بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
صار البوم يتشـاءم مـنا!
  31/10/2015

صار البوم يتشـاءم مـنا!
غادة السمان


لا أذيع سراً إذا قلت إنني أحب طائر البوم ولا أتشاءم منه أو أتفاءل به. أجده ببساطة جميلاً بعينين واسعتين، حزينتين بدهشة بعيدة الغور والغموض. وأعرف أن الكثير من الناس يتشاءم من البوم وبالذات في عالمنا العربي، على العكس من الغرب حيث يعلّمون أطفالهم حبه لأنه مفيد للبيئة، ويربيه بعض المزارعين في بيوت على الأشجار خاصة به. المتشائمون ينسون أن الإسلام حرّم التطيّر منذ قرون واعتبر ذلك من أخلاق الجاهلية، وجاء في القرآن الكريم «ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون). وجاء في الحديث الشريف: «الطيرة شرك». ثم ان العقل يقول ببساطة: البوم طائر آخر من مخلوقات الله بوسعك أن تحبه أو لا.. لكنه ليس مصدر الكوارث لنتشاءم منه، ومن حقه هو أن يتشاءم منا لأننا كعرب نؤذيه ونقتله دونما ذنب اقترفه في حقنا، بل انه يساهم مع البشر في تخليصهم من كائنات مؤذية تنشر طاعون الأمراض، ولم نعتذر منه مرة.. أو نشكره.. تلك حالنا غالباً، العقل العربي في غيبوبة والغيبيّات المتوارثة تلهينا عن المسؤول الحقيقي.
وللبوم بعض العشاق العرب، أمثال الشاعر غازي القصيبي والناشر رياض الريس والأديبة الشابة عفيفة حلبي وسواهم.

أيها البوم، أين الكهرباء؟

الذين يقومون بشل الدولة في لبنان يشكون من غيابها في آن، و«حزب الأوادم» في لبنان يحدّق فيما يدور حوله ويقوم «بالتبويم» في ظلمة الكهرباء المقطوعة. وممنوع انتخاب رئيس للجمهورية والمسؤول عن ذلك هو البوم طبعاً.
وكثيرون يحاولون جر لبنان إلى سلك الموت الأجباري والحروب الأجبارية والفتن والمذابح مع التعتيم على إمكانية بهجة العيش وحق الإنسان في الحياة قبل أن يموت وحقه في الماء والكهرباء ومدينة بلا شوارع مزروعة بالقمامة.. والمخاطر.. والتشبيح.. ولكن البوم لم يُعد لنا الكهرباء والازدهار!
كل ما في لبنان يكاد يصير ذريعة للكيد السياسي بما في ذلك «جمع القمامة» من الشوارع ويلقون باللوم على «شؤم» البوم البريء والشؤم في أصواتهم الصارخة. هل سمعنا مرة بسائح عربي هرب من لبنان خوفاً من بومة، أم من مسلح يترصد به لخطفه من أجل فدية؟ هل شاهد أحد بومة تحمل سلاحاً على حاجز الغطرسة؟ هل شاهد أحد بومة تفسد موسماً سياحياً وتزيد في فقر الناس؟
البوم ورسام الكاريكاتير العربي
يثرثر العديد من رسامي الكاريكاتير العرب عن الحداثة، و«العين» الجديدة المتحررة من التقليديات المتوارثة، لكنهم حين يتعلق الأمر برسم الشؤم، يرسمون البومة كرمز لذلك، في أداء تقليدي لا صلة له بحداثة إلقاء نظرة جديدة يزعمونها، باستثناء الفنان السوري حسن إدلبي الذي رسم البومة بمودة كطائر جميل بريء، ولعله كان بذلك أول رسام عربي ينظر إلى البوم بعين جديدة، أما الغرب فقد سبقنا إلى ذلك بمراحل.
بيكاسو لم يكتف بعلاج بومة جريح سقطت في شرفة منزله في بلدة أنتيب (في الريفييرا الفرنسية) بل رسمها في عدة أعمال فنية ورسم نفسه في لوحة ذاتية (أوتوبورتريه) بشكل بومة، كما التقطت الصحف له صوراً وهو يحتضـــن بومتـــه بعد شفائها وتحولت صور ذلك الاحتضان إلى بطاقات بريدية، كما نشرتها الصحف الفرنسية وبينها «جريدة الفيغارو» واسعة الانتشار.
الغرب سبقنا إلى الشفاء من الهرب من مسؤوليتنا عن أفعالنا والإلقاء بها على عاتق البوم والآخر والغيبيات التقليدية المتوارثة في غفلة من العقل.
سفيرة مملكة البوم
ثمة أديب عربي كتب منذ أشهر في مجلة «الحياة الثقافية» التونسية الراقية مقالاً مميزاً عن مرابع طفولته، ولكنه تحدث بكراهية عن البوم، وذكرني بالاسم في مقاله، كما لو كنت سفيرة لمملكة البوم!!..
حسناً. رضيت بالمنصب حباً بالبوم، ومن حق الكاتب ان يكره البوم، أما أحد الأسباب التي أوردها لذلك هو أن لحم البوم ليس طيب المذاق، ولكن اللحم البشري أيضاً كذلك، فهل هذا مبرر لكراهية الناس؟ ويأخذ على البوم أيضاً إقامته في المقابر، ولكن البوم وجد أن الانسان لا يكف عن الأذى إلا حين يصير ميتاً!.
رسم العديد من الفنانين الغربيين والنحاتين البوم بحب أمثال جيرانيموس بوش، ميرو، كوكتو، دورير، موغيه، دونيس، ماغريت، لوست، بوتبون، بوفيه، بايك، برور زيرز وسواهم كثير، فالبوم حين لا ننظر إليــه بعين التحامل طائر يبدو لي وللكثيرين جميلاً وغامضاً، كالحب، واستثنائياً وملتبساً، وفي نظرته الاتهامية ما يثير الشعور بالذنب لدى الكثيرين، ولذلك اختاره الإغريق رمزاً للحكمة، ونجد صوره مصكوكة على نقودهم (ولدي مجموعة منها) كما حملتْ ورقة الخمسين فرنكاً في سويسرا صورته الجميلة طـــويلاً، كما العديد من الطوابع البريدية السويسرية، وأحتفظ بها مع مجموعتي عن طائر البوم، ومع أكثر من خمسمئة بومة تعيش معي في بيتي، كرست لها خزانة زجاجية تطل على منظر جميل هو نهر السين. إنها تماثيل بوم لكل منها ذاكرة وذكريات، فمعظمها هدية من أصدقاء مبدعين رحلوا.
البوم والعقل العربي
يقول لي البوم الذي يتشاءم منا: أيها العرب غادروا الخرافات وواجهوا حقائق العصر.. وذلك لا يتطلب منكم بالضرورة إهانة عباءات الأجداد..
وتضيف البومة مذكرة بأننا نبعث بالرسائل عبر الإنترنت ولم نشارك في صنع الكومبيوتر، ونستعمل الطائرات وما من طائرة من صنعنا ولم نخترع شيئا منذ قرون، فنحن المستهلك لا صانع الحضارة، ولكننا نتشاءم من البومة لا من تقصيرنا.
حين اتخذتُ من البومة شعاراً لمنشوراتي قال لي الكثيرون إنها «ستنحسني» ولم أخف. ولم يصبني النحس والفضل ليس للبوم بل لتفاعل القارئ مع الكتاب.
البوم بريء.. نحن نحمل المسؤولية عن تدمير أوطاننا وشرورنا نحو بعضنا بعضاً، ونحو البوم.
وتريدون ألا يتشاءم البوم منا؟
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات