بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
أدب السجون
  07/02/2016

أدب السجون
 
ميسون شقير


ما أوجع أن نطلق على أدب ما مصطلح أدب السجون أو أدب القهر والتعذيب والفقد، أدب اللا إنسانية، لأن كلمة أدب، أو حتى كلمة ثقافة بالشكل العام، تعني منبعا للمعرفة والإبداع والخيال والتجربة، وهي أرقى معادل للإنسانية، تقاس من خلالها درجة تطور الشعوب ووعيها بذاتها، فكيف يكون هذا الرقي والوعي حاملا لكل هذه العذابات التي لا يمكن أن تتحملها روح القارئ، فكيف إذا بروح الكاتب الذي عاش فعلا هذه التجربة من الموت الطويل اللا متناهي.

ولعل الروايات السورية عن أدب السجون كانت من أهم الروايات العربية التي تناولت هذه المراحل من اللا حياة في حياة سجناء الرأي السوريين، والذين كانوا بعشرات الألوف منذ استلام الأسد الأب للسلطة، وقبل قيام ثورة 2011. فلا يمكن لأي قارئ أن ينسى رواية “القوقعة” لمصطفى خليفة، إذ أنها تكوي قارئها وتترك في روحه وشما كبيرا لا يزيله الزمن. فمصطفى الشاب السوري الذي ذهب إلى باريس لدراسة الإخراج السينمائي، والذي عاد إلى سورية ليخرج أحلامه أفلاما تستحق المشاهدة، تعتقله أجهزة المخابرات السورية وتتهمه وهو المخرج السينمائي المسيحي، بتهمة الانضمام للإخوان المسلمين، وذلك لتقرير كتبه أحد عيونها الأنذال حوله بعد أن سخر في أحد المرات من الأب القائد. وهنا تبدأ تجربة أفلام لم تتخيلها مخيلة أي مخرج في هذا العالم، ويعيش مصطفى ما يعيشه معتقل الرأي في سوريا من تحطيم كامل لشخصيته وكرامته وإنسانيته، بالإضافة لتحطيم أضلاعه وروحه وأحلامه طبعا. كما تميزت رواية “خمس دقائق وحسب! تسع سنوات في السجون السورية” للكاتبة السورية هبة الدباغ، وهي التي اعتقلت لأن أخاها متهم بالانتماء لحركة الإخوان، وخرجت من السجن لتجد أن كل عائلتها قد قتلت في حماة. ولعل قصص إبراهيم صموئيل حول أجمل حالات الفقد الإنساني في تجربة السجن هي تجارب أخرى لا يمكن نسيانها بعد قراءتها، فإبراهيم الشاب اليساري، يعتقل لفترة طويلة بسبب رأيه فقط، حاول بعد خروجه أن لا يروي تفاصيل التعذيب، بقدر ما حاول التقاط حالات وجع إنساني شفافة وحادة يمر بها السجين وأهله، وهي التي تمنعنا من الهروب من حفر هذه اللقطات من ذاكرتنا.

أما في الشعر، فقد تناول معظم الشعراء حالات قهر سجين الرأي. ولعل أهمهم كان محمد الماغوط ورياض الصالح الحسين وبندر عبد الحميد. كما تناولت بعض الأفلام هذا القهر، مثل فيلم خارج التغطية. ولعل المسرح كان أيضا يحاول دائما نقل هذه التجربة إلى خشبة حية مؤثرة بمتلقيها بقوة، مثلما فعل غسان جباعي في مسرحية “السلالم”، والتي تم منعها بعد يومين فقط من بداية عرضها.

لكن الثورة السورية ستدُخل أدب وثقافة السجون موسوعة غينس، ويتدخل معها سوريا أيضا كأكثر بلد في العالم ينتج أفلاما ودراما تلفزيونية وروايات وقصص قصيرة وشعر وأغنيات، وذلك لأن خمس سنوات خلّفت ما يزيد عن ثلاثمائة ألف معتقل للرأي، كانوا ومازالوا موجودين في كل لحظة في الزنازين السورية، ومن خرج منهم أو سيخرج، سيكتب الكثير الذي لن تتحمله البشرية.

ومن أهم هذه الروايات رواية “أجنحة في الزنزانة”، للكاتب السوري مفيد نجم، والتي نُشرت في العام الماضي. يتحدث الكاتب فيها عن تجربة اعتقاله، وعن الأجنحة التي تنمو للمعتقل رغم كل القهر والتعذيب، ورغم الوصول للموت أكثر من مرة، وموت الرفاق الحقيقين من التعذيب. ولكنه، وبأسلوب شيق ورشيق، يخلق أجنحة لروح قارئه، أجنحة من التحدي والمقاومة. تلك الروح التي ربما نحتاجها كقراء نبت في داخلنا صبار الخوف منذ بداية وعينا، ومذ قرأنا “شرق المتوسط” لعبد الرحمن منيف، ثم القوقعة التي تقوقعنا فيها مع خوفنا الهائل.

يقدّم مفيد نجم فقده بواقعية ووعي، ويترك لقارئه بعض الفضاءات التي يتمسك فيها بإنسانيته المغتالة هناك في تلك الدهاليز العفنة تحت أرض الحياة، والتي يحاول دائما أن يطرح فيها السؤال الدائم: ما الذي يحول المحققين والسجانين إلى وحوش حقيقية تتلذذ بالتعذيب نفسه، كمتعة وكفعل، أكثر منه كأداة لتحصيل معلومة؟ وهل يمكن أن نتحول نحن في جزء ما منا بعد أن تحطمت أرواحنا وكُسرت شخصياتنا إلى أناس فقدوا فعلا جزءا من إنسانيتهم، ونصبح من دون أن نشعر، سجانين جدد لمن يحبوننا، لأننا غير قادرين على تقديم الحب لهم؟

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات