بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
أنا وأبي وأحمد قعبور
  08/08/2016

أنا وأبي وأحمد قعبور


بثينة سليمان

في كل مرة كانت دموعي تقفز من عينيّ حين أتخيل لينا وقد ماتت. يحرق الموت قلبي وأنا الطفلة التي كنتها. اتخيل وجه لينا وعينيها المغمضتين وهي تسقط وتموت. كانت هذه بدايتي مع أحمد قعبور، يأتيني صوته عبر جهاز راديو كاسيت، مشحونا بالحزن على موت الطفولة. اتخيلني كبرت وصوته رفيق حياتي، مثل كثيرين سمعوا أغنياته وتأثروا بها.

لو أن أحداً أخبرني في ذلك العمر الصغير أني ساكتب عن أبي وأن أحمد قعبور سيغني كلماتي، لضحكت من فرط الخيال ولما صدّقت. وما كانت مثل هذه الفكرة لتكون في أحلام يقظتي.

في تلك السن الصغيرة كنت مجبولة بعالم آخر، بعيداً من الموسيقى، بعيداً من الناس. كنت أتابع الفصول وهي تتعاقب حاملة ألوانها وروائحه. تشغلني دورة حياة عصافير الدوري. طفولة تبني مخيلة مفتوحة على الطبيعة تجعل ارتباطي بالاصوات صناعة للحياة. لم ألتفت يوماً إلى حياة أهل المدن ولا محالهم او طريقة عيشهم ولا صناعة أمسياتهم في بيوتهم او في السينمات والمسارح. كانت حياتي تصنع من تبدلات الطقس ومن حبات المطر وانكسار الشمس وقت المغيب.

يحدث أن تغتال الحرب حتى الفصول وتنهش بمخالبها قلوبنا الطرية، ونكبر على عجل ويرحل ابي واترجل عن حصان الأحلام الذي ورثته عنه. ظل الارتباط بصوت أحمد قعبور وبأغنياته يأخذني الى مطارح لا تتبدل ولا تتغير، ذلك أن هذا النوع من الغناء لا يحسب له وقت ولا يمكن ان يسبقه زمن، يظل حاضراً من خلال موسيقى لها بصمة في الوجدان، ارتباط حسي ووجداني يبدأ مع الكلمة التي يختارها او يقوم هو بتأليفها وينتهي مع الموسيقى التي تنصهر بها روح الموسيقى مع روح المغني. الأمر بسيط جدا في كل ما قدمه احمد قعبور: روح المغني تسكن أعماله وهذا ما جعلها مصقولة بحرفية فنان يختار اعماله بذوق خاص وشخصي.

إنها موسيقى تشبه الفصول وتشبه سطوع الشمس وأفولها، تشبه أيامنا التي راحت ولا تزال تتنفس من هذه الألحان. تشبه الطفلة التي كنتها ولم تمت، لكنها سقطت في آتون حياة قاسية. كان يكفيني أن آخذ هاتفي معي وأدخل المقبرة وقت الظهيرة، وحدي أسير بين القبور العارية من كل ظل بعدما عملوا على قطع الاشجار القليلة التي كانت هناك، فبدت مقبرة موحشة ومجحفة بحق اهلها. وصلت قبر ابي بسهولة. كنت خائفة ان اتوه عنه. اترك الموسيقى تنساب في الهواء الصيفي، تغمر القبور العتيقة وتلك الجديدة (كان أبي يفتح نافذة المساء على الاحلام وفي الصباح يترك نور الشمس يبددها).

كنت مشحونة بالشوق الى رجل كان ابي وكان يحلم بحياة افضل الى أن قضى عليه السرطان. تمنيت أن يسمع الموتى هذا اللحن الذي يغني روح أبي وأحلامه، هو الساكن بينهم. من أين كان لي بمخيلة تحدثني عن أبي وعن مغنٍّ حفر بروحه أغانيه وصورة أبي. إذا كانت الكتابة تمجيداً للموت، فالموسيقى تمجيد للحياة.
وأحمد قعبور يقاوم موتنا اليومي بالموسيقى.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات