بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
اللغة العربية في مُواجهة الواقع المُتَبدّل
  07/02/2015

اللغة العربية في مُواجهة الواقع المُتَبدّل


د. نبيه القاسم


المكون الاقتصادي يعمل على عزل العربي عن لغته فخروجه من بيته إلى مكان العمل في أيّ مكان يحتاج إلى اتقان العبرية. ورغبة صاحب المصلحة في القرية والمدينة بزبائن يهود يجعله يكتب العبرية على واجهات محلّه قبل العربية وكثيرا بدونها. ولو دخلنا إلى قرانا العربية لوجدنا اللغة العبرية هي التي تبرز، وتوجد على معظم المحلات التجارية والورش الصناعية

جاء في "إعلان دمشق" الذي صدر عن القمة العربية العشرين:
"إيلاء اللغةَ العربيةَ اهتماما ورعاية خاصة، باعتبارها وعاء للفكر والثقافة العربية، ولارتباطها بتاريخنا وثقافتنا وهويّتنا، لتكون مواكبة للتطوّر العلمي والمَعرفيّ، في عصر العولمةِ والمعلومات، ولتصبحَ أداةَ تحديث في وجه محاولات التغريب والتشويه التي تتعرّض لها ثقافتنا "(من مقالة أدونيس الحياة 10/4/2008).
وتفاوتت التعريفات فالدكتور أحمد شاميّة يقول بحماس: " العربية لساننا، هويّتنا، تاريخنا، عقيدتنا، أعتزّ بها آباؤنا وأجدادُنا، واعتصموا بأسوارها للمحافظة على كيانهم".
ويقول عمر فرّوخ مبرزا الدور المهم للغة "اللغة جامع قوميّ يشدّ بعض أفراد الأمة إلى بعض ويربط ماضيهم بحاضرهم. واللغة عامل مهم في حياة الأمة وفي توارث خصائصها واستمرار حضارتها وفي بقاء تراثها وتطوّر ثقافتها مستقلّة متميّزة من كل ما عداها".
ويؤكد الدكتور محمد النويري على أنّ اللغة العربية "اكتسبت حظّها باعتبارها لغة الدين والعلم والحضارة".
ويرى اللساني السويسري دي سوسير أنّ العلاقة بين اللغة والفكر علاقة جدليّة يستند فيها الواحد منهما على الآخر، وأنّ التفكير لا وجود له خارج حدود اللغة، وأنّ الفكر قبلها ليس إلا فوضى لا يستقيم لها نسَق ولا تتميّز فيها حدود ولا يُدرَكُ لها أصل".
وحتى لا تأخذنا الأقوال والتّعريفات، وتستغرقنا الاقتباسات، انتقل إلى مشكلتنا نحن هنا، والمواجهة الحادّة التي تُواجهها لغتُنا العربية مع الآخر الممثل في السلطة الإسرائيلية، والأهم في المواجهة الحادّة الخطرة التي تُواجهها معنا نحن العرب في هذه البلاد.
وجودنا كأفراد وجماعات منذ اللحظات الأولى لإعلان قيام دولة إسرائيل شكّل قضية مهمة بالنسبة للمؤسسة الصهيونية، ورأت فينا قنبلة موقوتة يجب التعامل معها بسرعة.
فكانت المحاولات التي هدفت أولا لترحيلنا وتركنا للبلاد بترحيلنا إلى بلاد بعيدة، وفشلت الخطة. ثم خطة تشليحنا لما نملك من أرض بمختلف القوانين المبتكرة وفي هذا نجحت إلى حدّ كبير.
والخطة الثالثة كانت في إفراغنا من حضارتنا وثقافتنا العربية وعزلنا عن أمّتنا، وذلك بالعمل على إكسابنا اللغة العبرية بدلا من العربية بتعليمنا العبرية ابتداء من الصف الأول، والتركيز على أهمية اللغة العبرية والحضارة العبرية، وبالمقابل ابخاس العربية حقّها وتجاهل الحضارة العربية والتاريخ العربي، وهذا يبرز في المحاولات المستمرة لتأكيد المسؤولين على أنّ تراجع نجاح الطالب العربي في امتحانات البجروت والجامعات يعود إلى عدم اتقان اللغة العبرية، وأنه يجب تدريس الطالب العربي باللغة العبرية وليس العربية.
وهذا الموقف السلطوي قابلناه في الثلاثين سنة الأولى بكل حزم وقوّة وثبات، ونجحنا في خلق كوادر شبابية تعتز بلغتها وتراثها وحضارتها وترفض العَبرَنة، لكن ما حدث في الثلاثين سنة الأخيرة يُثير التساؤلات والقلق.
ما يجب أن نكون واعين له، وما يؤكّده العديد من المفكّرين، أنّ كل لغة ترتبط في تطوّرها وانفتاحها واستمراريتها بمكوّنات ثلاثة مهمة: المكون الديني، والمكون الاقتصادي، والمكون الاجتماعي.
ولغتنا من حيث المكون الديني هي لغة القرآن الكريم، وهو حاميها وسَنَدُها والحافظُ لوجودها. لكنّ المشكلة في المكونَيْن الاقتصادي والاجتماعي.
• فالمكون الاجتماعي لمجتمعنا العربي في البلاد ظل حتى السبعينات من القرن الماضي منغلقا على نفسه، ولا يُسمَح له بالتّواصل والانطلاق، فظلّ متماسكا محافظا على وجوده، مُعتزا بلغته وحضارته وتراثه، ويحلم باليوم الذي يلتقي فيه بعالمه العربي الواسع.
لكن هذا المجتمع انطلق وانفتح، وحتى تعرّى، أمام المجتمع اليهودي الغربي في ثقافته وفكره. ووجد الفرد العربي نفسَه ضعيفا قاصرا أمامَ هذا العالم الواسع المبهر. فسعى لتقليده وحتى الاندماج فيه. وكانت اللغة العائق الأول، وسرعان ما تخطّاها بإتقان العبرية وتداولها، ومع المدة أصبحت لغتَه اليومية طوال ساعات العمل أو الوجود في المدينة. وكذلك طالب الجامعة والكلية، فالعبرية هي لغته في أماكن التعليم، وفي المصادر التي يقرأها، ومع الناس الذين يتحدث معهم. وشكلت الجزْءَ الأكبر من ساعات النطق والتكلم.
وانحصر تداول العربية في ساعات قليلة يكون فيها العامل أو الموظف أو الطالب مع أفراد أسرته. وحتى في هذه الساعات القليلة يتحدث اللغة العامية. وساعات الليل أو ما بعد الظهر التي كانت توفّرُ له امكانيةَ القراءة للصحيفة أو الكتاب، أشغلها التلفزيون بمسلسلاته المختلفة باللغة العامية، وبنشرات الأخبار والبرامج التي لا تحترم المحافظة على أصول اللغة كما يجب.
ومع المدة أصبح هذا الإنسان (الموظف، العامل، الطالب) يجد نفسَه أقرب إلى اللغة العبرية من العربية، ولا يرى في لغته العربية إلا رمز اعتزاز لماض.
الأخطر من ذلك أنّ الخرّيج الجامعي في مختلف التخصّصات، أصبحت لغته التي يتعامل بها هي العبرية، وتفكيرُه اللغوي ينطلق من العبرية، وإذا تكلّمَ العربية يترجم من العبرية. ومع المدة نسي كتابةَ الحرف العربي ولا يتقنه، وحتى الكثير من معلمات الصفوف الابتدائية لا يُتقنّ كتابة الحرف العربي، ولهذا نجد الأخطاء الكتابية، عَداك عن النحْوية.
• المكون الاقتصادي: وهو المكون الذي يعمل على عزل العربي عن لغته: فخروج العربي من بيته إلى مكان العمل في أيّ مكان يحتاج إلى اتقان العبرية. ورغبة صاحب المصلحة في القرية والمدينة بزبائن يهود يجعله يكتب العبرية على واجهات محلّه قبل العربية وكثيرا بدونها. ولو دخلنا إلى قرانا العربية لوجدنا اللغة العبرية هي التي تبرز، وتوجد على معظم المحلات التجارية والورش الصناعية. وللأسف حتى في جنين ونابلس وطولكرم وقلقيلية أصبحت العبرية لغة مقبولة ومتداولة لكسب الزبون اليهودي، وحتى العربي من إسرائيل.
ولهذا تراجعت العربية لتكون عبئا على أهلها، والكثيرون يسألون لماذا تعلِّمون القواعد وما الحاجة للبلاغة، وما قيمة علم العروض، وحتى الكتابة ماذا يحدث لو كتبنا الألف الممدودة بدلا من المقصورة وما شابه. ولماذا عليّ أن أتقن الإملاء والكلام مفهوم، المهم المعنى والمضمون.
وفي المدارس يواجه معلم العربية وضعا صعبا فوحده يحمل العبء.
مدرس التاريخ والجغرافيا والمدنيات وغيرها لا تهمّه لغةُ الطالب، والتقييم فقط للمضمون.
ومعظم المواضيع العلمية في المرحلة الثانوية تُدرّس بالعبرية.
وحتى اللغة العربية انخسفت لثلاث وحدات. صحيح أنّ هناك أربع وحدات، ولكن معظم الطلاب يتقدّمون لثلاث وحدات. أي أنّ الطالبَ العربي يدرس خلال مرحلة التعليم الثانوي ثلاث حصص لغة عربية في الأسبوع وفي أحسن الأحوال أربع حصص. بينما الطالب اليهودي يدرس سبعَ حصص وثماني حصص أسبوعيا.
القواعد في المدارس الثانوية فقدت قيمتَها ولا يُتقنها إلا مَن وهبه الله المَلَكةَ اللغوية.
مصيبة كبيرة تواجه لغتَنا من الذين يُفترَض أن يكونوا حماتها، وهم أصحاب القلم من كتّاب وشعراء وصحفيين وما شابه. ولكن الذي نشهده أنّ وسائل التواصل من إيميل وفيس بوك وتويتر وغيرها نزَعَت الحياءَ عن الجميع، ففي زمننا الجميل كنّا لا نجسر على نشر كلمة إلا بعد تأكّدنا من صحتها اللغوية وإجازتنا من أستاذ مُتمرّس. فنبدأ طريقَنا في النشر من جريدة اليوم إلى المرصاد إلى حقيقة الأمر ومن ثم إلى الاتحاد بتهيّب وخوف. والحلم كان أن يجد الواحدُ اسمَه في مجلة الجديد، فينال الإجازة ويُقبل به في صف الكتّاب.
واليوم، الكثير من الذين يكتبون من الأجيال الشابّة لا يُتقنون اللغة ولا يعرفون العروض ويفتقرون لكل ما يحتاجه المبدع، ونجد أسماءهم تتلألأ على صفحات المواقع والفيس بوك. والتعليقات الحميمية المشجعة المبهورة بإبداعهم وعطائهم تصل من كل عواصم العرب، خاصة إذا كانت الكاتبة شابّة وهبها الله قسطا من الجمال.
وإذا ما اعترضنا وقدّم أحدُنا ملاحظة، تنظر إليه تلك المبدعة في المواقع شزرا ولسانُ حالها يقول: مَنْ أنتَ حتى تُقيّم إبداعي؟، وقد نلتُ الاعترافَ من عشرات ومئات القراء في العالم العربي!
وحتى في الندوات والمهرجانات الأدبية والثقافية الموسمية وغيرها نجد اسمَ فلان أو فلانة ونستمع إليه أو إليها، ونتحمّل الأخطاء التي لا تُحتمَل ونصفّق ونكظم غيظنا لأنفسنا.
لغتنا نحن مَن يحميها ويرعاها، ونحن مَن يهملها ويتركها ويزدريها...

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات