بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> ثقافيات  >>
الجواهري.. ونبوءته للعراق التي تحققت!!
  27/07/2014


 17 عاما على رحيله و115 على ولادته
الجواهري.. ونبوءته للعراق التي تحققت!!
عبدالجبار العتابي

 



 بغداد:  تمر يوم السابع والعشرين من شهر تموز / يوليو الذكرى السابعة عشرة لرحيل الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، فيما مرت قبل يوم واحد،اي يوم السادس والعشرين من شهر تموز يوليو  الذكرى الخامسة عشرة بعد المائة لولادته،حيث ولد عام 1890 وتوفي   عام 1997.
  وفي الذكرى هذه.. يمكن النظر الى تلك النبوءة التي ذكرها الجواهري في شعره قبل اكثر من 60 عاما، وذكرها لنا صفاء الجصاني حينما قال: لو سألتني عما توحي المناسبة لي في حال العراق اليوم لاجبت: تنبأ الجواهري عام 1948في قصيدته الشهيرة عند استشهاد اخيه جعفر، عن حال البلاد العراقية ): ارى افقا بنجيع الدماء، تنور وأختفت الانجمُ..... وجيلا يجئ وجيلا يروح، ونارا ازاءهما، تضرمُ)، وها هي النبوءة في ذروتها!!، اليوم تتحقق في العراق المسبي
مشاعر انسانية نبيلة 
   يقول عنه نجله الدكتور كفاح محمد مهدي الجواهري في هذه الذكرى: لقد تربع الجواهري العظيم على قمة الإبداع الشعري منذ أربعينيات القرن الماضي واستطاع الجواهري أن يوظف إبداعه الشعري لخدمة قضايا العراق الوطنية والقضايا العربية التحررية فكان شعره محفزاً لنضال الشعب العراقي من أجل تحقيق تحرره من السيطرة الاستعمارية ومقارعة الأنظمة الحاكمة الفاسدة، ولهذا كله تجاوز الجواهري كونه رمزاً ثقافياً وأدبياً عراقياً وعربياً شامخاً ليجمع إلى ذلك كله رمزاً للوطنية الحقة المحبة لوطنها وشعبها والمدافعة عن حريته وحقه في الحياة الحرة الكريمة.
واضاف: جسد الجواهري في شعره الخالد المشاعر الإنسانية النبيلة فلم تقتصر على قضايا شعبه ووطنه العراق ولا على قضايا أمته العربية المبتلية بأنظمة فاسدة طاغية بل عبر عن أحاسيسه الإنسانية اتجاه قضايا العالم وشعوبه وداعية للسلم العالمي،ولم يقتصر نضال الجواهري الوطني والقومي والعالمي على قلمه الشعري بل أنه وظف قلمه النثري لهذه الأهداف النبيلة من خلال السلطة الرابعة.. الصحافة، وخاض الجواهري العظيم مضمار الصحافة قرابة ربع قرن موظفاً قلمه وأقلام الكثيرين من ذوي الفكر الحر والهوى الوطني في طرح معاناة الشعب وآلامه وآماله بحياة كريمة والدفاع الشرس عن كرامة الوطن وحريته واستقلاله، كان القلم النثري للجواهري وما سطره مترابطاً وثيق الارتباط مع كل بيت من قصائده الرنانة في شعره الخالد.
وتابع: تعبر مقالات الجواهري في صحفه المتعددة ومقالاتها الافتتاحية ومقالاـت الآخرين من الوطنين الأحرار الذين فتح لهم صفحات صحفه بكل رحابة صدر، بكل وضوح عن الخط الوطني الثابت للجواهري العظيم في الدفاع عن سيادة العراق واستقلاله الحقيقتين ودفاعه عن الحقوق الدستورية للمواطن العراقي وما ضمنته من كفالة الحريات العامة وحرية الرأي والفكر والنشر وحرية الاجتماع والحريات السياسية وتأليف الأحزاب والنقابات والمنظمات المهنية وتأمين الخدمات العامة وانتشال الشعب من وضعه المزري وتخليصه من ثالوث الآفات: الفقر والجهل والمرض. ومحاربة الفساد الإداري والمالي وتأمين السكن الكريم للعراقيين وخصوصاً الشرائح الفقيرة منه والتي تشكل الأكثرية الساحقة للشعب العراقي. ودعواته المستمرة واللحوحة لوحدة القوى الوطنية وتكاتفها.
وختم بالقول: هذا هو الجواهري الذي نتذكر في هذين اليومين ذكرى ولادته ورحيله عن هذا العالم البائس
عبقرية فريدة 
فيما يقول عنه الشاعر الدكتور  محمد حسين ال ياسين: الجواهري..  رجل خالد ستقرأه الاجيال وتقف امام ابداعه وتعجب من هذه الطاقة الغنية النادرة.
 واضاف: سئل عن عمره في لقاء تلفزيوني في الكويت، فقال عمري الف سنة، فضحكت المذيعة ولم تدرك المعنى ,هو لم يكن يريد ان يقول سبعون او ثمانون هو عمري ,بل عمر شعره الذي سيبقى محمولا في الصدور وفي القلوب وفي الذاكرة الجمعية للادباء والكتاب.
 وتابع: من المفارقات التي لاتتكرر عادة ان تكون الوفاة في الشهر الذي تكون فيه الولادة فلا نعهد ان يكون في المبدعين والمفكرين والعلماء من اجتمع تاريخا الولادة والوفاة في شهر واحد, وهذا من المفارقات التي يختص بها الجواهري والتي لاتكرر دائما فهي  فريدة مثل فراده في الابداع والشعر..صحيح ان ولادة الجواهري من السنة مختلف فيها بين 1899-1901-1903 لكننا نجد ان الراحل الدكتور على جواد الطاهر في دراسته المفصلة التي صدر بها ديوان الجواهري المطبوع في السبعينيات قد حقق في هذه النقطة وتوصل الى ان الصحيح هي 1900 فيكون الجواهري قد عاش في حساباتنا 97 سنة ميلادية اي تقابل 100سنة هجرية، فعمره قرن كامل ,وهذا ايضا مفارقة ثانية ان يجتمع في العبقري طول العمر والعبقرية، فالمعروف عن العباقرة ان اعمارهم قصيرة لان عبقريتهم وذكائهم تنحت هذه الاعمار وتبترها وقد ذكرت هذا المعنى في قصيدتي التي انشدتها في مهرجان الجواهري الثاني قبل اعوام وقلت فيها: ولم تجتمـع للعبقريين قبــله /  سحائب سر تنبــت العمروالشعرا.
شاهد حق عزوفٍ عن الرياء!!
اما رواء الجصاني، ابن اخت الشاعر ومدير مركز الجواهري / براغ، فقال: الموت غيّب الجواهري الكبير في احدى مشافي العاصمة السورية دمشق عن عمر يناهز المئة عام، وإذ يطبق "الموت اللئيم" على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين وأهله، ضجت الأصوات والمنابر العربية المتنورة، والعراقية منها على وجه الخصوص بالأحاديث والكتابات والرؤى، عن عظمة ومجد الراحل العظيم: المتميز بعبقريته التي يخشى أن يجادل حولها أحد، والشاعر الذي "لم يصلِّ لغير الشعر من وثن "، فبات الشعراء يقيسون قاماتهم عليه، وذلك السياسي الذي لم ينتم لحزب... بل كان حزباً كاملاً بذاته، يخوض المعارك شعراً ومواقف رائدة، والرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة بل ووسطها، فهو "العراق لساناً ودماً وكياناً" و"ابن الفراتين"، وثالثهما، وهو الثوري الذي "يطأ الطغاة بشسع نعلِ عازبا"، صاحب "يوم الشهيد" و"آمنت بالحسين" و"قلبي لكردستان" و"الغضب الخلاق" و"الفداء والدم"،  والمتمرد الذي ظل طوال حياته باحثاً عن "وشك معترك أو قرب مشتجر"، كيّ "يطعم النيران باللهب"!
واضاف: وهو المبدع في فرائد "زوربا" و"المعري" و"سجا البحر" و"أفروديت" و"أنيتا" و"لغة الثياب" و"أيها الأرق" وأخواتها،وحامل القلم الجريء والمتحدي والذي "لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر"... ناشر "الرأي العام" و"الجهاد" و"الثبات" ورفيقاتهن الأخريات، والمكافح من أجل الارتقاء على مدى عقود حياته المديدة، مؤمناً: "لثورة الفكر تاريخ يحدثنا، بأن ألف مسيح دونها صلبا"،والانسان الذي أحب الناس كل الناس، من أشرق كالشمس ومن أظلم كالماس"، والرائد في حب وتقديس من "زُنَّ الحياة" فراح يصوغ الشعر "قلائداً لعقودهنَّ"... و"يقتبس من وليدهن نغم القصيد"، والوادع الحليم "الكاشف حر الضمير"... والمنتفض كالنمر حين يستثيره "ميتون على ما استفرغوا جمدوا"، -و"الفتى الممراح فراج الكروب"، الذي "لم يخل من البهجة دارا"
وتابع: انه باختصار ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته "يخشى أن يروح ولم يبقِ ذكرا"... فهل راحت قصائده – فعلاً – "ملىء فم الزمان"!! وهل ثبتت مزاعمه بأن قصيده "سيبقى ويفنى نيزك وشهاب" وهل حقاً "ان للعبقري الفذّ واحدة، إما الخلود وإما المال والنشبا"؟!،  ذلك ما حدثنا، ويتحدث به التاريخ بفيضٍ وتباهٍ، ويا له من شاهد حق عزوفٍ عن الرياء!!.
سيرة حياة حافلة 
ويمكن ان نوجز سيرة حياة الجواهري بهذه السطور:
في النجف نشأ وترعرع في أسرة محافظة عريقة في العلم والأدب والشعر تُعرف بآل الجواهر, كان أبوه عالما من علماء النجف اراد أن يكون الجواهري عالما مثله لذلك ألبسه عباءة العلماء وعمامتهم وهو في سن العاشرة، اشترك في ثورة العشرين عام 1920م ضد السلطات البريطانية , ثم اشتغل مدة قصيرة في بلاط الملك فيصل الأول عندما تُوج ملكاً على العراق , ثم ترك العمامة الدينية كما ترك الاشتغال في البلاط الفيصلي وراح يعمل بالصحافة بعد أن غادر النجف إلى بغداد, فأصدر مجموعة من الصحف منها جريدة "الفرات" وجريدة "الانقلاب" وذلك في أواخر عام 1936 إثر الانقلاب العسكري الذي قاده بكر صدقي، وعندما أحس بانحراف الانقلاب عن أهدافه التي أعلن عنها بدأ يعارض سياسة الحكم فيما ينشر في هذه الجريدة, فحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر وبإيقاف الجريدة عن الصدور شهراً, و بعد سقوط حكومة الانقلاب غير اسم الجريدة إلى "الرأي العام", وقد انتخب الجواهري عدة مرات رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين، وفي عام 1961 واجه مضايقات مختلفة فغادر العراق إلى لبنان ومن هناك استقر في براغ حيث أقام فيها سبع سنوات, وصدر له فيها في عام 1965 ديوان جديد سمّاه بريد الغربة , وفي عام 1968 عاد إلى العراق وخصصت له حكومة الثورة راتباً تقاعدياً قدره 150 ديناراً في الشهر.
  الجواهري نشر أول قصيدة له في شهر كانون الثاني / يناير عام  1921 وأخذ يوالي النشر بعدها في مختلف الجرائد والمجلات العراقية والعربية, كما نشر أول مجموعة له باسم "حلبة الأدب" عارض فيها عدداً من الشعراء القدامى والمعاصرين, كما أصدر في عام 1928 ديواناً سماه بين الشعور والعاطفة نشر فيه ما استجد من شعره وفي عام 1935 أصدر ديوانه الثاني بإسم ديوان الجواهري وفي عام 1969 صدر له في بغداد ديوان "بريد العودة", واصدرت له وزارة الاعلام في عام 1971 ديوان " أيها الأرق" وديوان "خلجات".
  الجواهري لقب بـ "نابغة النجف" ولد وتوفي في الشهر نفسه, وكان الفارق يوماً واحداً ما بين يوم ميلاده ووفاته توفي في إحدى مشافي دمشق عن عمر يناهز الثامنة والتسعين,  دفن في مقبرة الغرباء في السيدة زينب في ضواحي دمشق, تغطيه خارطة العراق المنحوتة على حجر الجرانيت, وكتب على شاهد قبره قصيدة حملت اسم "يا دجلة الخير" نظمها الشاعر في براغ شتاء عام 1962 ويقول فيها:
حَيّيتُ سفحكِ عن بعدٍ فحييني / يا دجلة الخير, يا أمَّ البساتين
حييتُ سفحك ظمآنا ألوذ به / لوذَ الحمائم بين الماء والطين
يادجلة الخير يانبعاً أفارقهُ / على الكراهة بين الحين والحين
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات