بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
سميح شقير يرثي حال عالم يطلق على نفسه النار
  07/12/2014

 

سميح شقير يرثي حال عالم يطلق على نفسه النار

 

رحلة الفنان السوري في عالم الموسيقى لم تكن سهلة أبدا، بل إنها أشبه بمغامرة خطرة لأن الطريق الفني الذي اختاره كانت على تضادّ مع الواقع الذي عاش فيه.
العربروز جبران

درس الفن في أوكرانيا وتزوج أوكرانية ولديه ابنتان، سميح شقير فنان سوري ملتزم، مغنّ، مؤلف موسيقي وشاعر من مواليد بلدة القريا في جبل العرب. بدأ بتقديم أغانيه على المسارح عام 1982، وفي العام الذي يليه (أي 1983) أصدر مجموعته الغنائية الأولى “لمن أغني”، كما أقام في نفس السنة العديد من الحفلات الغنائية في سوريا ولبنان. ليصدر عام 1984 مجموعته الغنائية الثانية “بيدي القيثارة”.
أحيا في لندن وبرايتون ومانشيستر أمسيات موسيقية بدعوة من مجلس بلدية لندن، ضمن فعاليات فنية مناهضة للعنصرية عام 1984. أصدر مجموعته الغنائية الثالثة “حناجركم” عام 1985، ثم كانت مجموعته الغنائية الرابعة “وقع خطانا” عام 1987. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الفنان سميح شقير.
أفضل ما يقدم سميح شقير هو أغانيه التي وضع فيها أفكاره وأحاسيسه وأحلامه أيضا، حيث يقول معرفا نفسه: “أغنيتي تشبهني، أما في الجانب الشخصي، فأنا مهتم بكل الفنون والأدب والسينما وبطبعي اجتماعي، أحب الناس وأشعر أن من متع الحياة مجالسة صديق، ومهتم أيضا بالجانب السياسي، لأنه مفتاح لمعرفة وتحليل ما يجري من حولي”.
وعن الأجيال الشابة، لا سيما الذين تفتّح شبابهم في السنوات الأربع الأخيرة، سنوات الأمل والوجع السوري، وعن كيفية إخبارهم بسيرته الفنية، يقول: “أظن أن لا فائدة من إخبارهم بشيء في حال أن أغنياتي وأشعاري لم تصلهم، ولكني أعتقد أن الفرصة كبيرة للتواصل معهم لأني ما زلت أقدم الأغنيات الجديدة، والتي تواكب وترسم ملامح الزمن الذي نعيشه سويّة، وحتى بالشكل الموسيقي الذي أطوّره باستمرار، فالفرصة متاحة للتلاقي مع أبناء هذا الجيل”.
مواجهة مزدوجة
رحلته الموسيقية لم تكن سهلة أبدا، بل إنها أشبه بمغامرة خطرة لأن الطريق الفني الذي اختاره، وأيضا قناعاته التي دافع عنها كانت على تضاد مع الواقع الذي عاش فيه، لذا كانت رحلة في نهر جارف، ولكن عكس التيار.
عن هذا يقول: “الخلاف مع العائلة جعلني خارج المنزل مبكرا، وخياراتي الفكرية وهاجس التغيير المجتمعي والسياسي العميق، قاداني لمواجهة مزدوجة (مظاهر التخلف الاجتماعي) من جهة و(السلطة الديكتاتورية) من جهة ثانية، كل هذا في ظروف اقتصادية بالغة الرداءة، لكن أيضا بروح من التحدي أكبر من أن يكسرها أي شيء”.
مسترسلا: “أما مواجهة الأغنية السائدة بنموذج جديد مبتكر، ويقترب من انشغالات الناس وهواجسها، فقد كانت نتائجه باهرة بالرغم من الإقصاء أو التعتيم الإعلامي، واعتمدت بديلا عن تلك الحفلات المباشرة، وما يمكن تسميته بـ(إعلام الظل)، وهو تناقل المعلومة بين الناس المهتمين بفن مختلف، وقيم جديدة لا تعبر عنها وسائل الإعلام السائدة”.
وعن ترشيح نفسه للبرلمان السوري مرة، والهدف من وراء ذلك، إن كان نوعا من الاستسلام للعبة، وما الذي دعاه لخوض غمار تلك التجربة؟ يجيب قائلا: “على العكس تماما، خضتها من أجل كشف اللعبة وتحت قبة البرلمان، ومن أجل خطوة على طريق استرداد الدور الحقيقي للبرلمان من حيث وجوب أن يكون صوتا للناس”.
يعترف شقير بأن ما فعله يومها كان سلوكا أقرب للانتحار، حيث كان يريد المواجهة مع الاستبداد والفساد بعد أن فاض به الكيل، وشعوره بأن الشعب يحتاج لما هو أكثر بكثير من الأغاني، إلاّ أنه حدث ما كان متوقعا في انتخابات، كان يعرف أنه سيتم تزويرها ولم يفز، فيما بعد كان رأيه بأن قرار مشاركته بالانتخابات كان انفعاليا وغير صائب.
قبل مغادرته سوريا في 2009، كتب شقير رسالة طويلة، نشرت في إحدى الصحف السورية، كانت بمثابة (خطبة الوداع)، عنها يقول: “بالفعل هي كانت كذلك، رغبت من خلال هذه الرسالة أن أفضح الممارسات الإقصائية تجاهي من السلطة، ومحاولة تيئيسي بحصار مطبق على حركتي الفنية وأغنياتي، أردت للناس أن يعرفوا أنني أخرج من هنا لأسترد الطريق الذي يصلني بهم والذي منعته عني سلطة مستبدة”.
لماذا انتظرت وفاة محمود درويش حتى غنيت من قصائده، لماذا تأخرت في عمل جاء فيما بعد وحمل عنوان (قيثارتان) 2009، وكان آخر عمل لك في سوريا، قبل مغادرتك النهائية إلى باريس؟
يجيب موضحا: “للأسف سؤالك هنا مبني على معلومات خاطئة، إذ أن المتابعين يعرفون أنني ومنذ البدايات وتحديدا في 1983، غنيت لمحمود (سقط القناع) و(حين نعتاد الرحيل)، ثم بعد ذلك (بيروت خيمتنا)، وقد لاقت هذه الأغنيات في حينها الكثير من الانتشار، هذا أولا”.
أما ثانيا، فيسترسل شقير: “مجموعة (قيثارتان) والتي كانت جميع نصوصها لدرويش، كان من المأمول أن تُهدى النسخة الأولى إلى محمود درويش شخصيا، خاصة وأن الصلة الشخصية به كانت حديثة العهد، وقد صدرت المجموعة بعد وفاته بوقت قصير، لأنها كانت جاهزة تقريبا عدا أغنية (قيثارتان) والتي ألحقتها بالمجموعة بعد رحيله. وللعلم فإن (قيثارتان)، هي المجموعة الغنائية الأولى -على ما أعرف- التي صدرت جميعها من أشعار درويش”.
وعن منفاه الاختياري، وكيف وجد ذلك المنفى، مقارنة مع ذلك الوطن يقول: “فرنسا بلد جميل ويحترم الإنسان ويعطيه حرية التعبير، والجاليات العربية والسوريون خاصة عددهم كبير، مما يخلق فضاء حميميا يخفف من قسوة الابتعاد عن مهد الذاكرة والأماكن والأهل والأصدقاء، وحيث روحي معلقة هناك في سوريا”.
ثورة حقيقية
عن بداية الثورة سأقول للشباب السوري اسمعوا (يا حيف)، وستعرفون ماذا حصل في سوريا. هذه رسالة شقير إلى جيل لم يعش بداية الثورة، جيل سيأتي لاحقا، ويقرأ هذه الكلمات.
وعن رأيه بالأوضاع الآن، حال الثورة على الأرض، حال الإرهاب، حال المعارضة، حال ما يسمى بالحرب على الإرهاب التي يشنها ما يسمى (قوات التحالف) يقول: “قلت مرارا إنها ثورة حقيقية وعظيمة، وهي التي قدمت التضحيات بسخاء غير مسبوق في الأشهر الأولى لها، حينما كانت سلمية الطابع، وقد استطاعت أن توصل رسائلها تحت الرصاص، لمن يريد أن يسمع بأن هذا الشعب قد انتفض طالبا الحرية والكرامة الإنسانية التي حرمه منها هذا النظام المستبد طويلا”.
فيما بعد ومع أن النظام ببطشه يتحمل المسؤولية الأولى في دفع الثوار إلى التسلح، إلاّ أن دخول المال السياسي الخارجي والتحكم بالمظهر الديني للكتائب المتشكلة، وبأهداف معلنة لعدد كبير منها يناقض أهداف الثورة، وأيضا تحكّم هذا المال بالأجسام السياسية المعارضة التي تشكلت تحت سيطرة هذا المال، كل هذا ساهم بإنجاح مخطط النظام بجعل مسار الثورة ينحرف عن كونه ثورة شعب على نظام مستبد، ليبدو حربا طائفية تطيل من عمر النظام، بحسب قول شقير.
يسترسل فناننا: “كل هذا يناسب تطلعات المال الخارجي الذي لا يأبه أساسا للحريات، وإنما يشغله الصراع السني الشيعي وحرب النفوذ مع إيران على الأرض السورية، وفي غمرة هذه الحرب ستظهر قوى التشدد والتطرف والتكفير الدينية متوزعة في عدة تنظيمات، تبدي بعض الفوارق في سلوكها، ولكن يجمعها الفكر القاعدي وما بعد القاعدي أي الداعشي، إذا صح التعبير، حيث تشترك في أهداف ليست ذات صبغة وطنية، بل إسلاماوية تتخطى الوطن وتبحث عن سبل تحقيق الخلافة”.
ولكن المتابع القريب والبعيد سيقف حائرا من كيفية توالد هذه التنظيمات وانتشارها السريع، وستتزاحم الشكوك والمعلومات عن تورط النظام، إضافة لعدد من الأنظمة الإقليمية، بل والاستخبارات العالمية في تمهيد الطريق لهذه التنظيمات لتتحول إلى وحش مفترس، ربما كي يصبح النظام بالنسبة إلى البعض مقبولا قياسا إلى هذه التنظيمات، بحسب وجهة نظر سميح شقير.شقير واجه الاستبداد وفي يده قيثارة
ويرى شقير أن هذه الأنظمة الإقليمية ستُوجد المبرر للتدخل الدولي الذي كان يرى تنامي هذه القوى، ومتقصدا التأخر بالتدخل غير الفعال أو الحاسم، تاركا لإسرائيل أن تكون المستفيد الأكبر من هذا الحطام، ولكن ليس الوحيد، إذ أن كل ما يجري كان مجرد خلفية للمشهد، والذي جوهره البحث عن تسوية مع إيران وملفها النووي ومحورها واتفاقات النفوذ، كل هذا كان يجري وسط فشل ذريع للأجسام السياسية المعارضة أو المستعرضة أو البين بين!
هل مازالت الثورة مستمرة، هل انتهت، هل انتصر السيف على الدم؟ يجيب: “معظم ثورات العالم تعرضت لشيء مشابه، فالثورات التي تطرح قيما جديدة ستتألّب عليها القوى المضادة للتغيير، والتي تمتلك القدرات والنفوذ، وسيبدو على الأغلب كما لو أن الثورة خبت، غير أن القيم الجديدة التي كرّستها الثورة في وجدان الشعب، لن تموت وستعاود الظهور من تحت الركام فالحرية والكرامة وتبادل السلطة وتوزيع الثروة هي سمات العالم المعاصر الذي آن الأوان للالتحاق بركبه، رغم معاندة القوى المستفيدة من بقاء البلاد مجرد مزرعة خاصة بهم، ستمر أوقات عصيبة غير أن قيم الثورة الحقيقية ستنتصر في النهاية”.
أربع دعوات
للسياسيين يقول شقير: “كونوا شفافين مع شعبكم لتستحقوا ثقته، وتذكروا بأن السياسي الذي لا تأثير له على شعبه، ليس له وزن في أروقة صناعة القرار”.
وللمعتقلين يقول: “كنت أتمنى أن يكون العالم خارج المعتقل مشغولا بكم وبالوضع الجهنمي الذي أنتم عليه.. ولكنها ليست الحقيقة، فالحقيقة هي أن العالم مشغول عنكم وليس بكم.. أرجو أنكم أحياء ما تزالون”.
أما للاجئين فيقول: “أرجوهم أن يعملوا حيث أمكنهم، وأن لا ينتظروا المساعدات ولمن ما زالوا في مدنهم وقراهم، أرجوهم أن يبحثوا فيما بينهم عن المشتركات، لأنهم حطب هذه الحرب وبقاء هذا الاستقطاب على حاله يموّل الحرب بأرواح أبنائهم”.
يكرّر قوله أو بعبارة أدق يكرّر دعوته للاجئين: “أطلبوا ممن يأخذكم إلى الحرب على الإرهاب، أن يعرِّف من هو الإرهابي حتى لا يقاتل بكم خمسين عاما قادمة، جزءا من شعبكم ذنبه أنه لم يعد يطيق الاستبداد، واطلبوا ممن يأخذكم لقتال الكفار، أن يعرّفوا لكم من هو الكافر، لأنهم يكفّرون من يشاؤون وباسم الدين يرتكبون أفظع الجرائم”.
على الجميع أن يكونوا ضد الإرهاب، يقول شقير محذرا: “لكن إياكم أن تكونوا أداة فاشية لسحق القوى المطالبة بالتغيير من السوريين المعارضين السلميين، أو أصحاب رأي يخالف السلطة التي تحكمكم أينما كانت. أطردوا الغرباء وأوقفوا القتل، تلك هي البداية التي لا بد منها كخطوة أولى باتجاه الخلاص، أما الطغاة فسيسقطهم السلم بينما تكرسهم الحرب”.
وأخيراً للشهداء سيقول: “سنشتاق إليكم وسنسمي الأماكن بأسمائكم إلى حين أن نلتحق بكم.. ليتكم تروننا وقد تحولنا جميعا إلى مشاريع شهداء”.
لا يشعر شقير بالخذلان، فحسب على شعب دمه مسفوح على جميع الجهات، بل بالرثاء لحال عالم يطلق النار على قدميه، حين يترك شعبا يباد أمام ناظريه ولا يمنع ذلك، إنّ اللاّتوازن القيمي وحسابات المصالح وميزان الجبروت والقوة، يجرف أقدام العالم نحو حرب عالمية، ربما تكون قد بدأت دون أن يعلنها أحد.
وعن رأيه بالحراك ثقافيا، والذي واكب الثورة السورية، وإن كان يشعر بالرضا حيال ذلك يقول: “الأعمال المهمة ثقافيا برزت في مطلع الثورة، وتقدمت على إيقاع الأمل بالتغيير وفرح اقتراب الخلاص، ومع ذلك لم تشكل برأيي أفقا واضحا لفضاء إبداعي جديد، خاصة أن الثقافة كانت الكائن الأكثر إهمالا من جهة مؤسسات الثورة المختلفة، وبقيت أسيرة محاولات فردية وبإمكانيات صفرية، ويبقى أهم إنجازاتها هو تأريخها الفني والثقافي ليوميات الثورة وروحها العالية والتعبير عن مأساة خذلانها من الجميع”.
وعن جديده، وكيف يقرأ مستقبل الوطن السوري يختم قائلا: “ليس من السهل التكهن بمآل المستقبل، لكنّي أثق بإرادة الشعب وتوقه للانعتاق متأملا بسقوط الطغاة والإرهاب معا، وهذا مازال محتملا، بل وممكنا.. وإذ ذاك سيستطيع النسيج الاجتماعي السوري أن يكفكف الجراح، لنعاود بناء سوريا الجديدة الحرة، أما عن الجديد.. فدائما هناك شيء منه وستسمعون زقزقة الأغنيات كلما انخفضت أصوات القنابل”.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات