقل الطبقة السردية الثالثة من الرواق، وأرسل الخطاب الفلسفي في تأملات الملك المعلم/‏‏ الحكيم.

لعبة المخطوط

بألق ومكر ودربة، يحقق تيسير خلف اشتباك التاريخي بالفلسفي في (مذبحة الفلاسفة). ويقتضي تبيان ذلك الذهاب إلى الهوامش التي جاءت في الختام، وأولها هو لحفيد حنبل الذي نسخ كتاب جده، أي رواية (مذبحة الفلاسفة). ويلي الهامش الثاني لمنصور الحراني الذي ترجم الكتاب /‏‏ الرواية من اليونانية إلى السريانية بالتعاون مع آخرين في مدينة الرها. أما الهامش الأخير والأكبر فهو للمترجم الأخير الذي نقل الكتاب /‏‏ الرواية إلى العربية: تيسير خلف.

هنا تأتي اللعبة الفنية الحاذقة والمغوية، حيث يقنعك الكاتب أنه كان مشغولاً بالنقوش النبطية وإشاراتها إلى ديانة العرب القدماء. ومن أسماء من كتبوا النقوش (مسلم) قبل ظهور الإسلام بسبعة قرون. وثمة نقوش يسمي أصحابها أنفسهم (نبطو سلامو) أي الأنباط السلاميون أو الإسلاميون. وفي النقوش التكريسية يعرف المعبد النبطي باسم المسجد، فالأنباط كانوا يسجدون لله. ولم يحاول باحث قط الربط بين السلاميين الأنباط ومسلمي القرن السابع. وثمة أحاديث منسوبة إلى الإمام علي ولابن عباس ترجع بأصل قريش إلى الأنباط. أما الشخصية المحورية في النسب النبطي فهو قصي بن كلاب مؤسس مكة، ومن كتّاب السيرة من كتب أن والدة قصي من بني عذرة، وقد أخذت قصي الذي ولد في مكة إلى أخواله في الشام.

في هذا الشطر الذي تلتبس فيه السردية بالسيرية يتحدث المترجم الأخير عن رحلته إلى البتراء، ثم إلى بصرى عاصمة آخر ملوك الأنباط. وقد قرأت مؤخراً أن (تدمر) هو أحد أسماء بصرى القديمة، ويعني: أرض النخيل.

بين صلخد وبصرى ركّز المترجم الأخير بحثه، فوجد على نقش في معبد صلخد اسم قصي بن كلاب أفكل اللات – والأفكل هو كبير الكهنة، ومعجمياً هو: الرّعدة – ووجد الاسم نفسه على نقش في قرية (بكّة) المجاورة لبصرى، ولكن في تاريخ مختلف، ما يعني أن هناك أكثر من قصي بن كلاب. ومن كل ذلك يستنتج المترجم الأخير أن علاقة وثيقة تربط بين مؤسس مكة وأفكل اللات النبطي. وفي النقوش النبطية – أخيراً – اسم (بنو السميذع) الذي ينسب النسابون العرب الزباء (زنوبيا) إليهم. وقد ذكر ابن إسحاق أن سكان مكة الأوائل كانوا بني السميذع.

يروي المترجم الأخير بعد ذلك أنه كان يعدّ للدكتوراه في جامعة فريبورغ السويسرية حول ديانة العرب قبل الإسلام. ومن أجل ذلك زار دير مار أفرام الكبير في معرة صيدنايا، حيث المخطوطات السريانية التي فُقِد الكثير منها في محنتهم عام 1915، حين تعرضوا للذبح والتهجير هم والأرمن على يد العثمانيين الترك. وقد قاد الدير المترجم الأخير إلى فادي برصون (من الرها) المقيم في دمشق، ومنه صوّر مخطوط (حياة قصي)، لكنّ الأستاذ المشرف في الجامعة شكّك في المخطوط، لأن الأصل اليوناني مفقود، وعدّه مرجعاً غير أساسي.

في الثلث الثالث من آذار 2011 التقى المترجم الأخير بفادي برصوم الذي نقل مكتبته إلى ضاحية قدسيا، و«كانت العاصفة قد ضربت دمشق» ومع أن المترجم الأخير يتحدث عن أمطار وسيول، فإن للقراءة أن تصل ما بين ذلك والزلزال الذي ضرب سوريا آنئذٍ، ولما يزل.

كان قبو المكتبة قد امتلأ بالمياه والطين، مما أتلف المخطوطات والكتب. وهكذا تخلّى المترجم الأخير عن (الدكتوراه) وعكف على تحقيق نسخته المصورة من (حياة قصي)، وعلى ترجمتها إلى العربية، وهي هذا الذي نقرأ تحت عنوان: (مذبحة الفلاسفة): صدق أو لا تصدق.

تسريد التاريخ

من مألوف اللعبة السردية أن تُسند السردية: إلى مخطوط: هل يكفي أن أذكّر برواية إمبرتو إيكو (اسم الوردة) الفكرية الفلسفية أيضاً؟

ليعزز الكاتب مصداقية المخطوطة، يذكر أن مالكوس صديق حنبل بن جرم اللات قد حضه على الكتابة عن مشروع دولة زنوبيا الفاضلة، ومصيرها. وقد استجاب حنبل بعدما تلقى خبر معلمه وصديقه الأفكل قصي الذي فر من تدمر بعد هزيمتها، وبنى على غرارها مدينته الفاضلة بين يثرب ونجران: الأغورا والمعبد الكبير والمدرج ومجلس المدينة الذي يذكر بمجلس شيوخ تدمر…

للأفكل قصي قصته التي تتفرع إلى قصة النظيرة عاصمة مملكة الحضر – وهي مدينة المحمرة عاصمة الأحواز اليوم – وتدمير ملك الفرس شابور لها، حيث لّبى والد قصي دعوة خيران بن وهب اللات إلى تدمر.

من أردشير الذي أحرق مدن وموانئ التدمريين على طول خليج الكلدانيين – هكذا كان الإغريق يسمّون الخليج العربي- إلى شابور، تواصل تضييق الخناق على تدمر، ابتداءً بكارثة تجريدها من تجارة الحرير، والعودة إلى تجارة المرّ واللبان مع حضرموت. لكن تدمر كانت (سرة العالم) كما وصفها أذينة بن وهب اللات: تسمع فيها الألسن جميعاً، وتشرب أطيب خمور اليونان، وتأكل ألذ قديد الأرمن، ونخبة أجبان بلاد الغال، وصفوة محار سوقطرة.

ولأذينة هذا قصته التي تشتبك بقصة الأفكل قصي وبقصة زنوبيا. فإلى مدينة اليونان المقدسة (دلفوي) التي وصفت أيضاً بسرة العالم، مضى قصي وأذينة للدراسة في أكاديمية بلوتارخ، وكانت للتلميذين السوريين مجادلاتهما مع أستاذهما. وقد انسحب أذينة من الأكاديمية إلى الجيش، وتزوج ابنة عمه زنوبيا، وتولى سدّة تدمر، وأعدّ لمواجهة الفرس، فاستدعى الضباط التدمريين من جيوش الرومان، ومن بريطانيا، وجمع شتات القبائل العربية غربي نهر الفرات، بينما جمعت قبائل تنوخ قواتها في معسكر خناصرة (وهي خناصر اليوم ونقطة الحدود الداعشية باتجاه حلب)، واشترطت نصيباً أكبر من الغنائم، بينما لم يطلب الغساسنة غنماً.

فكّت جيوش أذينة الحصار عن الرها، واستعادت نصيبين وحران، ووصلت إلى أسوار طيسفون (المدائن العراقية/‏‏ سليمان باك) وهرب شابور، وصار أذينة ملك ملوك الشرق، وأسد الشرق المروِّع، ومصلح الشرق كما لقبه الإمبراطور غالينوس. لكن الانتصار صار داءً عضالاً لتدمر، فابن العم معن تمرد واغتال أذينة وابنه خيران في الطريق بين حمص واللاذقية التي كان أذينة يقصدها للاحتفال فيها. وقد دخل معن إلى تدمر وأعلن نفسه إمبراطور المشرق، وسكّ العملة بصورته، لكن قادة القوات على الجبهات مع القبائل الجنوبية انتصروا عليه، ونصّبوا وهب اللات بن أذينة. ولأنه كان فتى، تولت أمه زنوبيا العرش.

كما الحلم، صارت لزنوبيا (تدمرها)، ولم تكن رأس الدولة، بل حكيمة حكمائها. وكما الحلم رفرفت راياتها في سوريا والعراق والأناضول ومصر. لكن النُّذر كانت قد بكّرت منذ عرس زنوبيا وأذينة، حين دوّى سقوط قبلة تجار العالم، ودرة مدن التدمريين على الفرات: مدينة دورا، على يد شابور، وهي اليوم مدينة الصالحية بين الميادين ودير الزور، وفيها أقدم كنيسة منزلية في العالم. آنئذٍ نزحت من دورا الأسر التدمرية والجالية المسيحية واليهودية، وفي غمضة عين بطول سنين، أرخت الحرب بظلالها منذ استولى أورليانوس على عرش روما. وحاولت زنوبيا استمالة جذيمة بن مالك في معسكر خناصرة، لكنه اشترط عليها الزواج فرفضت. ورأى حنبل بن جرم اللات حلماً بالنزوح التدمري، وطائر الشقراق يحوم حوله نذير شؤم، ووقعت الواقعة.

التراجيديا التدمرية

يؤكد حنبل أن زنوبيا لم تكن راغبة في الحرب، لكنها دافعت عن (مملكة الفضيلة) ضد الرومان، من سوار أنطاكيا حتى انكسر السيف في يدها أمام بوابة القصر الملكي في تدمر، رافضة الاستسلام، فهل تؤشر هذه النهاية إلى المصير المأساوي المحتوم للفلسفة حين تشتغل بالسياسة؟ هل اليوتوبيا الفلسفية مستحيلة سياسياً، سواء أكانت الاستحالة داخلية و/‏‏ أو خارجية؟

في القرن الرابع الميلادي صارت تدمر مسيحية، وتحول معبدا بل وبعلشمين إلى كنيسة. وفي القرن السادس صارت مركزاً للغسانيين حلفاء روما. وفي عام 634م فتحها خالد بن الوليد سلماً، وازدهرت أموياً، وذبلت عباسياً، إلى أن دمرها الزلزال في القرن الحادي عشر. وفي الزلزال السوري 2011 كان لتدمر نصيب أوفى، مذ استولى عليها داعش في 23/‏‏5/‏‏2015، فجعل المسرح الأثري منصة إعدام، ولم يتأخر تفجير المواقع الأثرية، كما كان في نمرود العراقية.

وفي الذاكرة السورية والإنسانية من تدمر، وقبل الوباء الداعشي، كان سجن تدمر الذي افتتح عام 1966 للعسكريين، لكنه تحول إلى كابوس للمعارضين، حتى صُنف كواحد من أسوأ عشرة معتقلات في العالم، واشتهر بمجزرة 27/‏‏6/‏‏1980. ولعلها من مفارقات القدر وسخرية التاريخ أن داعش فجّر في 30/‏‏5/‏‏2015 السجن الذي كان له في الرواية السورية حضوره الموجع: مصطفى خليفة في (القوقعة) وراتب شعبو في (ماذا وراء هذه الجدران) ورياض معسعس في (حمّام زنوبيا) ونبيل الملحم في (سرير بقلاوة الحزين) وكاتب هذه السطور في (سمر الليالي)… عدا عن عشرات السرديات السيرية، وفي مقدمتها (بالخلاص يا شباب) لياسين الحاج صالح.

وبعد…

من رائعة تيسير خلف (مذبحة الفلاسفة) إلى سرديات لؤلؤة الصحراء – وهو الاسم الذي اشتهرت به تدمر – يتصادى اليوم الصراع الأكبر عماءً ووحشية في التاريخ من بصرى إلى أثريا، ومن منبج إلى الصالحية… بينما يروى أن طيفاً لفاتنة تتقد سمرتها النقية، ويتقد ليل عينيها العميق، ولؤلؤ أسنانها، ما فتئ يومض في أجناب تدمر وسمائها، كي يكون للتراجيديا التدمرية، أي لتراجيديا الفلسفة والسياسة، أن تتسمّى باسم زنوبيا. وفي كل ليلة، مذ فاضت روح زنوبيا، يرفّ الطيف في تدمر على سبيل حوريات الماء ووادي القبور والسور وقوس النصر والآغورا والسدود والخزانات وبيوت الأبدية والمدافن الملكية والمسرح والمدرج وواحة النخيل ومعبد اللات ومعبد بل ونبع أفقا والشارع الطويل والأعمدة التي لا تحصى و…

حسناً، يرف الطيف فوق كل ما كان تدمر (بالميرا باللاتينية – تدمرتو بالآرامية..)، ولكن يروى أيضاً أن الطيف يرف هناك، بعيداً، حيث قصر الزباء شمال شرق رأس الخيمة. وها هو الباحث الإماراتي ناصر العبودي يدحض دعوى نسبة هذا القصر إلى بلقيس، في كتابه (حقيقة قصر الزباء – 2001). وها هو عبدالله محمد حروب الشحي يلوح للتجار الذين كانوا يأتون من تدمر إلى تل الزباء في منطقة شمل في رأس الخيمة. وها هو مصرع الزباء على يد جذيمة يتداخل بصراع زنوبيا معه، بينما يثري الباحث الإماراتي عبدالله علي الطابور المكتبة بكتابه (جلفار عبر التاريخ). أما طيف زنوبيا، فلعله، في رفيفه وفي وميضه، أن ينعم علينا بما أبدع من صناعة التاريخ بالفلسفة والسياسة.

الحاكم الفيلسوف


القيم الإنسانية تنحط في الديكتاتورية، والظلم يعمم، والبديل هو الحاكم العادل الصالح الذي لابد له كي يحقق العدل والصلاح أن يكون فيلسوفاً يحيط به الفلاسفة

تدمر.. ذاكرة التدمير

في الزلزال السوري 2011 كان لتدمر النصيب الأوفى، مذ استولى عليها داعش في 23/5/2015، فجعل المسرح الأثري منصة إعدام، ولم يتأخر في تفجير المواقع الأثرية، كما كان في نمرود العراقية. وفي الذاكرة السورية والإنسانية من تدمر، وقبل الوباء الداعشي، كان سجن تدمر الذي افتتح عام 1966 للعسكريين، لكنه تحول إلى كابوس للمعارضين، حتى صُنف كواحد من أسوأ عشرة معتقلات في العالم، واشتهر بمجزرة 27/6/1980.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات