بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
خائن… أحبه!
  27/02/2016

خائن… أحبه!
غادة السمان


النص الشعري ليس مذكراتي! (اقترفت) مرة كتابة نص شعري أقول فيه: أحب خياناتك لي/فهي تؤكد أنك حي/عاجز عن الكذب وارتداء الأقنعة/توجعني الأقنعة أكثر من وجعي بالخيانة/أحبك لأنك متناقض/لأنك أكثر من رجل واحد/لأنك الأمزجة كلها داخل لحظة تأجج/أحب طعناتك لي/لأنها لم تأت مرة من الخلف/…
ومنذ اليوم الذي صدر فيه هذا النص في أحد كتبي الشعرية وأنا اتلقى اتصالات هاتفية كلها تأنيب نسائي لي.. أطرفها من كاتبة معروفة دعمتها في بداياتها ووجدتُ لها ناشراً. اتصلت بي غاضبة ويبدو ان زوجها يخونها والعقاب لي!!.. ولم تهدني كتابها الأول الذي لولا دعمي لما صدر!! وحاولت عبثاً إقناعها بأن النص الشعري لحظة مزاجية لا دفتر مذكرات صديقاتي!
ولكنني لا أتحدث اليوم عن هذا النمط من الخيانات، بل عن خائن آخر أحبه هو «المترجم».
د. محمد جميح و”الخيانة الخائنة”!

لا أتحدث أيضاً عن ذلك النمط الوضيع من الخيانة الذي لفتنا اليه د.محمد جميح، حين يخون المترجم عامداً حقيقة النص ويقوم بتحويره خلال الترجمة لأسباب سياسية إجرامية ولم ينس د. جميح إيراد أمثلة غاية في الأهمـــــية في حــقل السياسة الدولية مع الاجرام الصهيوني رصدها بصبر الدؤوب (القدس 22/10/2015).
ما أتحدث عنه اليوم هو الخيانة التي لا مفر منها في الترجمة الأدبية من لغة إلى أخرى لأنه من المتعذر النقل الأمين المثالي ومن الممكن الاقتراب من ذلك كلما كان المترجم (مريضاً) بالأمانة العلمية وهو ما لم يفت د. جميح حين نقل قول الإيطاليين: «أن تكون مترجماً فأنت خائن».
إنها تمطر قططاً وكلاباً في لندن!

ما مناسبة كل ما تقدم؟ إنه توقيعي هذا الأسبوع لعقد مع دار نشر لندنية لإصدار الترجمة الإنكليزية لروايتي الأخيرة: «يا دمشق.. وداعاً» وهو الكتاب السابع الذي يُترجم لي إلى تلك اللغة… وتربطني دائماً بالذين تكرموا بترجمة العديد من كتبي (إلى ثمان عشرة لغة) صلة عاطفية إنسانية لأنني أعرف معاناتهم من الداخل، فقد سبق لي أن عملت خلال دراستي الجامعية مترجمة، والترجمة الادبية عسيرة لأن الكمال فيها مستحيل ولا مفر من حد أدنى من الخيانة يرجع معظمه إلى إيقاع القلب السري لكل لغة بكل خصائص شعبها وتعابيره اليومية السائدة وتاريخه ومزاجه الروحي وغير ذلك يطول شرحه.
وكمثال بسيط: كنت أترجم نصاً من الإنكليزية مقرراً في برنامج دراستي (للماجستير) حيث تقول احدى الشخصيات اللندنية لأخرى: «إنها تمطر قططاً وكلاباً». وكان من الممكن ان يترجمها أي كان ترجمة حرفية فالنص واضح، ولكن تلك العبارة تعني بالإنكليزية: إنها تمطر بغزارة!! والكلاب والقطط لا تهطل على رؤوسنا من السماء بل المطر؟!
لديّ قطط أخرى أجلدها في باريس!

حين انتقلت من الحياة في لندن إلى باريس ظللت أحلم باللغة العربية أي ان الجميع بمن ذلك الانكليز والفرنسيون ينطقون (في أحلامي) بلغة قلبي وروحي، اللغة العربية.
ومرة عرضتُ على صديقتي الفرنسية كوليت مرافقتي إلى المتحف فقالت لي: لديّ قطط أخرى أجلدها! وخفت منها وكدت أختبئ اذ تخيلت كوليت تحمل سوطاً وتجلد قططاً! واستفسرت بعدها عن «جَلْدِ القططَ» وفهمت انها تعني ببساطة القول: لدي مشاغل اخرى ملحة!..
وتخيلت مترجماً لم يزر لندن يترجم: وكانت تمطر قططاً وكلاباً حين مشينا معاً او عن الفرنسية: «كانت لديها قطط أخرى تجلدها!».
يا «بقّتي» عبارة غزل فرنسية

ورغم إقامتي أكثر من ربع قرن في باريس لا زالت أذني عربية تلحظ التعابير الفرنسية المستعصية على الترجمة الحرفية كالقول: لقد وضع لي أرنباً (أي كان موعده لي كاذباً). أو (لقد اصطحبني في قارب) اي خدعني. أو (جعلني أرتدي القبعة) أي جعلني «كبش فداء». أما «فئران الاوبرا» فلا تعني فئراناً تسرح وتمرح في دار (اوبرا غارنييه) الشهيرة الباريسية ولكنها تعني الصغار من أهل الموهبة الذين يتدربون على الرقص في الاوبرا.
و”مساء الخير يا بَقتي العزيزة” التي قالها لي متشرد ثمل (كلوشار) فرنسي، واغضبتني، لا تعني ـ كما شرح لي زوجي ضاحكاً ـ الإساءة، بل عبارة محببة يغازل بها الرجل حبيبته!!.. والأمثلة تطول.
الترجمة اكثر الخيانات براءة!

كمترجمة (متقاعدة) اتعاطف بلا مدى مع المترجم، وبالذات صاحب الضمير الذي أفيونه حب الترجمة.
وكل ترجمة مخلصة هي محاولة لإعادة خلق الكتاب بابداع بلغة اخرى وليست فقط (نقلاً) من لغة إلى أخرى.
وإبداع المترجم يوازي ابداع المؤلف إن لم يفقه لأنه ارادي ولا يتدفق كنهر جنون بل بخطى مدروسة تشبه مسيرة بين الألغام.
وكم تألمت حين جاءت مترجمتي الرومانية الشابة رالوكا إلى باريس لنتعارف حاملة نسخاً من رواية لي «بيروت 75» ترجمتها وصدرت بالرومانية.
غضبتُ حين لم أجد اسمها على الغلاف وقالت إن ذلك ـ اي نشر اسم المترجم على الغلاف مع الكاتب ـ ليس مألوفاً عندهم. ولذا حين طلبت مني في الفترة نفسها الجامعية السورية الكاليفورنية ريم زهراء الإذن بنشر ترجمتها لكتابي «الابدية لحظة حب» وافقت وطلبت منها نشر صورتها على الغلاف الثاني مع نبذة عن حياتها لا عني فقط!.. وهكذا كان، وشعرت انني عبرها قدمت هدية رمزية لعشرات الأحباب المترجمين الذين عايشوا أبجديتي من الداخل اي تسللوا بهدوء إلى شغاف قلبي وترجموها ثم مضوا… فالتعارف على جسر الابجدية يشبه المصافحة في ضوء قمر المعرفة.
والمترجم هو الجندي الأبجدي نصف المجهول الذي يحق له التكريم كله. وقُمْ للمترجم وفِّهِ التبجيلَ.
غادة السمان

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات