بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
'خط تماس' يلامس حدود المأساة السورية
  06/08/2014

'خط تماس' يلامس حدود المأساة السورية


الفيلم يعرض المسافة الفاصلة بين القناص وبندقيته وبين الحياة والموت ويكشف بكاميرا واقعية كيف تهزأ الحرب بالعاطفة.


ميدل ايست أونلاين
ابوظبي - من رضاب نهار

العمل ولد من رحم خفايا التخوم الدمشقية


إذا ما طرحنا سؤال "هل التقيت بقناصٍ يوماً؟"، فحتماً ستأتي معظم الإجابات بـ"لا"، لكن وللأسف، فإن نسبة كبيرة من السوريين اليوم، سوف يجيبون بـ"نعم.. لقد التقينا بقناص" على الرغم من أنهم في الغالب لم يسبق لهم وأن التقوا به بشكلٍ شخصي ومباشر، لكنه أصبح جزءاً من حياتهم اليومية، يأخذ حيزاً واسعاً من تفكيرهم، تماماً مثلما ذلك الذي يأخذه الخبز.
هذا السؤال بالذات، يسأله الفيلم الوثائقي القصير "خط تماس" لكل من شاهده أو سيشاهده، حيث لا يمكن لأحدٍ عرف ما هو القناص يوماً أن ينسى شعور رؤيته، شعور المرور من مساحته التي تغطيها عينه، وقد يصبح الموقف أكثر مأساوية بحيث تجعله لا ينسى طعم رصاصته. وكم من الرصاصات اخترقت سوريين وكانت آخر ما شعروا به على هذه الأرض.
الفيلم الذي لا تتجاوز مدته الـ13 دقيقة، من إخراج سعيد البطل وغياث حد ومن إنتاج "بدايات" في العام 2014، وهي مؤسسة سورية غير ربحية، تهتم بدعم وانتاج الأفلام القصيرة والوثائقية والفنون البصرية، وتنظيم دورات تدريبية متخصصة تواكب كافة مراحل صناعة الفيلم الوثائقي. وشاركت أيضا بالإنتاج عدسة سام التي تولي الكاميرا اهتماماً كبيراً من أجل الوصول إلى الحقيقة.
وتمت الإشارة من قبل القائمين على "خط تماس" على أن الفيلم ولد على خط التماس وعلى تخوم دمشق بين منطقتي جوبر والعباسيين، بين الموت والحياة، بين البدايات والنهايات، بين الجيش الحر وجيش النظام، بين القناص وبندقيته، بين صوت فيروز وصوت الرصاص.
ويجسّد الفيلم بصوره ومشاهده المتتالية، جزءاً من حياة السوريين يجهله كثيرون، منهم من هم خارج البلد ومنهم من هم داخله ويعيشون في مناطق خارجة عن نطاق الاشتباكات. والفيلم وإن كان يحكي عن الموت الذي يأتي من عين القناص، فانه يثير لحظات الحياة قبله وبعده من خلال كاميرا ترصد ما يجري بمنتهى الواقعية، تتيح للمشاهد أن يعيش أو يموت مع الشخوص داخل الفيلم، او أن يحزن ربما.
فتحات صغيرة لا تتسع لأكثر من فوهة سلاح ما، وتسمح بالرؤية لمقاتلٍ ما، تخترق جدران منزل ما، هجره أهله، لتبدء الحرب، حرب حوّلت قلوب القناصين إلى جماد، إلى لا شيء، بشكل لا يشعرون معه بشيء لحظة الإطلاق، وفي احيان كثيرة ينفصلون من الواقع كما لو أنهم يلعبون إحدى ألعاب الكمبيوتر التي تجسد بشخصياتها وأحداثها الحروب. وهو ما نستخلصه من كلام واحد من القناصين في الفيلم "أبوعبدو"، في تركيزه على عدم توازن القوى بينه وبين الهدف بغض النظر عن كون الأخير يحمل سلاحاً أم لا، ففي النهاية هو لا يراه.
ويوضح أيضا "أبوعبدو" لنا عدم إحساسه بأنه حين يقنص أحداً، ينهي حياته ويأخذ روحه، فمشاعره تجاهه متبلدة تماماً كما لو أن المسافة التي تفصل بين القانص والمقنوص، مسافة من جليد. هكذا هي الحرب، تدفعنا إلى الموت وكأننا لا نعيه فعلاً. وكأننا نعبث به، ونعبث معه.
أما فيروز في الفيلم، فهي ذلك الصوت الذي عاش مع السوريين في كل صباحاتهم. حتى أنه رافقهم وقت الحرب، وربما في لحظة القنص الحاسمة. فعلاً ياللمفارقة! كل سبل الحياة والموت تجتمعان في مكانٍ واحد. ولا يمكن لأحدهما أن ينتصر على الآخر، فالعلاقة فيما بينهما، صراع أبدي تتجسد هنا بصوت فيروز وبإصبع القناص. ولعلّ المقتطفات المشوشة من أغانيها في بداية الفيلم بتقاطعها مع ضربات المطرقة على الجدران لتجهيز فتحات بندقية القناص، تقدم صورة هامة عن هذه الحالة المتأرجحة بين خيارين فرضا على الجميع.
ثمة صوت آخر يزيد التحدي بين الموت والحياة في الحرب، هو صوت أي شخصٍ تحبه ويخاف عليك، صوت الأم مثلاً. فالقناص "أبو عبدو"، الذي يتكلم الفيلم عنه ومعه، قدّم لنا تجربة عملية عن التضاد والصراع اللذين نشير إليهما. ليؤكد أن هذا المقاتل الذي يجلس مع بندقيته منتظرا هدفاً ليقنصه، بغض النظر عن توجهاته وتوجهات ضحيته، هو بشر وإنسان يعشق ويسمع فيروز ويقتل أيضاً.
و كتب في نهاية الفلم "توقف أبو عبدو عن القنص.. تزوج وأصبح فراناً.. وما يزال يستمع إلى صوت الفيروز العابر لخط التماس من دمشق إلى جوبر".. لننتقل بعدها ومع خطواته إلى الشارع أسفل البناء الذي كان يتمركز فيه حيث يركب سيارة مع أصدقائه، ويصيح بصوتٍ عالٍ "شغلولنا أغاني". وهي خاتمة مطمئنة، من المحتمل أنها تبشر بنهاية رومانسية للحرب في سوريا.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات