بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
بيت فيــــــــــروز
  17/03/2015

بيت فيــــــــــروز
سمير عطالله - صحيفة (الشرق الأوسط)


كانت بيروت مدينة مرصّعة بالمعمار الهندسي القديم. مساجدها وكنائسها وآثارها وبيوتها ومدارسها وسبلها (مشارب المياه العامة)، وقناطرها وحدائقها ومرفأها وقرميدها وشرفاتها وحجارتها، تحكي علاقتها بالتاريخ، من أيام مدرسة الحقوق الرومانية (500 م) إلى المرحلة العثمانية، إلى المرحلة الفرنسية، إلى الأيام الاستقلالية الأولى.

جاءت الحرب فدمرت بعضها. ثم جاء الباطون فمحا كل شيء. ووقَّع أحد وزراء الثقافة في الحكومة الماضية قرارًا بتحويل موقع المدرسة الرومانية في وسط المدينة، إلى مبانٍ للبيع السريع. الكثير من مجد بيروت الهندسي بيع لتجّار الشقق. لذلك اعتبر القرار الحكومي بالحفاظ على المنزل القديم الذي عاشت فيه فيروز كأثر تراثي، انتصارًا للذوق والأدب والشعور الوطني. كانت حصة نهاد حداد وأهلها (5 أفراد) من هذا المنزل، غرفة واحدة ومطبخًا صغيرًا. وفي هذا المطبخ كانت فيروز تمضي وقتها لكي تسترق السمع إلى الأغاني من راديو الجيران. وعندما تمكَّن والدها أخيرًا من شراء مذياع قديم، صارت تردد الأغاني معه، مما أزعج الجار المقابل الذي كان يعمل في الليل وينام في النهار. وكان يصرخ في نهاد حداد (ملحق «النهار» 21 فبراير/ شباط 2015): «يا عمي اسكتوا. انقلولنا هالإذاعة من هون».

أصغى الرائد الموسيقي محمد فليفل إلى صوت الصبية نهاد حداد في المدرسة، فضمَّها إلى فرقته، وأخذ يدربها على تجويد القرآن. ثم تعرف إليها حليم الرومي، رئيس قسم الموسيقى في الإذاعة، فضمَّها إلى فرقته. وهناك تعرّفت على عازف كمان شاب يدعى عاصي الرحباني. بعد قليل سوف يتزوجان وتنتقل فيروز من الحجرة الصغيرة والمذياع العتيق والحي العتيق، حامل المعالم التركية الجميلة، لكي تعيش في سفوح الجبل.

لم تغنِّ فيروز للمدينة التي عاشت فيها صباها. غنّت للقرية والشجر والقمر والتاريخ. وظل المنزل القرميدي العتيق خاليًا ومهجورًا. لقد ذهب الجيران وغاب الرجل المسكين الذي كان يتذمّر من أنه يستيقظ على أحد أجمل أصوات الأرض. ولو أدرك يومها أن هذا صوت فيروز، وليس صوت نهاد، ابنة عامل المطبعة اللاجئ من تركيا، لكان أمضى الوقت على نافذة المطبخ المقابل.

يحكي المنزل العتيق حكاية صوت لم يعرف لبنان مثله. الصوت الذي غنّى عزه وفقره ومآسيه: بحبك يا لبنان/ يا وطني بحبك/ كيف ما كنت بحبك/ بفقرك بحبك/ بعزك بحبك! عندما ضربت الحرب لبنان وزعزعته، تدخل صوت فيروز ليذكِّر المتقاتلين بأرضهم: «القمر بيضوي عَ الناس والناس بيتقاتلوا». كانت فيروز ترفض دائمًا أن تغيِّر في برنامج حفلتها. وكل مرة كنت أطلب منها أن تضيف أغنية «بيقولو زغيَّر بلدي». دائمًا تتكرم، نهاد حداد.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات