بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
الرواية التي خلدهاالأدب وألهمت السينما: (زوربا) شخصية حقيقية!
  03/02/2015

الرواية التي خلدهاالأدب وألهمت السينما: (زوربا) شخصية حقيقية!


أثينا: عبد الستار بركات


أصبحت موسيقى ورقصة زوربا فلكلورا يونانيا مميزا، ومن أهم العلامات الفنية للرقص والغناء اليوناني. وتعتمد الرقصة على موسيقى زوربا التي أبدعها المؤلف الموسيقى اليوناني العالمي ميكيس ثيوذوراكيس لكي تكون الموسيقى المستخدمة في فيلم «زوربا اليوناني» عام 1960، والمبنى على الرواية التي تحمل اسمه التي كتبها نيكوس كازانتزاكيس، وهو من أبرز الأدباء اليونانيين في تاريخنا المعاصر، بل هو من أبرز الأدباء العالميين؛ حيث يعتبر شاعرا ذا إلهام ملحمي وروح شمولية، إضافة إلى كونه روائيا متميزا جدا وصاحب دراسات فلسفية مهمة.

وتعد رواية زوربا اليوناني من أشهر أعمال كازانتزاكيس على الإطلاق واسم هذه الرواية في الأصل «حياة أليكسس زورباس» وموضوعها في غاية البساطة؛ إذ تدور الأحداث عن شاب من أبناء المدينة وضع نصب عينيه أن يستكشف منجما للمعادن برفقة شخص يوناني التقاه صدفة ويدعى أليكسس زورباس. والرواية هي حكاية اللقاء والمساعي والمغامرات التي قام بها زوربا وصديقه ابن المدينة. وقد ترجمت روايته «زوربا» إلى عدد كبير من اللغات ووزعت بملايين النسخ، إضافة إلى أنها تحولت إلى فيلم سينمائي ناجح من إخراج اليوناني مايكل كاكويانيس وبطولة أنتوني كوين الذي مثل دور زوربا.
بعد نجاح الفيلم لاقت موسيقى زوربا شعبية هائلة في اليونان، وسرعان ما أصبحت أحد معالم الموسيقى اليونانية وقد استخدمت في عدة مسلسلات وأفلام أجنبية بعضها غير يوناني. ولعل كان أهمها استخدام الموسيقى في إحدى حلقات المسلسل الأميركي «prison break». تؤدى الرقصة بوجود الراقصين في صف واحد بينهم مسافات معينة تحدد بمد كل راقص ذراعه ووضعها على كتف الراقص المجاور له، أما حركة الأرجل فتكون تبادلية بحيث تتحرك الأرجل لتوضع القدم اليسرى أمام اليمنى مع التبادل؛ أي أن توضع بعدها الرجل اليمنى أمام اليسرى، وفي أثناء ذلك يتحرك الصف بأكمله إلى اليسار واليمين وبسرعات مختلفة على حسب الإيقاع الخاص بموسيقى زوربا، وقد يترك أحد الراقصين أو بعضهم الصف ليؤدى عددا من الحركات الاستعراضية الراقصة خارجه قبل أن يعود للصف مرة أخرى.

ويعشق كثير من الناس موسيقى وفن زوربا، وتدور أحداثها عن قصة رجل مثقف، اسمه فاسيلي، غارق في الكتب يلتقي مصادفة برجل، أمي مدرسته الوحيدة هي الحياة وتجاربه فيها، سرعان ما تنشأ صداقة بين الرجلين، ويتعلم فيها المثقف فاسيلي الذي ورث مالا من أبيه، كثيرا من زوربا عن الحياة وعن حبها وفن عيشها.
وجدير بالذكر أن زوربا هي شخصية حقيقية قابلها كازانتزاكيس في إحدى أسفاره، وقد أعجب به إعجابا شديدا، فكتب رواية باسمه. اللافت في رواية «زوربا»، هو قدرة نيكوس كازانتزاكيس على وصف شخصية زوربا بشكل مطول ومفصل وعميق، حتى إنك تشعر لوهلة أن زوربا هو الشخص الأعظم في هذا الكون، والمميز في زوربا هو أنه يحب الحياة بكل أشكالها، لا يذكر الحزن، بل يذكر الفرح دائما في لحظات حزنه الشديد، أو سعادته الشديدة، يرقص رقصته المشهورة (رقصة زوربا)، وفي تلك الرقصة يقفز إلى الأعلى لأمتار ويستغل كل ما هو حوله من بشر أو من أدوات وجمادات.

يروي شخصية زوربا شخص لقبه «الرئيس»، وهو شخص يوناني يرغب في استثمار أمواله في مشروع ما، فيقنعه زوربا بأنه يستطيع استثمار أمواله في منجم للفحم، ولكن محاولات زوربا لصناعة مصعد ينقل الفحم من مكان لمكان، تبوء بالفشل، ولكن زوربا المفعم بالحياة لا ييأس، ويحتاج زوربا لأدوات من المدينة، فيأخذ كل أموال «الرئيس» ويذهب إلى المدينة، فيشعر بالتعب، ويدخل إحدى الحانات، فتقترب منه «غانية» فيرفضها، فتشعره بانتقاص الرجولة، ولكن زوربا المفعم بالرجولة لا يقبل هذا التصرف، ويصرف كل أمواله عليها، ويكتب رسالة إلى «الرئيس» أنه «دافع عن كل الرجولة في العالم».
كما قام زوربا خلال الرواية برحلة يكتشف فيها ذاته ويتحرر من الأوهام ويتعلم كيف يعيش على يدي ذلك العامل البسيط، ويجري ذلك بالحوار والشجار بينهما، وسلسلة من المشكلات مع القرويين والأعيان والرهبان، في تلك الجزيرة.

وتبدأ حبكة صور الرواية في مقهى في مرفأ بيرايوس غرب أثينا، حيث كان ينتظر فاسيلي السفينة المبحرة إلى كريت جنوب اليونان، ويشعر أن هناك من يراقبه، فيتلفت حوله ويرى رجلا عند باب المقهى يحدق به، يسير الرجل إليه ويقدم نفسه باسم أليكسس زوربا، ويقول إنه خبير في أعمال المناجم ويريد عملا، فيعجب فاسيلي بشخصيته ويأخذه معه إلى جزيرة كريت.
وتعتمد زوربا على عمق الرؤية، فهي ليست تقديرا أدبيا فقط، بل هي علم، علم أساسه كيفية انتخاب عناصر بعينها من الواقع المحيط بنا، بحيث تكشف عما يبرر سلوكنا، وعما تحدده النظم السياسة والاجتماعية التي نجد أنفسنا سجناء أطرها، والتي نسعى – بما نملكه من قدرة على تكبير تفاصيل الواقع - إلى «تجاوز» أوضاعنا الحالية كي نفتح للحياة من حولنا آفاقا جديدة.

•المصدر: صحيفة (الشرق الأوسط)

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات