بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
التمييزات الثقافية: الثقافتان
  12/11/2015

التمييزات الثقافية: الثقافتان
سعيد يقطين



ترتفع بين الفينة والأخرى، في البلاد العربية، دعوات إلى التمييز بين «الثقافات» والمفاضلة بينها على المستوى الرسمي. تكشف هذه الدعوات عن رغبات محددة لخلق، أو «ترسيم»، التوجه نحو ثقافة ما على حساب أخريات، لغايات اجتماعية أو سياسية، غالبا ما تكون وليدة ظروف «عابرة»، أو استجابة لمتطلبات معينة يفرضها واقع التطور.
لا غرابة إذن أن تتعالى أصداء هذا التمييز، بين «ثقافة علمية» وأخرى «أدبية»، من لدن الخطاب الرسمي المتصل بمؤسسات التعليم العالي في الوطن العربي، عبر التلويح بالتفضيل الصريح للثقافة العلمية على حساب نظيرتها «الثقافة الأدبية»، بل أن بعض تلك التصريحات يذهب إلى مدى أبعد بالقول بلا أهمية «الثقافة الأدبية»، ويطالب بإغلاق كليات الآداب والحقوق، ليس على أساس أنها لا تشتغل بـ»العلم»، أو لا صلة لها بـ»البحث العلمي»، ولكن على اعتبار ألا علاقة لها بالمجتمع ولا تفيد في حل مشكلات اجتماعية ترتبط بسوق الشغل، بصورة خاصة.
لو كان الأمر يتعلق بالتشكيك في «علمية» الثقافة الأدبية، بالذهاب إلى أن هذه الثقافة لا علاقة لها بالعلم، الذي هو من أساسيات العمل الأكاديمي والجامعي، لكانت المفاضلة معقولة لأنها مؤسسة على مقتضيات يفرضها البحث العلمي. وفي هذه الحالة لا يمكن سوى التسليم بالتباين الحاصل بين الثقافتين، والتمييز بينهما، لكن ليس إلى الحد الذي يقضي بالمفاضلة، من جهة، أو الدعوة إلى الإلغاء من جهة أخرى. وتكفي في هذا السياق الدعوة إلى «إصلاح» الثقافة الأدبية، والمطالبة بجعلها مؤسسة على قواعد البحث العلمي، عبر الارتقاء بها إلى مستوى ما تحققه الثقافة العلمية.
لكن الطريقة التي تعالج بها «الثقافة الأدبية» من المنظور العربي الرسمي، لدى مؤسسات التعليم العالي، لأنها عاجزة كل العجز عن التفكير في أي إصلاح، أو النهوض بتطوير البحث العلمي بصفة عامة داخل كليات الآداب والحقوق، من منظور يراعي مصلحة الثقافة والمجتمع، يدفع بها إلى سلوك طريق الهرب إلى الأمام، برفع العقيرة بالتمييز بين الثقافتين والمطالبة بمسح الثقافة الأدبية من الحرم الجامعي، لأنها لا تسهم إلا في خلق خريجين عاطلين عن العمل؟ ويتولد عن هذا التصور أيضا، ضمنا أو مباشرة، التلويح بضرورة الاعتناء بالإنكليزية لأنها لغة العصر، أما العربية فيجب تقليص الاهتمام بها وتركها نهبا لأهواء المنافحين عنها؟
تتحكم في هذه الرؤية التي تهيمن على المسؤولين عن المؤسسة الجامعية العربية، تصورات لا علاقة لها بالعلم ولا بالبحث العلمي ولا بلغة الأمة. ولكن تحكمها رؤى سياسية ـ اجتماعية ضيقة. وكلما كان أفق الإصلاح الاجتماعي والسياسي مضببا لدى المسؤولين، كان القفز على الجدران القصيرة أسهل من مواجهة المشاكل الجوهرية. والحقيقية هو السلوك السائد في التعبير والتدبير. لتأكيد هذه الأطروحة التي نتبناها وندافع عنها، نشير إلى أن التمييز أو المفاضلة بين الثقافات ليسا وليدي اليوم. إنهما قديمان قدم تشكل الثقافات، وفي كل فترة من فترات تطور المجتمعات والدول تبرز هذه التمييزات.
عندما كان العرب في أوج عطائهم الحضاري بسبب اهتمامهم بالعلوم، صنفوا الكثير من المؤلفات التي تتناول إحصاء العلوم ومفاتيحها وتصنيفاتها. وضمن هذه المؤلفات كانت تبدو لنا التمييزات الثقافية بين العلوم حسب التطور التاريخي. إذا أخذنا مثال «إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد» نجد ابن الأكفاني (749هـ) يتحدث عن ثقافتين ليس في ضوء «سوق الشغل»، ولكن بناء على اعتبار ما تضطلع به كل منهما في المجتمع. يُسلِّم ابن الأكفاني أولا بأن العلوم جميعها تشترك في الشرف، لأن لكل علم من العلوم منفعة، إما في المعاد أو المعاش أو الكمال الإنساني. لكن هذه العلوم تتفاوت في تحقيق تلك المنفعة، إما بحسب الموضوع (الطب مثلا)، أو بحسب الغاية (الأخلاق)، أو بحسب الحاجة (الفقه)، أو بحسب وثاقة الحجج (العلوم الرياضية)؛ ويؤكد أن من العلوم ما يقوى شرفه باجتماع هذه الاعتبارات التي يراها تلتقي جميعا في العلم الإلهي، فإن موضوعه شريف، وغايته فاضلة، والحاجة إليه ملحة.
إن ابن الأكفاني، يميز هنا بين أحادية الاعتبار أو المنفعة في العلوم، أو تعددها. وبما أنه يستخلص أن العديد من العلوم أحادية الاعتبار، يرى أن العلوم الإلهية، متعددة الاعتبارات، ولذلك فهي تفضل غيرها. وبذلك يمكننا، حسب تصوره، التمييز بين ثقافتين: ثقافة دينية، وأخرى دنيوية، لكنه لا يطالب بعدم الاشتغال بإحداهما على حساب الأخرى.
في العصر الحديث، بدأ التفكير في إعادة النظر في العلوم والاختصاصات، والمفاضلة بينها منذ القرن الثامن عشر. وكلما حصل تطور في العلوم يعاد النظر في أسس التمييز. بعد الحرب الثانية، أصدر س. ب. سنوو كتابا تحت عنوان «الثقافتان» (1959)، يميز فيه بين «الطبيعيات» و»الاجتماعيات»، باعتبارهما الثقافتين الأساسيتين، جاعلا الطبيعيات تفضل الاجتماعيات. تعرض كتابه هذا للنقد الشديد والنقض العنيف. ومنذ ذلك الحين إلى الآن تعرض التمييز بين الثقافات والمفاضلة بينها إلى سجالات وحوارات عميقة بين المتخصصين، تسعى إلى تدقيق الخصوصيات العلمية بهدف التجسير والتطوير.
عندما يتحدث السياسي عن العلوم، ويخرس العلماء، فنحن أمام ثقافة الإيديولوجيا ضد ثقافة العلم.
كاتب مغربي
سعيد يقطين

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات