بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
الأراجوز العربي أول من نادى الطاغية: ارحل
  20/04/2015

الأراجوز العربي أول من نادى الطاغية: ارحل
ياسر غريب


تنتهي معظم عروض المهرج "الأراجوز" الشعبية، بعبارة "اطلع برّه"، موجّهة لشخص مزعج، بعد محاورات هزلية، مفكّكة الأوصال أحياناً، تنتقد الفساد الاجتماعي والسياسي.
كان المجتمع فقيراً من أدوات الترفيه الحديثة، حين مثّل الأراجوز دوراً كبيراً في التوعية والتسلية معاً باعتباره متنفساً للعامة، كما كان الفنانُ فقيراً أيضاً، يمكنه بقليل من الإغراءات أن يقدّم عروضاً خاصة لطبقة الأثرياء والحكّام ما يرضي ذائقتهم.
لم يُتفق في مصر على ما إذا كان مسمى هذا الفن يعود إلى (قره قوز) وهو اسمُ حاكمٍ عثماني، أم أنه فنٌّ مصري خالص، استوحاه الناس من التركيب (أرا- جوز) أي: أرى اثنين، وهما بطلا العرض، حيث لا يوجد على المسرح الصغير غير دميتين قفازيتين، يحركهما اللاعب المختفي بيديه. ورأى آخرون أنها لفظة فرعونية تعني "صانع الحكايات".
وهناك زعمٌ بأن عروض "الأراجوز" وصلت مصر مع الحملة الفرنسية، يستند إلى أن أصول هذا الفنّ أوروبية، حيث الأراجوز التشيكي، الذي امتهنته في القرن الـ 18 نحو 80 أسرة، كانت تتنقل في أرجاء البلاد لتقدم عروضها. غير أن هذا الرأي يجُبُّه ذكرُ كتاب "وصف مصر" لعروض أراجوز شاهدها الفرنسيون في القاهرة. حيث كانَ ردّها إلى الأصول العثمانية أكثر إقناعاً، في حين حاول آخرون أن يثبتوا أن عروض الأراجوز "المتأخرة" استعارت بعض المشاهد من مسرحيات موليير مثل "طرطوف" و"البخيل" و"مقالب سكابان". وعملية التأثر بالعروض الفرنسية التي غزت البلاد المستعمرة أمر محتملٌ جداً ومنطقي.
وقد أولى المستشرقون لفن مسرح الدّمى العربي وتشكيلاته عناية خاصة، فذكروا "الأراجوز في العديد من كتبهم ومذكراتهم. ومن الملاحظات التاريخية المهمة ما ذكره المستشرق الإنجليزي "منصور أفندي" (إدوارد ويليم لين) الذي أقام بمصر فترات طويلة؛ أنّ بعضاً منها كان باللغة التركية إذ كان موجهاً إلى الطبقة الأرستقراطية والنخبة الحاكمة، وهو ما يبرر تصدي بعض الأثرياء للإنفاق على بعض تلك العروض.
بينما يقدم المستشرق الألماني "كورث بروفر" (1891-1951) وصفاً دقيقاً لمسرح الأراجوز الذي شاهده سنة 1911 في القاهرة، حيث صاحبَ هذا المستشرق أحدَ أصحاب العروض، واسمه "أحمد علي الخضري"، وكان يسكن في حي الترجمان بمنطقة بولاق، كما نقل عنه نصاً مكتوباً لأحد عروضه التي كان يطوف بها.
كان المسرح الذي شاهده "بروفر" يتكون من خُصٍّ من القماش يُطوى بسهولة، ولا يرتفع عن قامة الرجل إلا قليلاً، والواجهة تنخفض بعض الشيء عن الجوانب الأخرى. ويجلس اللاعب داخل "الكشك" ويحرك بأصابعه فوق الواجهة، الدّمى الخشبية السّاذجة، التي لبِّستْ قطعاً من القماش الملون، وظهرت حتى ركبها. ولا يمكن أن يظهر على المسرح أكثر من شخصيتين في وقت واحد، كما أن نماذج من الشخوص تعاود الظهور في كل عرض، فنجد مثلاً "الأراجوز" وهو مهرج قاسٍ غبي ولكنه ماكر، وهناك أيضاً شخصيات ثابتة أخرى تعتمد في الإضحاك على اللكنة اللغوية الغريبة، منها الجندي التركي الجعجاع، والنوبي الساذج، والقس الإيطالي أو اليوناني، ثم المتسول السليط، وبعض الشخصيات النسائية التي تنتمي إلى حي الأزبكية. 
تمتاز شخصية الأراجوز بذلك الصوت العالي الذي يظهر كأنه خارج من الأنف، والذي يخرجه الممثل على هذا النحو بالاستعانة بزمّارة يضعها بين أسنانة، كما يلبس الأراجوز "طرطوراً"، وهناك لاعب مساعد يجلس بين الجماهير ويشتبك مع الأراجوز في حوار حينما ينفرد الأخير في المسرح، ويتجه بحديثه إلى الجمهور. كما أن المشاهدين الطبيعيين يشاركون في العروض عبر الإيقاعات التي يقومون بها من تصفيق أو صفير أو مشاركة الأراجوز في الأغاني والترديد معه!
ويرى نقاد المسرح أن الأراجوز إضافة إلى "العروض الهزلية" و"خيال الظل" يمثل مرتكزاً أولياً قام عليه المسرح العربي الاجتماعي، فبالرغم من شخصية الأراجوز النمطية؛ فإنها كانت جريئة وانتقامية.
الجرعة الزائدة والمتفلتة من النقد لم ترق لبعض الرحالة الذين مروا على القاهرة في عصر محمد علي باشا، مثل "السير ويلكنسون" الذي قال: "في هذه الدعابات التهكمية لم يرحم (القره قوز) لا المنزلة الاجتماعية ولا السن ولا الجنس. كان مجون هذه العروض الشيطانية، فاضحاً إلى حدّ أنه كان يصدم جمهوراً إغريقياً رغم تعوّده على مسرحيات أريستوفانيس"!
كما يصفها المبشر الألماني "هاوسمان" في أواخر القرن التاسع عشر بأنها بلغت في هزليتها ولغتها حداً من الإسفاف لدرجة تعبئتها بالنكات المبتذلة والإيماءات غير اللائقة.
اختفى الأراجوز تدريجياً، مع ظهور المسرح الحديث ثم السينما والتلفزيون، ولم تحظ تلك العروض القديمة بالعناية والتوثيق باستثناء ما دوّنه الرحالة الأجانب، لكن ظلت بعض العروض تظهر بين والحين في أماكن وأوقات متفرقة. 
فرقة ومضة
عم "صابر المصري" واحد مِن أقْدَم لاعبي الأراجوز المعمرين في مصر. يحكي أن ارتباطه بهذا الفن يعود لأكثر من خمسين سنة، حين شاهد الفنان "محمود شكوكو" لأول مرة وهو يقدم عرضاً مضحكاً للأراجوز في مسرح صيفي مكشوف بحي "الكيت كات"!
انضم عم صابر لـ "فرقة ومضة" التي أنشأها نبيل بهجت سنة 2003، لتستفيد الفرقة من خبرته، وتقدم تطويراً نوعياً لعروض الأراجوز. فالفرقة لا تقوم فقط بإعادة عرض "النِّمر" التراثية القديمة مجردةً؛ بل تمزجها بالرّاوي والغناء الشعبي والرقص الشعبي وغيرها.
يؤكد بهجت أنّ الخط العام لأحداث تلك العروض يدور حول مواجهة الأراجوز لانحرافات السلطات الثلاث، الدينية والسياسية والاجتماعية، مستهدفاً تثوير الناس وتحريرهم وكسر التابوهات المفروضة عليه. وهو يقدم بلغة ثنائية الدلالة تصلح للأطفال والكبار معاً.
تقدم "ومضة" عروضها كل يوم جمعة في "بيت السحيمي" مجاناً، كما قدمت العشرات من عروضها خارج مصر، إضافة إلى أنها قدمت أكثر من 50 ورشة عمل في مجال مسرح الأراجوز وخيال الظل
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات