بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
عن مركب واحد يجمع الجسد والنفس وتقلّباتهما
  25/01/2015

عن مركب واحد يجمع الجسد والنفس وتقلّباتهما


 أحمد مغربي / الحياة


ثمة قصة ذائعة تروى عن الطبيب والفيلسوف العربي الشهير ابن سينا، إذ استشاره تاجر بصدد حال ابنه الذي اعتل فجأة، بعد أن كان ممتلئاً بصحة الشباب وعافيته. وروى الأب للشيخ الرئيس، وهو لقب ابن سينا، أنه استشار جمعاً من الأطباء المعروفين الذين فحصوا ابنه بعناية ودقة، لكنهم فشلوا في معرفة سبب نحوله وعزوفه عن الطعام وهبوط همته وفقدانه قوته وشكايته من آلام مبرحة في أنحاء جسده.
ثم ذهب الشيخ الرئيس إلى منزل التاجر وعاين الشاب. ولم يجد في جسده علامة على مرض معروف، فأمسك بمعصمه وشرع يراقب نبضه. وطلب من الأب أن يحدّثه عن المناطق المحيطة بالحي الذي يقطنه. وأجابه الأب. عندما وصل الأمر إلى اسم إحدى المناطق، تسارع نبض الشاب. وطلب ابن سينا من التاجر أن يذكر له أحياء تلك المنطقة. وأجيب طلبه. وما أن ذكر اسم أحد الأحياء حتى عاد نبض المريض الى التسارع.
وسأل الطبيب الأب عن عائلات ذلك الحي. فعدّدها له. ومرّة أخرى، زادت سرعة نبض الشاب عند ذكر عائلة بعينها. وطلب ابن سينا أن تذكَر له أسماء بنات تلك العائلة. وعندما ورد اسم إحداهن، تسارع نبض المريض بقوة. وعندها، أبلغ إبن سينا الأب أن ابنه مصاب بحال عاطفي، وأنه يحب تلك الفتاة التي استجاب لاسمها بالسرعة في دقّات قلبه. ونصحه أن يزوجه إياها.

ملاعب لتشابك مذهل
تشهد تلك القصة لابن سينا بالذكاء وحسن التصرّف والتمكّن من علوم الطب، إذ لم يفصل حال الجسد عن الوضع النفسي للمريض. ولم يتردّد في تعليل عوارض جسديّة محضة، مثل الآلام والنحول وفتور الهمّة، بردّها الى الحال النفسيّة للمريض. والأرجح أنها تصلح نموذجاً للظاهرة التي يشير إليها الطب النفسي حاضراً بمصطلح «الجَسْدَنَة» Somatization. ويدل المصطلح إلى حدوث أمراض جسديّة وشكايات جسمانيّة، من دون وجود اضطرابات في الجسم تكفي لتفسير تلك الحال.
ووفق تقارير منشورة على الموقع الشبكي لـ «الجمعية الأميركية لتقدّم العلوم»، لا يشكو ما يزيد عن ثلثي المترددين على العيادات العامة في العالم الثالث، من اختلالات في الجسد، بل يعانون ضغوطاً نفسية تعبّر عن نفسها بواسطة أعراض جسمانيّة. وتشمل قائمة تلك الأعراض الصداع وآلام الظهر والعضلات، والدوار («الدوخة»)، وأوجاع البطن والتقيؤ، والإحساس بالاختناق وضيق النفس، وفقدان الوزن أو زيادته والإغماء المفاجئ وغيرها.
وتملك ظاهرة «الجسدَنَة» تفسيرات نفسيّة متنوّعة. ومن اللافت أن بداية ظهور «مدرسة التحليل النفسي» Psycho Analysis في مطلع القرن الماضي، تتّصل بذلك النوع من الأمراض.
ففي بداية مسيرته المهنية، دُعي سيغموند فرويد لعلاج حالات لفتيات عانين مشاكل جسديّة وعصبيّة، لكن الفحوص الطبية المُدقّقة لم تعثر على اضطراب في أجسادهن، بما في ذلك الجهاز العصبي الذي كان سليماً لديهن. وراقب فرويد أحوالهن بانتباه. وتوصّل إلى أنهن يعانين من مشاكل عاطفيّة وجنسيّة، تظهر على هيئة اعتلالات في الجسد. وعالجهن فرويد على ذلك الأساس، فشفين.
ويرى بعض الخبراء من مؤيّدي مدرسة التحليل النفسي، أن الاضطراب العاطفي ربما ولّد حالاً من الانفصال بين الجسد والنفس. وعندها، يغدو الفرد «متفرّجاً» على ما يحصل في جسده. وتتحوّل انشغالاته النفسيّة إلى أعراض حسيّة، ما يعني أنه يقف عند المستوى «السطحي» للواقع. وينتصب جدار قوي يفصله عن حاله العاطفي والنفسي.
وغنيّ عن القول إن تلك الحال تتكاثر في الثقافات التي تعزّز «الانفصال» بين الجسد والنفس، مثل الثقافة العربية التي تكاد تنكر راهناً المعطى النفسي، مقابل تفسيره بأشياء مثل تلبّس الجن للإنسان. وللأسف، انغمس كثير من المثقفين الأكثر حداثيّة في تلك التفسيرات التي تبعد الإنسان عن الانتباه لحاله نفسيّاً. ومن الواضح أن أفلاماً مثل «الإنس والجن» و»بئر الحرمان» زادت في التباس صورة المرض النفسي، وساهمت في الترويج لتفسيرات غيبيّة عن تلك النفس وأحوالها وأمراضها وتأثيرها في الجسد

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات