بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
"العرب الراقصون": التعايش، هل يعني الذوبان؟
  16/12/2014

"العرب الراقصون": التعايش، هل يعني الذوبان؟


الحياة- مصطفى عاطف قبلاوي



لماذا لم يرفع حازم شريف علم سوريا فور إعلان فوزه؟"لما شفتك" للمخرجة آن ماري جاسر، في رام الله"إيدا" يكتسح جوائز الفيلم الأوروبيسرقة نسخة من سيناريو فيلم جيمس بوند الجديد 79 1 0 يحقق فيلم "العرب الراقصون" من إخراج الإسرائيلي "عيران ريكليس" المعروف بأفلامه "الفلسطينية" المثيرة للجدل نجاحًا كبيرًا عند انطلاق عروضه في دور السينما في البلاد. ونقصد بالفلسطينية تلك الأفلام التي تتناول العلاقة بين الفلسطينيين داخل إسرائيل، -الذين يحملون الجنسيّة الإسرائيلية- وبين اليهود الإسرائيليين.
"العرب الراقصون" هو إنتاج سينمائي إسرائيلي ألماني فرنسي مشترك ويعبر عن "الواقع اليومي" لأبناء المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل، وهو من بطولة كل من توفيق برهوم وعلي سليمان وخليفة ناطور.أحداث القصّة
ويدور الفيلم حول قصة "إياد" الذي يجسد دوره توفيق برهوم وهو شاب عربي من بلدة الطيرة شمال البلاد، وهذا الصبي الذي يتمتع بذكاء شديد يرسله والداه إلى مدرسة يهودية خاصة بأبناء الصفوة في المجتمع، حيث يواجه مشاكل هائلة تتعلق باللغة والثقافة والهوية.
ويتابع الفيلم رحلة الصبي الفلسطيني من الجهل إلى المعرفة، ومن البلدة إلى المدينة الكبيرة، ومن المحيط الفلسطيني إلى الأغلبية اليهودية، ومن العربية إلى العبرية، ومن الارتباط بالعائلة، إلى الاندماج في عائلة أخرى، بل والتخلي عن هويته الأصلية، لكي يتمكن من مواصلة النجاح في "المجتمع الإسرائيلي."

ويبدي إياد تفوقا كبيرا خاصة في الرياضيات، ويحصل على درجات عالية في الثانوية مما يتيح له القبول في مدرسة عليا إسرائيلية في القدس، معروفة بأنها من مدارس النخبة، لا يدخلها عادة سوى الطلاب اليهود.
ويتمحور الفيلم حول صداقته بطالبين من زملائه اليهود هما "جوناثان"، وهو من ذوي الإحتياجات الخاصة حيث يعاني من مرض في الجهاز العصبي جعله عاجزا عن الحركة ويجلس على مقعد متحرّك ، و"ناعومي" التي تجمعه معها قصة رومانسيّة لا تخلو بالطبع من تأثيرات الصراع اليومي.التطورات السياسية التي يعاصرها الفيلم ويمرّ الفيلم على عدة أحداث سياسية مفصليّة منها الانتفاضة ثم حرب العراق ويصوّر كيف يصطف الفلسطينيون فوق أسطح منازلهم يهللون كلما سقط صاروخ من صواريخ صدام، ويعبرون عن الإحباط كلما اعترض أحد صواريخ "باترويت" صاروخا عراقيا.
ولعل هذا التهليل هو ما دعا المؤلف سيد قشوع إلى أن يطلق على كتابه وعلى الفيلم عنوان العرب يرقصون ولو على سبيل السخرية.
لكن ما وصلني من عنوان الفيلم لم يلامس هذا الربط، فقد شعرت حين شاهدته أن المقصد من عنوانه أن العرب يرقصون على حبال مصلحتهم، متأرجحين بين هويتين، مثلما حصل مع "إياد" خلال أحداث الفيلم.

يعبّر مخرج العمل، في أفلامه، عن رغبته في إمكانية تحقيق التعايش بين الفلسطينيين العرب واليهود الإسرائيليين داخل إسرائيل، وفي الوقت نفسه، يصوّر نماذج للمأزق الفلسطيني- الإسرائيلي الذي يحول دون تحقيق ذلك، بسبب ما يراه من مواقف متطرفة على الجانبين.
وتم اختيار فيلم “العرب يرقصون” في وقت سابق ليكون الفيلم الافتتاحي لمهرجان القدس السينمائي الدولي.

في مشهد لا بد من الوقوف عنده، عندما يكون الطفل "إياد" يراقب والده المناضل خفية خلال اجتماعه مع أعضاء الحزب الوطني الذي ينتمي له، وفي خلفية الغرفة التي تم الاجتماع داخلها رأينا صورة ملصقة على أحد جدران الغرفة تضم صور عدد من رموز الفكر الشيوعي تتوسطهم صورة المسجد الأقصى (دون أي منطق في الربط بين فكر سياسي ورمز ديني)، وهو ما يأخذك كمتلقي للتفكير بالصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وكأنه صراعًا دينيًا، لا محالة، وهو أمر مغلوط وغير حقيقي.
هل "التعايش" يعني "الذوبان"؟هل هي صورة "مجازية" مقصود بها استهجان الأوضاع التي يعيشها الفلسطينيّون داخل إسرائيل وما يشعرون به من اغتراب؟ أم هي دعوة إلى الاندماج والذوبان والتخلي عن الهوية؟

يحرص "ريكليس" على تصوير الطرف اليهودي في صورة ليبرالية منفتحة متسامحة لطيفة، بل ومن خلال شخصيات جميلة ومحببة، لا يتعرض إياد مثلا سوى مرة واحدة فقط للتفتيش من جانب شرطي بعد أن يسمعه يقول لنعومي "أنا أحبك" بالعربية. وتبدو علاقة إياد مثالية بجوناثان وأمه (وهما من اليهود الأشكناز الأثرياء)، وتبدو نعومي مولعة بإياد، بل تستمتع أيضا بسماعه يتحدث العربية، كما يحصل على إعجاب المعلمة وزملائه الطلاب اليهود، عندما يناقش المعلمة وينبري لها بذكاء، لكي يفند القيمة الأدبية في أعمال كتاب إسرائيليين مثل آموس عوز وديفيد جروسمان.
فيكشف ببراعة إشاراتهم العنصرية في تصويرهم الشخصية الفلسطينية، وكيف يصوّرون الفلسطيني ككائن مصاب بالسعار الجنسي، وأن لديه دوافع لاغتصاب الفتيات اليهوديات، إلخ..

يهتم "ريكليس" أيضا بوضع الكثير من العلامات والإشارات التي تبرز عنصرية اليمين الإسرائيلي، في الشوارع، وعلى الجدران، ويصوّر مجموعة من أنصار الحاخام العنصري "مائير كاهانا" يهتفون ضدّ العرب. لكنه يصور أيضا - من خلال ما نراه على شاشة التليفزيون- بعض عمليات التفجير الانتحارية التي يردّها إلى "حماس".
إياد الذي ينتقل من بيئة إلى أخرى مختلفة تماما، يتحدث بالعبرية، ويستمع إلى الأغاني العبرية، ويقرأ بالعبرية، ويعايش اليهود ويصادقهم ويجد منهم العطف والتبني، يفقد بالتالي هويته تدريجيا، ويستسلم في النهاية إلى الطرف الآخر، الأقوى.
في أحد المشاهد الجيدة التي تستخدم فيها الكاميرا المتحركة في المكان على طريقة الأفلام الوثائقية، نرى إياد يدفع المقعد المتحرك الذي يجلس عليه يوناثان، في أزقة القدس وشوارعها الضيقة، لكي يخرجه من حالة العزلة والاكتئاب ويساعده على استنشاق الهواء النقي ورؤية البشر، بل ولا ينسى إياد صديقه حتى بعد وفاته، فهو يخوض الامتحان النهائي نيابة عن يوناثان وعن نفسه كذلك، فيحصل على نفس درجات التفوق له ولصديقه.
ولكن ستظل المشكلة الأساسية تتركز في الفكرة التي ترى أن الذوبان التام في "الآخر"، قد تكون كفيلة بتحقيق التعايش في شكله المثالي، فهل المطلوب من فلسطينيي الداخل التخلي عن هويتهم؟مشهد "الدفن"

في مشهد لافت، عند وفاة "جوناثان" وبعد أن يكون إيّاد قد تخلّى تمامًا عن "فلسطينيّته"، حيث بدّل اسمه في الدوائر الرسميّة باسم صديقه المتوفى، يدفن "إياد" نفسه واسمه مع "جوناثان" لترصد عدسة الكاميرا الثابتة جثّة "جوناثان" داخل قبره لمدة كافية تمنحك، كمشاهد، شعورًا بأن إياد هو من تم دفنه وأن من كان يشيّعه لم يكن سوى "جوناثان" آخر يشبه إياد العربي الذي تعاطفت معه من بداية الفيلم. لا مكان للمفاجأة هنا، فالفيلم كسب رضى "الرقابة" الإسرائيليّة، لأسباب ستبدأ باكتشافها بعد مرور ساعة تقريبًا على انطلاق عرض الفيلم، فالقصة بأحداثها تجعلك تتعاطف بشدة مع ما يحمله إياد من ترسبات صراع الهويّة الوطنيّة الذي يعيشه الكثيرون من أبناء المجتمع الفلسطيني في الداخل، لكنه سرعان ما يترك هذا الشق وبشكل تدريجي ليجعلك تراقب إياد يخلع عباءة "فلسطينيّتة" وهو ابن العائلة الوطنيّة المسيّسة، ليرتدي ثوبًا برّاقًا أكثر يخلو من الصور النمطيّة التي قد تعيق تقدّمه في حياته في البلاد. "إياد" دفن انتماءه قبيل انتهاء الفيلم بدقائق لكن الرؤية الإخراجيّة والسيناريو ربّما، قررا "دفن" معاناة عائلته العربية التي تلّقت نبأ أن ابنها صار يحمل إسمًا يهوديًا، منذ منتصف أحداثه.

فلم يسلط الضوء على العائلة العربية وكيفيّة تعاملها مع التغيير الذي حدث مع ابنها بتاتًا حيث لم يصوّر لنا الفيلم ما تمر به العائلة بغياب ولدها المدلل الذي كانت تبني على مستقبله آمالاً كبيرة نظرًا لتميزه، حتى أن عدد المشاهد التي سلطّت الضوء على العائلة العربية كانت أقل، وبشكل واضح، من تلك التي تعكس التغييرات التي يعيشها الطرف الآخر للصراع. بيد أننا شاهدنا والدة "جوناثان" تبكيه بمرارة عندما شعرت بالشوق لحركته المعتادة، عندما تطورت مراحل مرضه وفقد القدرة على الكلام والحركة. ألم يكن لصدمة العائلة العربية أمام هذا التغيير الجذري مكانًا في أحداث القصة؟ قطعًا لم أفكّر أن فيلمًا إسرائيليًا يناقش الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي سيكون متوازنًا بحق أطرافه، لكنني أيضًا فوجئت من جرعات الإستفزاز التي تلقيها الصورة في وجهك بينما تتابعه بعد أن تكون قد بنيت أملك، خلال متابعة نصفه الأول تقريبًا، أنه فيلم يستحق المشاهدة والنقاش

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات