بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
المسرح في يومه العالمي: النوايا الطيبة لا تكفي
  27/03/2016

المسرح في يومه العالمي: النوايا الطيبة لا تكفي


أحمد شوقي علي


منذ عشرين سنة، اقترح سعد الله ونوس، أن يكون للاحتفال بيوم المسرح العالمي، عنواناً هو "الجوع إلى الحوار"، قائلًا في كلمته التي ألقاها، إن هذا الحوار "يقتضي تعميم الديمقراطية، واحترام التعددية، وكبح النزعة العدوانية عند الأفراد والأمم على السواء"، ولا أعرف إن قدر لونوس أن يعد كلمة لاحتفال هذا العام، وليس لاحتفال العام 1996، هل كان سيقترح العنوان ذاته في ظل الدمار الذي يعم العالم العربي، وبالأخص بلده سوريا.
في مثل هذا اليوم 27 مارس، منذ 20 سنة، كان ونوس، يظن، أن "شروط الثورة معقدة وصعبة"، وأن الثقافة هي "التي تشكل اليوم الجبهة الرئيسية لمواجهة هذه العولمة الأنانية، والخالية من أي بعدٍ إنساني"، وأن "للمسرح دوراً جوهرياً في إنجاز هذه المهمات النقدية والإبداعية، التي تتصدى لها الثقافة. فالمسرح هو الذي سيدرّبنا، عبر المشاركة والأمثولة، على رأب الصدوع والتمزقات التي أصابت جسد الجماعة. وهو الذي سيحيي الحوار الذي نفتقده جميعاً". اليوم قامت الثورات العربية، وبدلاً من إحداث التغيير، أضافت إلى "الصدع والتمزقات في جسد الجماعة" الخراب والتهجير والقتل، لم تفعل الثورات ذلك، وإنما فعلتها العولمة الأنانية التي سماها ونوس في كلمته، غير أنه، وللأسف، لا يوجد "مسرح" لمواجهتها.
في بداية الألفية الجديدة، كان ما يزال المسرح في قائمة مهمات نجوم السينما، يقدم عادل إمام فيلمه في الشتاء ويعرض مسرحيته في الصيف، وكذلك النجوم الشباب أحمد السقا ومحمد هنيدي والراحل علاء ولي الدين وغيرهم، كانت في أغلبها مسرحيات تقدم كوميديا جوفاء، وكنا نلقي باللوم على السياحة الخليجية، ثم ازدهرت السينما بشكل غير مسبوق في مصر وجذبت استثمارات عديدة، حتى أن عائلة السبكي المشهورة بمهنة الجزارة قررت الاستثمار فيها، وعزف نجوم الشباك السينمائي عن تقديم المسرح شيئًا فشيئًا..
من الظلم إلقاء اللوم على المتلقي وحده، باعتباره المتسبب في رداءة الفن أو اندثاره، لأننا نتغاضى في ذلك عن رغبة المنتج نفسه إما باستهتار أو قصد في إفساد فنه، كذلك فإننا نتغاضى أيضاً عن التطور التكنولوجي الذي يفرض أدواته والتي بالضرورة تنتج فنوناً جديدة. نجوم الشباك قبل أن يهتموا بإرضاء المشاهد خليجياً كان أم مصرياً، كانوا يقدرون المسرح حقاً وإن لم يمتلكوا أدواته أو يحسنوها، ونحن هنا إزاء سياقين مختفلين ومتداخلين، هل السينما ستقضي على المسرح؟ أم أن غياب الدولة عن دعم المسرح بشكل حقيقي هو السبب في تدهوره؟
في مصر، حيث أننا في اليوم العالمي للمسرح، وبالرغم من كل ما قد تحمله "الاحتفالية العالمية" من حتمية المشاركة، إلا أن الدولة لم تسع إلى الاشتراك في فعاليات اليوم بأي تظاهرة رسمية على الإطلاق. فهذا حال دعم الدولة، بالطبع هناك مهرجانات مسرحية تقوم عليها الدولة المصرية، إلا أن غياب الرغبة الرسمية عن دعم المسرح بشكل جاد واضحة ولا تحتاج إلى تفسير. أما عن قضاء السينما على المسرح باعتبارها إحدى تداعيات التطور التكنولوجي التي واكبت الفن المسرحي نفسه، فالمسألة بحاجة إلى وقفة، لقد تأثرت السينما أساساً بالثورات العربية بل وصارت تواجه في مصر خطراً حقيقياً يهدد وجودها بعدما كانت صناعة راسخة، بدءاً من غياب القدرة على الاستثمار فيها وصولاً إلى انتشار قنوات القرصنة.
وإذا كانت السينما المصرية تواجه عثرة كبيرة، فهل اتجه المنتجون والممثلون إلى المسرح؟ لا، بل اتجهوا إلى التلفزيون، إلى شاشة أخرى غير السينما، ولكنها ستظل شاشة وليست خشبة مسرح، حتى تلك المحاولات التي يقوم بها أشرف عبدالباقي وغيره تحت مسمى "مسرح مصر" أو "تياترو مصر" أو "مسرح النهار" إلخ، هي كلها محاولات تسعى للظهور على الشاشة وليس على خشبة المسرح، فقد أعدها منتجوها أساسًا لتغذية قنواتهم الفضائية، كما أن الممثلين الشباب فيها يعاملونها كدرجة تمهيدية لمساعدتهم في الدخول إلى عالم السينما.
فهل سيندثر المسرح، أم يمكننا الادعاء ونحن نشاهد، مطمئني البال، برامج مثل "البرنامج" أو "أبلة فاهيتا" أو "SNL بالعربية" وهم يعتمدون على الخشبة والأداء المسرحيين كنواة لعروضهم، أنه طالما حافظت تلك البرامج على المسرح- وهي الغريبة عن الفن المسرحي والتي من المفترض ألا تستعين به في العادة- فتلك علامة على بقائه.
بالطبع هناك محاولات جادة من بعض الفنانين، أبرزهم يحي الفخراني، للعودة لتقديم المسرحيات، ولكنها تظل محاولات قليلة يقدمها عدد محدود من الأشخاص، ليسوا كلهم على قدر الجماهيرية التي يحظى بها الفخراني، بالإضافة إلى المحاولات الجادة من الشباب، ولكن كي يعود المسرح إلى بهائه من جديد، فهو في حاجة إلى أن يتوقف صناعه أنفسهم لينظروا إليه بالأهمية نفسها التي يولونها إلى الشاشة، قبل أن نعول على دول تسعى في المقام الأول لتهميش الثقافة وليس إلى دعمها.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات