بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
«الحب لايغادر البلاد» للسوري المغيرة الهويدي: حين تصدر الأوطان الموت و
  30/10/2014

 

«الحب لايغادر البلاد» للسوري المغيرة الهويدي: حين تصدر الأوطان الموت ويصبح الحب غفرانها الوحيد!


سرى علّوش


يبدو أن الطريق إلى الشام كان طويلاً جدا حتى بالنسبة إلى كلمات تخرج من أصابع الكاتب لتصل إلى الصفحة البيضاء التي كان يريد أن يجعل منها رسالة مفتوحة إلى العالم، أو ربما إلى نفسه. وبين ذاته التي يغوص فيها ليصل إلى نتيجة حاسمة في الحرب التي يخوضها معها، والوطن الذي يحبه ويهاجمه، كما لو كان جزءاً من هذه الحرب، يصبح الذاتي عاماً والعامّ ذاتياً، والعالم رجلاً غريباً يظهر معه في الصورة من دون استئذان، كما يفعل مع الجميع دائماً.
في كتابه «الحب لا يغادر البلاد» – الدار العربية للعلوم ناشرون 2014- يحكي المغيرة الهويدي عن الحب كما لو أنه شخص حقيقي يعيش بيننا، يتنفس مثلنا، يجلس على طاولاتنا، ويتقبل عتبنا بكل سرور لأنه يعرف تماماً كيف يخذلنا ويغيرنا ويطببنا وينقلب علينا ويعلمنا كيف ننقلب عليه، وربما يعيد خلقنا على طريقته البشرية أيضا. يحدثه أو يتحدث عنه بصيغة الصديق أحياناً، وأحياناً بصيغة القاتل الذي يجب ألا ينتقم منه. الحب لا يغادر وربما لا يريد أن يغادر هذه البلاد، الأرض التي تظهر في كل التفاصيل التي يتحدث عنها. هي ليست مجرد بلاد لها اسم وعنوان، ونحن لسنا مجرد أناس حدث أن وجدوا أنفسهم يحملون اسمها على جوازات سفرهم أو وجدوا أنفسهم ينامون ويستيقظون في بيوتها. تخرج الأرض من نصوص هذا الكتاب وتصبح هي أيضاَ شخصا مثلنا ربما يكون أحدنا. تجلس بيننا وتتقاسم معنا الحزن والنحيب على ما يحدث لنا ولها، وتصبح العلاقة بها أكثر من مجرد حنين نتحدث عنه أو نخرجه من داخلنا في لحظة ضعف أو فخر، ونصبح نحن أكثر من مجرد غرباء غادروها بحثا عن أنفسهم، أو أملاً في أن يجدوا لها صورة مشابهة لكنها أكثر رحمة.
الذكريات هنا هي الحبل الأقوى الذي يربط الكاتب ببلاده؛ حبل لا يهترئ ولا يمكن لأحد أن يجعله يخسر اللعبة التي يواصل ربحها من مكانه في غربته التي ألفها طالما أنه يحكم قبضته على الحبل جيداً ويعرف متى يشده أكثر ومتى يهزه ليربك خصمه «النسيان» ومتى يرخي له المسافة ليحصل على استراحة محارب. والذكريات هنا ليست صوراً قد يراها ويهملها أو حكايات يسردها على الآخرين وينساها؛ هي كل ما يمكن أن يجعل من شخص ما أكثر من مجرد رقم في قيد حكومي، هي العلاقة التي صنعها – الكاتب هنا- مع المكان والإرث والجغرافيا والأغاني والمفردات والتاريخ. هي اللهجة التي تثقب الروح واللحن الذي يجعل العودة إلى الأمس ممكنة في لحظة انتكاس وألم. وكعلاقة الكاتب الأدبية بثوب أمه تتقد العلاقة بينها – أي الأم- وبين النص لتصبح البلاد كف أمه أو جبهتها وتصبح أمه نهر الفرات الذي مازال يحلم أن يغسله من ذنوبه التي بدأها بالرحيل الأول.
يدخل الكاتب في التفاصيل اليومية للحياة ويغوص فيها طارحا أسئلة لا إجابات محددة لها. هو لا يبحث عن إجابة بقدر ما يسعى إلى إضاءة الأسئلة التي يخاف كل منا أن يطرحها أو حتى أن يفكر بها. يدخل في عمق الإنسان الذي يختفي داخلنا ويُخرج منه الهواجس الكثيرة التي تسكنه أو تخيفه؛ الموت والعمر والغياب والأصدقاء والحبيبة والعائلة، أشياء كثيرة تعيش معنا لكننا أبدا نلتفت إليها أو نفكر بها. ربما كان الوجع الذي يكبر داخله مصيدة يستخدمها ليمسك بالأفكار ويعدلها لتصبح أبوابا مفتوحة على الفرح الذي ينتظره أو يعايشه في تفاصيل حياته البسيطة.
يكتب المغيرة الهويدي من دون أن يتصنع في اللغة أو يلجأ إلى نحتها وتركيبها كي يحدث إعجازا أو يصنع ابتكارا لغويا ما. الصور الصغيرة لا تعنيه ولا يشتغل عليها ليبرز قدرته على الكتابة، هو معني بالصورة الكلية التي يرسمها، وبتحويل الكلمات العادية التي يستخدمها الجميع إلى مشهد مكتمل يصيبنا بالدهشة حين ننظر إليه ككل متوحد ويربكنا حين نغوص في تفاصيله محاولين أن نكتشف كيف أصبح العادي غير عادي بهذه البساطة، وكأن الكاتب هنا يصر بكل البراعة الممكنة أن يرينا أن العادي يمكن أن يكون أجمل إذا ما استطعنا أن نجعله جزءاً من الروح الكلية، تماماً كما جعلنا نرى كيف يمكن أن تصبح الأشياء اليومية والصغيرة في حياتنا أكثر أهمية من القضايا الكبرى والأحلام البعيدة التي نلهث وراءها ولا تلحق خطانا بها. التنوع اللغوي هنا ليس مهما إذا ما قورن بالكثافة العاطفية التي يمتلكها المغيرة هنا وبخصوصية المفردة وبيئتها المكانية والعاطفية التي يمكن ببساطة أن نكتشف أهميتها في تكوين الروح التي يمتلكها المغيرة ويكتب بها.
يشتغل الكاتب على نصه بحرفة دارس يعرف كيف يطلق العنان لموهبته، وكيف يطوعها من دون أن يلجمها فيخرج النص من بين يديه نهرا يعانق ضفافه ولا يفيض عليها. كالعديد من سابقيه يستخدم المغيرة في بعض نصوصه القصة القرآنية، لكنه لا يكتب عنها ولا يحولها إلى قصيدة ولا يستخدم شخوصها، بل يدخل فيها لتصبح حكايته أو حكاية كل غريب ساق له القدر بئرا ما ليسقط فيها، ومازال يحاول ألا يفعل. وكالحياة الشخصية، يصبح التاريخ والسياسة والأدب والموت أكثر من مجرد ثقافة يمتلكها الإنسان؛ بل يحتاجها أيضا ليستطيع أن يحمي نفسه من سطوتها وينجو.
من باب «الحرب لا تقول الحقيقة كاملة» نقرأ: «معلّق على الأسلاك الشائكة كأنّ الوطن جهة الريح منذ يومين ثمّ إذا تشبّثت بالحديد الناتئ ورحت أكتب تاريخي الشخصي بالغبار والصدى تغيّرَ اتجاه الريح وطرتُ… كأنّ الوطن هو الفراغ ثمّ إذا تخلّيت عن فكرة الأوطان الثابتة صرتُ الريح… أجرّح نفسي كلّما مررت بالأسلاك الشائكة.

شاعرة سورية
سرى علّوش

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات