بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
الوجع السوري الذي يحبّه "العالم" ويكافئه
  18/08/2015

الوجع السوري الذي يحبّه "العالم" ويكافئه


حنين عتيق



في سورية الأسد كان الفنّ كائناً يعشق الضوء والحرية، لكن تقتله العتمة والسجون. ما يوجع ويجرح الروح أنّ الأعمال الفنية التي بدأت تحصد الجوائز العالمية هي أعمال في معظمها تتناول وجع الإنسان السوري العميق، والتخريب القاهر الذي أصاب روحه و حياته، لمجرّد أنّه حلم يوماً بفض"اء أكثر اتّساعا، وبنوافذ جديدة، وبأنّ العالم الذي خذله وخذل أحلامه يتفرّج الآن على ألمه معروضاً، ويعطيه جوائز لأنّه يقدّم هذا الوجع بطريقة "رائعة" و"تستحق".

رأفت الزاقوت هو شاب يمتلك في شخصيته قدرات فنية مميّزة، برزت منذ دراسته في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق. وقد تميّز بإمكانات تمثيلية عالية، وخصوصاً في مجال الإيماء، ليعمل بعد تخرّجه من المعهد كمدرّس لمادة الفنّ الإيمائي سنوات عديدة، وليقدّم العديد من المسرحيات، كان الأكثر تميّزاً بينها تلك التي قدّمت بشكل إيمائي كامل دون أيّ صوت. وهي من الأعمال الصعبة جدّاً التي تتطلّب مرونة وليونة وقدرة جسدية وحسية عالية.

كما أنّه شارك مبكراً في عدد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، منها مسلسل لورنس العرب، ومسلسل سيرة حب. وأخرج أيضاً خمس مسرحيات في دمشق. ومنذ بداية ثورة الشعب السوري أعلن رأفت موقفه الرافض للردّ الظالم والعنيف الذي قابل به النظام صوت شعبه، وقال: "كنّا في سورية دائماً نعيش تحت خطوط حمراء تكبّل كلّ حياتنا وأحلامنا".

انتقل بعدها رأفت إلى لبنان، وهناك حاول القيام بمشروع مسرح جوّال يعيد إنتاج الوجع السوري وينقله لكل العالم. بعدها قدّم تجربة أخرى بإخراج فيلمه الوثائقي "هوم"، الذي، بشكل مفاجئ، حصل على "جائزة الأفلام الوثائقية" في فرنسا، وهي جائزة عالمية مرموقة، ومن النادر أن يحصل فيلم عربي عليها.

يتحدّث الفيلم عن حياة ثلاثة شبّان من مدينة منبج، شاركوا في التظاهرات السلمية في المدينة بكل حماسة وتآلف. أحد هؤلاء الشباب هو راقص يراهن على الفنّ دائماً، والآخر كان طالباً في كلية الفنون الجميلة، وكان أيضا يراهن على أصابعه، لكنّ العنف الذي مورس على أهله وقريته جعل أصابعه تترك الريشة والألوان، وتحمل البندقية ذات اللون الواحد.

يرصد الفيلم حجم العذاب والقهر اللذين عاشهما الشبّان، ويرصد مشاركة اثنين منهم في عملية تحرير المدينة. إذ كانا قد انتميا إلى صفوف الجيش الحرّ. وبعد تحريرها يصوّر الفيلم محاولة الأصدقاء الثلاثة إقامة مكان أسموه "هوم"، يقدّمون داخله نشاطات فنية لترميم ما خرّبته الحرب في حياة الناس. يحتمون بالفنّ والرقص والموسيقى لإعادة إنتاج الحياة، لكنّ الزمن لا يمهلهم، فهذا الزمن ضيّق على أحلام السوريين، وعلى بيوتهم. إذ تدخل "داعش" إلى المدينة، وتحاصر هؤلاء الشبان، وتخرب "الهوم". ما اضطرّهم إلى حمل أحلامهم المكسورة والنزوح إلى تركيا.

فيلم جميل بحقيقة تفاصيله ودقّة معالجته لكلّ البيوت التي رحل الشهداء كي نبنيها؛ والتي أجبرنا على تركها والرحيل عنها. فيلم عن الوجع السوري الذي يحبّه "العالم".
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات